تبقى الرواية هي الفضاء الأوسع في التعبير عن كينونة الذات وإظهار ثقافة الكاتب، من خلال تعدد الشخصيات والحبكة بينهم كما في رواية "السكرة" للروائي "سمير الشحف".

«يقول الناقد الأدبي الهنغاري "جورج لوكاتش" في كتابه "نظرية الرواية": "إن الرواية هي الشكل الأدبي الأكثر دلالة على المجتمع البرجوازي"، ويعبر جوهر العمل الروائي الأكثر عمقاً عن ذات المؤلف في سؤال ما هو الإنسان؟

حمل سياق رواية "السكرة" الغاية التي أرادها العمل الروائي بقدر كبير من النجاح سواء في تأويل التاريخ أم في متعة التخييل، وذلك أنه استبدل باسم قريته الحقيقية اسماً جديداً هو "السكرة"

يستضيف المتن الروائي القارئ أي "الناقد" وعليه أن يتذكر دائماً قوانين الضيافة بعدم التعالي على النص المنقود ويدرك أن هوامشه لن تصبح متناً إلا إذا استطاع أن يعيد إنتاج النص ويكون له فضاءً دلالياً جديداً وبذلك وحده تصبح هوامشه متناً يوازي النص المنقود وتزول العلاقة بين التابع والمتبوع، ويصبح نص الناقد نصاً أدبياً على نصٍ أدبي».

الروائي سمير أسد الشحف

الحديث كان للناقد الدكتور "عاطف البطرس" عضو اتحاد الكتاب العرب لموقع eSwueda بتاريخ 15/2/2012 وتابع رؤيته النقدية بالقول: «إذا سلمنا أن الرواية بنية سردية متخيلة في إطار المرجعية الواقعية التاريخية فإن هذا يستدعي تناول العمل المنقود "السكرة" أولاً كبنية سردية، وثانياً علاقة الواقع بالمتخيل التاريخي، كل عمل أدبي يستدعي مفاتيحه ويعلن عن نفسه فليست كل المناهج صالحة لكل النصوص فالنص يسلم نفسه بشروطه وهنا نلاحظ أن رواية "السكرة" تدخل في إطار التجنيس ضمن ما يسمى رواية السيرة الذاتية وهي ليست سيرة ذاتية لشخص وإنما لمنطقة ووطن، اعتمد المؤلف تقانة تطابق العلاقة بين المؤلف والراوي والبطل بحيث أصبحت شخصية الراوي في كثير من الحالات مروياً عنها، عن طريق أسلوب الذكريات، وتعدد الضمائر السردية».

وتابع الناقد الدكتور "عاطف البطرس" رأيه بطرح سؤال قائلاً: «إن صحت تقانة تطابق العلاقة على بطل الرواية بوصفه مؤلفاً لها أيضاً، كيف يصح على شخصيات أخرى ليس لها علاقة بالتأليف؟

الأستاذ كرم بو كرم

أما من حيث المضمون فالرواية كثير من الأفكار المقدمة عبر الشخصيات والتي يمكن التوقف معها مطولاً كالحب الجنسي والعلاقة بين الرجل والمرأة في ظل مجتمع الريف المغلق والمدينة الأكثر انفتاحاً، من أخطر الأشياء في الممارسة النقدية، إن التماهي بين بطل الرواية وبين المؤلف تشخيص المؤلف لا يتطابق مع شخصياته الروائية وإن حملت بعض الشخصيات خصائص المؤلف، ان تماثل شخصية المؤلف مع بطل الرواية أو أحد شخصياتها لا يقل خطورة عن القطيعة بينهما وعلاقة تشابه في الاختلاف أو الاتصال في الانفصال، وعليه فلا يجوز أن نحاكم كاتباً بجريرة ما تقوله شخصياته أو ما يصدر عن بطله من مواقف أو أفكار».

«حمل سياق رواية "السكرة" الغاية التي أرادها العمل الروائي بقدر كبير من النجاح سواء في تأويل التاريخ أم في متعة التخييل، وذلك أنه استبدل باسم قريته الحقيقية اسماً جديداً هو "السكرة"»، الحديث كان للناقد "محمد طربيه" عضو اتحاد الكتاب العرب وتابع بالقول: «إضافة لأسماء شخصيات الواقعة التاريخية بطريقة الفن الروائي وبناء عالم متخيل، والابتعاد عن التاريخية أو المطابقة الواقعية، بمعنى لو سميت المسميات بأسمائها لبقينا حبيسي مكان محدد معروف، وأسيري شخصيات واقعية معينة، بما لا يحقق معه متعة التخييل الروائي وانفتاح الفضاء الروائي، وعلى الرغم من تعدد الشخصيات وتنوعها، فقد نالت الشخصيات النسوية نصيباً كبيراً من أحداث الرواية وفصولها وكن فاعلات في مجرياتها فليس في الرواية بطل واحد بالمعنى المعروف لمصطلح الرواية التقليدية، والشخوص تقوم بأدوار تكاد تتساوى في أهميتها ومساهمتها في دفع الخط الدرامي للرواية، أما المكان فيبدو أنه البطل الحقيقي في الرواية ليس بوصفه فضاءً يشمل أماكن عدة تحتوي على شخصيات متعددة».

العمل المدروس

وعن مكانة الرواية "السكرة" للروائي "سمير الشحف" وفوزها بالمرتبة الأولى لجائزة المزرعة للإبداع الأدبي والفني لعام 2007 بين الناقد "محمد طربيه" بالقول: «لقد نهض بالرواية وبوأها مكانتها بالفوز أمران الأول الحبكة المتماسكة التي لا تشكو من استطالات، وتنوع الأساليب بين سرد وحوارات ومنولوجات ومذكرات شخصية وسياسية واستخدام نوعي خاص للغة جعلها تحقق الوظيفتين الإبلاغية والجمالية ولاسيما في الوصف والحوار، والأمر الثاني هو نجاح الكاتب إلى حد بعيد في خلخلة القناعات المتكلسة والمتواترة عبر ذاكرتنا الجمعية وعبر القسر الاجتماعي حول مفاهيم الجنس والصداقة والدين والأحزاب والايديولوجيات، وبالتالي فقد قارب غاية العمل الروائي في متن الرواية، وفي فصولها تأويل التاريخ وتدوينه وتوظيف عبره في الحاضر الراهن وليس مجرد استرجاع».

الأستاذ "كرم أبو كرم" بعد قراءته للرواية بين رأيه بالقول: «إن من يقرأ الرواية يكتشف دون عناء مكانها وزمانها وشخوصها ومرحلتها، لكن عندما اختار الكاتب أحداث ووقائع فيها من الجرأة الكثير على المجتمع، لو وظف تلك الحوادث في استغلال اللحظات الدرامية ربما ساعد العمل على النجاح أكثر، هناك شخصيات مثل "نهيلة، وجابر، وأبو ليال" وغيرها، فإذا أسقطنا تلك الشخصيات وغيرها على الواقع الجغرافي، فنراه نادرة الحدوث وبعيدة عن منظومة العادات والتقاليد، كذلك رأيت من المفيد طرح أسئلة مشروعة للمتلقي منها كيف وظف الكاتب إلحاد النجار وتكفيره بالعجمي "المهدي"؟، وهل أراد إلحاق صفة الإلحاد ببعض الأحزاب السياسية؟.. لأن الأحزاب بمجملها علمانية وليست تكفيرية، وأسئلة كثيرة تطرح، ربما ذلك ساهم في خلق رؤية متجددة للنص وهو عامل نجاح للراوية والتي أجزم أنها فازت بالمرتبة الأولى ليس لأنها الأحسن بما قدم من روايات بل لأنها تستحق لأن تكون في المرتبة الأولى».

كاتب الرواية الروائي "سمير الشحف" أوضح رؤيته بالقول: «مما لا شك فيه أن العمل الروائي يحمل العديد من أوجه النقد والاختلاف في الأحداث والوقائع، وقد اتفق مع الكثير مما طرح من آراء نقدية حول الرواية، ولكن أرى أن النص الإبداعي يحمل تخيلات وتلك هي جمالية العمل الأدبي في توظيف الشخصيات وخلقها بقالب مناسب لها مخالف للواقع، بمعنى الابتعاد عن السرد المماثل للزمان والمكان ولهذا اتخذت من عنوان "السكرة" بدلاً من اسم المكان الحقيقي، إضافة إلى أن العمل الذي ينتقد هو من يدخل عالم الحراك الثقافي، ربما ذلك جعلني أتشجع أكثر في طرح إشكاليات اجتماعية نحن تواقون لطرحها على بساط التحليل والتخلص من سلطة الموروث».