من بساطة العلاقات القروية والتاريخ غير واضح المعالم بدأت قرية "تخلة" مشوارها في ريف مدينة "الدريكيش" وأثبتت وجودها كقرية نموذجية.
فعلي بعد حوالي /30/ كيلومتراً عن مدينة "طرطوس" ومنذ عدة قرون ازدهرت الزراعة والعراقة والبساطة بين أبناء قرية "تخلة" ومازالت قرية زراعية عريقة بسيطة في تعاملاتها غنية بمكنوناتها وأهلها رغم قلة عددهم الذي لم يصل حتى تاريخنا هذا إلى أكثر من /1000/ نسمة في حدهم الأقصى وفق حديث الأستاذ "يونس محمد إبراهيم" أحد سكان القرية المقيمين فيها، مضيفاً:
باعتقادي وبحسب مطالعاتي التاريخية والثقافية فإن اسم "تخلة" هو تعريب لاسم القديسة "مار تقلا" التي كرست لها الكنيسة التي كانت موجودة في القرية منذ عدة قرون بجانب البرج
«قرية "تخلة" ليس لها تاريخ محدد أو مكتوب يظهر نشأتها أو عمرها البشري، لكن عبر الأحاديث المتناقلة بالتواتر من الأجداد القدامى متأكد من أن القرية كانت حوالي /20/ منزلاً مبنياً من التراب وفق النموذج القروي التراثي، وحوالي /9/ تنانير حطب، وعدد سكان لا يتجاوز /110/ نسمات وذلك في ستينيات القرن الماضي، وهذا كان تميزاً في القرية تحدث عنه الجميع في القرية والقرى المجاورة حيث انعكس العدد القليل جداً للسكان على طبيعتهم وطبيعة علاقتهم مع بعضهم بعضاً فلفتهم الطيبة والألفة وسكنتهم البساطة والعفة.
والأهم من هذا كله الفطنة والذكاء وروح الفكاهة التي عاشت في داخل كل رجل وامرأة وطفل وكهل في القرية، وإن قمنا بمقارنة القرية من حيث عدد سكانها ونسبة مثقفيها ونوعية شهاداتهم وثقافتهم مع أية قرية أخرى لوجدنا أنها كانت الأفضل والأميز، ففيها الأدباء والمفكرون والأطباء والباحثون والضباط الذين هم في أعلى المراتب والمناصب القيادية، إضافة إلى البروفيسور والصيدلاني والمدرس في الجامعات المختلفة».
وعن حدود القرية الجغرافية يقول: «تقع القرية على هضبة مرتفعة يحدها من الجهة الجنوبية قرية "بيت خميس" ومن الجهة الشرقية قرية "جبل تخلة" ومن الجهة الشمالية امتداد سلسلة جبلية، أما من الجهة الغربية فيحدها قرية "بيت بدعه"».
إن طقوس صناعة أطباق القش ما تزال محفورة في ذاكرة الأستاذ "يونس" وهنا يقول: «فيما مضى كانت صناعة أطباق القش من أعواد القمح اليابسة إحدى أهم الحرف التراثية المعمول بها في القرية، حيث كانت نساء القرية تنتظر "البسطاتي" وهو بائع متجول ليحضر معه الحناء والصباغ لصبغ هذه الأعواد اليابسة وتلوينها وإدارة الطبق من بعد ذلك بطريقة يدوية».
السيد "محمود محمد إبراهيم" مختار قرية "تخلة" يؤكد عدم حدوث أية خلافات فيما مضى بين أبناء القرية سببت بقطيعة فيما بينهم لأي سبب كان، ويرى هذا ناتجاً عن طبيعة العلاقات الطيبة الودودة المبنية على المحبة فيما بينهم، مضيفاً: «هذا انعكس على علاقاتهم في المناسبات السارة أو الحزينة حيث تراهم يداً واحدة الغريب يمد يد العون قبل القريب، ففي الأفراح كانوا يجتمعون في ساحة القرية على أضواء الفوانيس وعلى وقع معزوفات الزمر وقرع الطبل، ويشعلون الحطب والبلان العشبي كطقس من طقوس الفرح» .
ويتابع: «كان يوجد مجموعة من الرجال الشرفاء والنزهاء ويسمونهم الوجهاء وعلى رأسهم المختار، يعملون على الألفة وزيادة المحبة وتكريسها فيما بين السكان على الدوام، إضافة إلى حل النزاعات في حال وقوعها مهما كانت، فكانت كلمتهم كلمة مسموعة من قبل الجميع».
ويضيف: «يوجد في القرية بقايا برج أثري قديم جداً قدم التاريخ يسمى "برج تخلة"، وهو برج على ما أعتقد روماني والبعض يقول إنه صليبي، وهو يشبه "برج صافيتا" كما أذكر قبل أن تهدم بقاياه الأخيرة، ويقع كموقع إنشائي في الجهة الشرقية من القرية أما كموقع جغرافي ما بين "برج صافيتا" و"برج الدقارة" في قرية "الدقارة" المقابلة لنا، وقد كشف في إحدى الدراسات على وجود قنوات فخارية ممتدة من مدينة "الدريكيش" إلى البرج لنقل المياه إليه من النبع.
إضافة إلى وجود عدة مغاور في غرب القرية يعتقد أنها أثرية أيضاً ولكن دون أي مسح أثري، ويقال إن في احدها ممر صغير يؤدي في نهايته إلى البرج».
الأستاذ "أحمد يوسف داود" يحدثنا عن بعض ينابيع القرية فيقول: «كان يوجد في الجهة الشمالية الغربية من القرية نبع مياه باردة جداً يطلق عليه "عين الشوق"، ومن ثم حرفت التسمية فأصبح اسم النبع "عين الشوك" وهذا ربما يعود لطبيعة المنطقة وأعشابها، حيث إنها حالياً جافة بعد أن كانت مياهها معدنية تشابه مياه "الدريكيش".
أضف إلى ذلك وجود ما يسمى الإسطبل بالقرب منه، وهو مبني بطريقة العقد الحجري، وبجانيه بئر يسمى "العوينيت" أي له عينان، وكان يستخدم لسقي الماشية فيما مضى».
وعن عائلات القرية وزراعاتهم الأساسية قال: «أسس القرية عدد قليل من العائلات هم عائلة "بيت عثمان" وعائلة "بيت كيوان" وعائلة "بيت بشير" وفي فترة ليست بعيدة دخلت إلى القرية عائلة "بيت ونوس"، وجميع هذه العائلات عملت منذ القدم بزراعة الزيتون والكرمة والشعير والقمح والحمص والذرة بنوعيها البيضاء والصفراء، واستخدموا لنجاح هذه الزراعات السماد العضوي الطبيعي الذي تنتجه مواشيهم، أضف إلى ذلك زراعة الحمضيات والتفاحيات في حدائق المنازل».
أما عن تسمية القرية فيقول الأستاذ "أحمد": «باعتقادي وبحسب مطالعاتي التاريخية والثقافية فإن اسم "تخلة" هو تعريب لاسم القديسة "مار تقلا" التي كرست لها الكنيسة التي كانت موجودة في القرية منذ عدة قرون بجانب البرج».
