صدر مؤخراً عن دار الريان للطباعة والنشر ديوان شعري للشاعر الراحل "عيسى عصفور" من إعداد الأستاذين "رضوان رضوان" و"عادل رزق"، يضم الكتاب قصائد متعددة ومتنوعة الموضوعات لشاعر جميل عرفه الناس في عصره مربياً وقاضياً عادلاً، وعلى الرغم من قلة عدد القصائد التي خلفها إلا أنها اتسمت بخصوصية جميلة ميزتها وتنوع في موضوعاتها بين الوطنية والاجتماعية وقصائد الرثاء لمحبيه وزملائه وغيرها الكثير.

وفي قراءة نقدية لهذا الديوان التقى موقعنا الأستاذ والباحث "محمد طربيه" عضو اتحاد الكتاب العرب وعضو جمعية النقد الأدبي، ورئيس فرع "السويداء" لجمعية العاديات الذي تحدث قائلاً: «الشعر عند "عيسى عصفور" لم يكن تباهياً أو افتخاراً أو استعراضاً لمخزونه اللغوي أو براعته الفنية، أو بقصد زيادة عديد قصائده أو الحصول على جزاء مادي أو معنوي من نشر ما أبدع من أشعار، مما يمكن القول بأنه كان شاعراً مقلاً ويلاحظ ذلك من أمرين: الأول قلة عدد القصائد بالنسبة للمدى الزمني الذي قيلت فيه عبر خمسين عاماً أو يزيد من عام 1939م حتى 1989م.

إنني أطرح هذه التساؤلات نصرة للفن وللإنسانية، أطرحها قبل أن تبهرنا نتائج العلم وقبل أن يهزم بريق المال نفوسنا ويفسد ضمائرنا، ليس في ذهني أجمل من مثل هذه المناسبة نحيي فيها ذكرى إنسان عظيم وفنان مبدع عاش على الكفاف وقنع به التزاماً بكرامة النفس وراحة الضمير، ألا وهو المرحوم "عيسى عصفور" الذي حذر من انحراف العلم والمال وسطوتهما على الحياة الإنسانية والطبيعية

ذلك أن "عيسى عصفور" كان كأبناء جيله جيل الهدف الوطني والقومي والاجتماعي لا يكتب قصيدة فصيحة أم عادية إلا إذا هبت رياح الأحداث الوطنية والقومية على موقد الشعر فألهبت نيرانه، ولم يكن يوتر قوس قريحته إلا فقد المجاهدين والمناضلين الأبطال من الأصدقاء والزملاء والشخصيات الوطنية والقومية.

الناقد والباحث "محمد طربيه"

أما الأمر الثاني فهو عدم اكتراثه بجمع تلك القصائد أو عدم اهتمامه باصدار ما أبدع في ديوان كما يفعل الشعراء عادة، مما دعا الأستاذ "عيد معمر" إلى المبادرة بجمع ما تيسر من شعر المرحوم "عيسى" ونشرها في كراس مع بعض كلمات التأبين، ثم صدور ديوانه كاملاً من إعداد الأستاذين "رضوان محمد رضوان" و"عادل يحيى رزق".

وإذا كان عدد القصائد المجموعة والمنشورة متقارباً بعض الشيء في الكتابين، فإن ما يميز العمل الذي نحن بصدد الاحتفاء به هو المقدمة النقدية الضافية للديوان والتي كتبها الأستاذ "رضوان" وأكملها الأستاذ "عادل"، والتي تثير الكثير من التعقيبات وتبعث على الكثير من الحوارات وليس فقط حول الديوان وإنما حول الشعر كفن إنساني بعامة والشعر العربي في شكله القديم بخاصة.

الأستاذ "جمال أبو جهجاه"

ولعل ما يميز المقدمة هو وضع الشعر كفن إنساني جميل في سياقه الثقافي – الفكري العام، وضمن إطاره الاجتماعي السياسي على صعيد ما يتعرض له عالمنا من تخلخل القيم وطغيان المصالح على المبادئ وانحراف العلم عن غاياته الأخلاقية والإنسانية وسيادة التكنولوجيا إلى الحد الذي أبعدت فيه الإنسان عن جوهره الإنساني، إذ يقول الأستاذ "رضوان رضوان": «إن أحداً ليس آمناً في هذا الكون مهما كان تطوره أو تخلفه، ومهما كانت قوته أو ضعفه، ونحن نشهد بأم أعيننا ذروة الجوع والقهر مع ذروة العلم والتكنولوجيا، وذروة الدكتاتورية والظلم مع ذروة الدعوة إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان ونشاط هيئة الأمم المتحدة مع تزايد الأمم المتفرقة والمتناحرة في كل أصقاع الأرض».

ويتابع: «إنني أطرح هذه التساؤلات نصرة للفن وللإنسانية، أطرحها قبل أن تبهرنا نتائج العلم وقبل أن يهزم بريق المال نفوسنا ويفسد ضمائرنا، ليس في ذهني أجمل من مثل هذه المناسبة نحيي فيها ذكرى إنسان عظيم وفنان مبدع عاش على الكفاف وقنع به التزاماً بكرامة النفس وراحة الضمير، ألا وهو المرحوم "عيسى عصفور" الذي حذر من انحراف العلم والمال وسطوتهما على الحياة الإنسانية والطبيعية».

الأستاذين "عادل رزق" و"رضوان رضوان" معدي الكتاب

وإذا كان لا بد للمرء أن يوافق معجباً على وضع الشعر ومنه شعر "عيسى عصفور" في إطار فكري سياسي إجتماعي أعم وأشمل، فإن ثمة أفكار نقدية في المقدمة لعيسى حول الشعر الحديث ترد فيها في معرض الموافقة دون أن تلقى أية مناقشة أو نقد منها القول: "إن المرحوم "عيسى" يوشك أن يتهم حركة الشعر الحديث بالمؤامرة، وفي الحد الأدنى بالبدعة، تهدف في النهاية إلى إخراج الأمة العربية عن مسارها وسكتها في مجال لا يزال عصياً على أعدائها ألا وهو جانب اللغة والأدب والتاريخ».

أما عن مضمون الديوان فتابع قائلاً: «إذا انتقلنا إلى مضمون الديوان لوجدنا أن حب الوطن المعبر عنه بعشق التراب والحس القومي المتقد يغلفان قصائد الديوان بغلالة شفيفة أياً كان غرض القصيدة أو موضوعها سواء تلك المكتوبة لمناسبات وطنية أو قومية مثل (زهوف المجد)، (ثورة الجزائر)، (استقبال الرئيس جمال عبد الناصر)، أو المكتوبة نتيجة رؤية مشاهد أو وقائع تجرح الشعور القومي كما في (خيام الحق)، (يا ريح)، (المحاربون القدماء).. الخ، أم قصائد الرثاء التي تشغل حيزاً كبيراً من قصائد الديوان، وقد ورد في مقدمة الكتاب ما يلي: "يمكننا أن نرصد ومن باب الحنين إلى الجبل المتمفصل مع أحزان العروبة، أكثر من عشر حالات رثاء لأصدقاء اختارهم بعناية ممن قضوا، فخلدهم في شعره ونقلهم من الذاكرة المحلية إلى الذاكرة الوطنية والقومية"، ونضيف هنا أن الشاعر "عيسى عصفور" لم يرث سوى المجاهدين والمناضلين الوطنيين القوميين الشرفاء المشهود لهم بصدق الوطنية، ونزاهة المواقف والثبات على المبادئ، فلم يكن رثاؤه حزناً على مرثييه فحسب، بل كان خشية أن تذهب بذهابهم القيم التي يمتثلون والمبادئ التي إليها يرمزون، ولعل من الدلائل على ذلك أنه رثى الأموات ولم يمدح الأحياء مهما بلغ شأنهم وعلا مقامهم، وإذا كان الرثاء مديح الأموات فإن مديحهم ليس طمعاً في غنم ولا هرباً من غرم، بل هو رثاء الحزين الصادق الذي يخشى على القيم والمبادئ أن تنهار بذهاب حامليها وقد عبر عن ذلك بقوله: "أنا شاعر غمر الحنين كيانه / وخبائه لا شاعر مداح

عبق الكلام يستفز مشاعري / عند الرثاء فهل علي جناح"

ويتضح ذلك في قصائد الرثاء كلها، ويبتدى على نحو أوضح في رثاء المرحوم "سلامة عبيد" حيث قال:

"تغالبني وتطغى ذكريات / يهيج سعيرها هول المصاب

وكنا نجرع الآلام صرفاً / حلالاً كالرحيق المستطاب

ونلمح في احتدام النفوس فجراً / وتطربنا مجابهة الصعاب

رغبنا عن مطامع مغريات / وكان لنا إليها ألف باب

سبيل الحق لا درب سواها / سلكناها إلى عف الرغاب

بأفئدة عزفن عن الدنايا / ترى متع الحياة إلى ذهاب

شريعتنا النضال وفي دمانا / هيام العروبة لا تصاب

شباب دأبه عبر الرزايا / شموخ الهام لا خفض الرقاب"».

الأستاذ والباحث "جمال أبو جهجاه" قال في معرض دراسته: «في البداية سأتناول الشكل قبل المضمون، أخرج الديوان في جزأين وأطلق على الجزء الأول الفصيح، ذلك يعني أننا سنقرأ بعد قليل عكسه أي الرديء، لأن الفصيح في اللغة: جيد الكلام من رديئه، فكان من الأفضل أن يطلق على الجزء الأول الشعر العامودي بدل الفصيح، والجزء الثاني الشعر الشعبي لأن الشعر الشعبي معظمه فصيح أيضاً.

لقد سألت بعضاً ممن قرأ الكتاب أو اطلع عليه فكان الجواب على العموم أنه لعمل جيد ويستحق منا التقدير والاحترام لجامعيه وكاتبيه ومخرجيه وطابعيه، ونخص مقدميه، أما جواب الخصوص فقال أحدهم: ألا يوجد في الديوان قصيدة (يا زيد دونك مرحبا من عيسى)؟ فذلك يكفي لأننا نبحث عنها في أوراقنا وفي ذاكرة من يحفظها، وأنا أقول لمؤلفي الكتاب أنكم أعدتم الشاعر بعد رحيله الجسدي إلى المكان الذي كان ينزل فيه يوم كان حياً مع أصحابه وهو أكباد محبيه كما قال الشاعر نفسه: "إن لم يكن لي منزل فسعادتي / أني بأكباد الأحبة نازل"

وفي هذا العمل ازدادت منازل الشاعر وأماكن تواجده وضيافته، في أفكار وقلوب الذين لم يعايشوه أو يصادقوه في الجسد، فها هو يقوم في ذاكرتهم وأرواحهم بقراءتهم هذا الديوان الجامع لقصائده والباعث لفكره الوطني العربي والقومي المجدد لروحه الطاهرة العاشقة للشهامة والمروءة والكرامة من جديد.

أما لو انتقلنا للمضمون فقد قبل الشاعر نصيحة صديقه الأستاذ "رضوان رضوان" في جمع قصائده ضمن ديوان شعري، لكنه اشترط على صديقه أن يقوم بدراسة مستفيضة لشعره وقصائده، وهذا الشرط جاء لثقته المطلقة بزميله، ثم لأن ذلك سمة الشعراء الأحرار كافة، فهم يتركون الدراسة المستفيضة للدارسين من الباحثين والنقاد الذين يبرزون للقراء ما توصلوا بنقدهم الفكري لمعاني الشعر في الديوان، ولكن كان من المفترض التوسع في البحث في حياة الشاعر ومنبته ومنشئه وإرثه الوطني والعربي والقومي وأن تدون أخباره، وكان لا بد للبحث من تناول خلجات نفس الشاعر ومعاني شعره وأخص شعره الإنساني الذي بدأه طالباً على مقاعد الدراسة، ثم نماه معلماً ينشئ الأجيال، ويرثي أصدقاءه الذين سبقوه، ومن ثم توج هذا الشعر قاضياً عادلاً يقف مع الحق».