عمل بالمسرح ولم يدرس الفنون المسرحية، لكن حبر قلمه دفعه للمضي قدماً إلى دخول التجربة المسرحية تأليفاً وإخراجا.

"منير حلاق" موهبة جالت بين خشبات المسرح لتكون صلب أطروحاته التمثيلية مأخوذة من الواقع الذي خيم على "حلب" في ذلك الوقت.

لقد أدرك "حلاق" الرابعة والثمانين من عمره ولا يزال يحتفظ بالقلم إذ يعتبره رسالة يجب عليه أو يؤديها

من هذا المنطلق قلّب موقع eAleppo صفحات من ذاكرة "حلاق" مقدماً جزءاً من إسهاماته في مجال المسرح فيقول: «في الأربعينيات من القرن المنصرم أتقنت نظريات المسرح عن طريق الدراسة الحرة، ودخلت فرصتها العملية الأولى وأنا في الثالثة عشرة من عمري، حينما دعتني إحدى الفرق التمثيلية لكي أقوم بتأدية العديد من الأدوار التي كلفت بها ولكنني رفضت ذلك العرض لكونه يأخذ شخصية فتاة وكنت حينها لم أصل إلى سن البلوغ ورفضت ذلك العرض».

مسرحية عبرة حلبية

وأضاف: «وبعد رفضي لذلك العرض تابعت التدرب في العديد من الأدوار المسرحية التي كانت تقام بالمدرسة أثناء دراستي للشهادة الإعدادية».

بداية المسيرة الفنية

وبعد هذا العرض القصير الذي بدأه عن بدايات دخوله للفن المسرحي تابع حديثه حينما بدأت وبشكل فعلي مسيرته العملية في الفن المسرحي حيث يقول "حلاق" فيها: «عندما بلغت العشرين من عمري ألّفت العديد من المسرحيات، ومن بينها كانت تحمل عنوان "فريسة الأحلام" والتي استوحيت فكرتها من الحرب العالمية الثانية، وقد ضمت العديد من الفصول التي تحكي معاناة شعب جراء تفشي العديد من الأمراض الزهرية في مجتمعه وتصوير معاناته اليومية في ظل انتشار هذا الوباء الاجتماعي، وكانت هذه المسرحية الأولى التي ألفتها وتلك كانت بداية التأليف المسرحي».

الباحث المسرحي "هلال دملخي"

ويضيف: «كنت أقدّم في كل شهر مسرحية واحدة، إلى جانب ذلك فقد انتسبت إلى جمعية العاديات بـ "حلب"، وأثناء وجود أحد المدعوين في حفل زفاف أحد الأصدقاء، خطر في بال أحدهم إقامة عمل مسرحي يتناول فيه ظاهرة "العبرة الحلبية" ويشرح فيها تلك العادة التي تمثل أحد طقوس الزواج عند الطائفة المسيحية، فأشار إليه المدعوون بأن "منير حلاق" هو الشخص المناسب لتأليف ذلك العمل، فاتصل بي وعرض علي المشروع فوافقت على انجازه، حينها بدأت بتأليف مسرحية العبرة الحلبية، وقد استغرقت في كتابة نصها ثلاثة أيام، بعدها عرضت المسرحية ولاقت قبولاً عند الحضور وامتد عرضها لساعة ونصف، وقد قام بأدائها ستون ممثلاً عام 1983.

وبعد نجاح مسرحية "العبرة الحلبية"- والكلام لـ "حلاق"- عملت على إنجاز فصل من فصول مسرحية "اسق العطاش"، صورّت فيها إحدى سنوات الجفاف التي مرت في ذلك الوقت، إضافة لتسليط الضوء على محاور الغلاء والفساد وجشع بعض التجار في ذلك، لكي تنتهي فصول المسرحية بخاتمة صوّرت فيها هطول المطر وتخلّص الناس من الجفاف الذي وقع عليهم، إلا أنه وفي نهاية المطاف لم تعرض تلك المسرحية أبداً، وتابعت العمل وقمت بتأليف عمل مسرحي حمل عنوان "عنتريات" وهي هزلية مضحكة صورت فيها أموراً اجتماعية بطريقة هزلية ضاحكة».

من مسرحياته في منتصف الأربعينيات القرن الماضي

لكن "حلاق" لم يكن مؤلفاً للمسرحيات فقط وإنما شارك في العديد منها إخراجاً وتمثيلاً وعن عددها أجاب "حلاق" قائلاً: «تجاوزت العشرين مسرحية، وكنت اشترط في كل عمل مسرحي بألا تتغير أية كلمة موجودة في النص من قبل القائمين على العمل لكيلا تشكل إرباكا في النصوص المقدمة فيها وتحدث خللاً من ناحية العقدة والحبكة المؤلفة منها، ويفقد النص المكتوب توازنه، لأن كل كلمة موجودة فيها قد اختيرت بعناية ودراية، وكانت كل مسرحية تكتب باللغة العربية تأخذ أكثر من شهر ونصف، إلا في حال إن كتبت باللغة المحكية العامية فإنها تأخذ أسبوعاً على الأكثر، وكان معظمها يعرض بكنيسة "اللاتين" في "حلب"، إضافة إلى الكنائس الأخرى، ومن خلال هوايتي المسرحية استطعت أن أسلط الضوء على العديد من القضايا الاجتماعية المحيطة بي».

وختم قائلاً: «في عام 1986 قدمت آخر أعمالي المسرحية حملت عنوان "سنوات الجفاف" وكانت باللغة العامية حيث تضمنت مجموعة من الأغاني واللوحات الراقصة سلّطت الضوء فيها على حياة الناس الاجتماعية وبها ختمت العمل في المجال المسرحي».

رغم توقف الفنان "منير حلاق" عام 1986 عن العمل المسرحي إلا أن أعماله الفنية بقيت مؤرشفة مع تاريخ المسرح في "حلب" وصبغت موهبته مسارح ذلك الزمن، حيث عرفه العديد من الباحثين المسرحيين ومنهم "هلال دملخي" وعن تلك الفترة يقول "دملخي": «عرفت الفنان "حلاق" في أواخر القرن العشرين، والتقيت معه أول مرة في مقر نادي الشبيبة الكاثوليكية بـ "حلب" وقد تمتع بموهبة مسرحية، حيث إنه ابن "حلب" وعاش بـمنطقة "الشرعسوس"، في حي "قسطل الحرامي"، ورغم صغر سنه وهو في الثامنة من عمره إلا أنه اعتلى خشبة المسرح وقدم عرضاً في مسرحية "الأميران الأسيران" على مسرح المدرسة المارونية.

ومن خلال معرفتي للعديد من الأعمال التي قدمها وجدت أن هناك ما يزيد على العشرين عملاً مسرحياً كان قد قدمها في التأليف والتمثيل والإخراج، ومنها أذكر في دور البطولة "شهر العسل"، طاغية القرية"، "القبضاي"، وفي التأليف مسرحية "فريسة الألم" و"فتاة العصر"، "قهوة النبعة"، "العقد المسروق"، "شهامة أم"، "عبرة حلبية"، إلى جانب إلقائه للعديد من المحاضرات الاجتماعية والفنية في جمعية العاديات».

وتابع "دملخي" قائلاً: «أسهم أيضاً في تدقيق عدة كتب ومنها للأب "يوسف قوشاقجي" والتي ترجمها عن الفرنسية ومن هذه الكتب "دون بوسكو"، "تريز مرتان"، وهذا ناتج عن ولع "حلاق" بمطالعة الكتب الأدبية والتاريخية وقيامه بنشر بعض المقالات عن آثار "سورية"، ولم يغب أيضاً عن العالم الموسيقي فكان أبرز عناصر جوقة "الترتيل" فدرس الموسيقا الشرقية في مطلع شبابه مبتدئاً بالعزف على آلة "العود" ثم ما لبث أن تحول إلى العزف على آلة الكمان، وتتلمذ أيضاً على يد الموسيقار الراحل "توفيق الصباغ" من خلال إشرافه وإسهامه في المسرحيات الغنائية والحفلات الموسيقية».

وكثيراً ممن تعامل معه يلزمه في الانضباط بمواعيده وعنها تحدث "دملخي": «لا يزال الفنان "منير حلاق" يتميز بحرصه الشديد على الاحترام والتقيد بالوقت وبالمواعيد التي يتم الاتفاق عليها، وهناك مقولة مشهورة كان يقولها "حلاق" دائماً.. إن كتب على بطاقة دعوة.. يفتح الستار في تمام الساعة التاسعة فلا أقبل أبداً أن يفتح الستار الساعة التاسعة ودقيقة واحدة وكذلك الأمر في فترة الاستراحة بين الفصول يجب أن تكون خمس دقائق بالضبط.

وقد سمعت في إحدى المرات- والكلام لـ "دملخي"- أن نادي "التراسنطا" قد أعلن عن عرض مسرحي في أحد الأيام، وقبل عرضه بأربع وعشرين ساعة حصل خلاف بين النادي والممثل الرئيسي الأمر الذي أدى إلى ترك الممثل لدوره الرئيسي، فذهب رئيس النادي وفي منتصف الليل إلى الفنان "منير حلاق" وأطلعه على المشكلة فما كان من "حلاق" إلا أن اخذ المسرحية وحفظ دور الممثل الرئيسي في غضون ساعات، ونجح النادي في تقديم عرضه المسرحي وأنقذ "حلاق" الموقف الحرج الذي وقع فيه النادي».

وختم "دملخي" قائلاً: «لقد أدرك "حلاق" الرابعة والثمانين من عمره ولا يزال يحتفظ بالقلم إذ يعتبره رسالة يجب عليه أو يؤديها».

منير حلاق مواليد 1927 منطقة "قسطل الحرامي بـ "حلب"، تلقى علومه الابتدائية والإعدادية والثانوية فيها، له من الأولاد خمسة، وهو عضو في ناديي الشبيبة الكاثوليكية والتراسنطا بـ "حلب"، تجاوزت أعماله المسرحية العشرين.