استطاعت مدينة "جبلة" رغم تاريخها البعيد والعوامل والحضارات التي مرت عليها أن تحافظ على اسمها المشرقي العتيق والأصيل مع تحريفات بسيطة فيه غيرت شيئاً من المعنى واللفظ.
فتسمية "جبلة" كما هو متعارف عليه لدى أغلبية السكان آتية من أحد القادة أيام الفتح الإسلامي، هذا ما حدثنا به الحاج "عاطف حاج ابراهيم" حيث قال: «إن أغلبية السكان هنا يعرفون أن تسمية المدينة جاءت نسبة للقائد "جبلة بن الأيهم" الذي فتحت المدينة على يده، إلا أن هذه الرواية غير مؤكدة وهناك من يقول إن اسمها سرياني وأصله "جباليا" وليس "جبلة"».
غالباً الباشا هو المرحوم "ابراهيم مخلوف" الذي كان باشا المنطقة
وللتأكد من أصل تسمية "جبلة" ومعنى هذه التسمية إضافة إلى معاني أسماء بعض القرى المجاورة لها موقع eSyria التقى الباحث التاريخي المهندس "إبراهيم خيربك"، حيث قال: «هذه المدينة الفينيقية العتيقة تعود تسميتها إلى حوالي \3100\ عام، وقد ذكرت مدينة "جبلة" في النصوص الأوغاريتية باسم "جبعلا" وهو اسم يعني "الجب العالي" أو "البئر العميقة" نظراً لما هو معروف عنها بأنها عميقة الآبار، لكن هذا الاسم لم يستطع الحفاظ على طريقة لفظه في الفترة مابين (الاسكندر المقدوني قبل المسيح وبعد المسيح بثلاثمائة وثلاثين عاماً، مروراً بالأدوار السلوقية والرومانية ثم البيزنطية التي تلت العصور الكلاسيكية).
فأصبح اسم "جبلة" يلفظ "غابالا" نظراً لانعدام حرف العين في اللغتين اللاتينية واليونانية، أي أن اسمها بقي على حاله مع اختلاف في اللفظ فقط.
هذا الاسم لم يرق للفرنجة فقاموا بتغييره بالكامل واستعاضوا عنه باسم "زبيل" وهو الاسم الذي بقيت عليه حتى جاء الفتح الإسلامي فاستردت حينها اسمها الأصيل واستقرت عليه إلى اليوم.
وقد ورد اسمها في السريانية باسم "جبلا" أما في اليونانية (Gabala) مما يشير أن التأنيث في العربية "جبلة" ليس من أصل الاسم وإنما أتت التاء محل الألف، ويرجح أن التسمية كنعانية الأصل لان لفظ "جبل" تعني في لهجة أوغاريت (الجبل الصخري والحدود)، وقد تكون مؤلفة من مقطعين (جب+إيل) وجب بالجيم المصرية تعني البيت أو المقام وبذلك يصبح معناها (بيت إيل – مقام الإله إيل).
ويرى المطران "حنا" أنها سريانية وتعني "الجبالين" لكون جبلى جمع جابالا؛ أي العجان أو الجبال وربما الخزاف».
هذا فيما يتعلق باسم "جبلة"، ماذا عن بعض القرى المجاورة؟، يجيبنا المهندس "خيربك": «يتبع لمدينة "جبلة" أكثر من مائة قرية لا نستطيع المرور عليها جميعها لذا سنمر على بعض القرى المجاورة لها وعلى سبيل المثال تلتصق بمدينة "جبلة" قرية "بسيسين" واسم هذا القرية مكون من مقطعين في الأصل (بسي سين) ويعني (النور سين) حيث فخمت بالعربية "بس" بالصاد (بص) وهي تفيد معنى الضياء.
وكذلك تعني (السنا، النور)، و"سين" اسم للقمر عند الأكاديين والحضارمة حيث نشأت الدولة المعينية اليمنية فيكون معناها (بصيص النور)، ويرى المطران "منّا" أنها سريانية تعني مكان السوس أو العتًّة».
إلى الشرق من "بسيسين" قليلاً تأتي قرية "عين شقاق" التي حدثتنا السيدة "نديمة نصور" عن أصل تسميتها قائلة:«"عين شقاق" استمدت تسميتها من خلاف أو شقاق حدث بين شقيقين اثنين قبل سنوات بعيدة فسميت حينها "شقاق الأخوين" ومن ثم أصبحت تسميتها "عين شقاق».
أما المهندس "خير بك" فهو يقول عن "عين شقاق": «تسميتها مشتقة من (الشق،الصدع)، الشقائق "سحائب تبعجت بالأمطار الغدقة"، والشقاق "غلبة العداوة والخلاف"، فيكون معناها إما العين النابعة من الصخور المتصدعة أو عين العداوة ويرى المطران "منا" أنها تعني في السريانية "عين المغارى" أو"الدهليز"».
وبالقرب من عين شقاق تطالعنا قرية "ديروتان" وهي قرية صغيرة يتفق السيد "يامن ابراهيم" وهو أحد أبنائها مع المهندس "ابراهيم خيربك" على أنها استمدت تسميتها من دير قديم كان موجود فيها وعندما سكنت المنطقة في مرحلة لاحقة لخراب الدير أطلق عليها "دير الأوتان" ومع الزمن حور ليصبح "ديروتان".
القرية الجارة الأخرى لقرية "عين شقاق" هي قرية "كفردبيل" التي فسر لنا معناها السيد "حسان سعيد" وهو أحد أبنائها حيث قال: «"الكفر" هو دوار في نهاية القرية، و"دبيل" اسم صاحب هذا الدكان، ليكون بذلك تفسير الاسم "دوار دبيل"».
كلام السيد "حسان سعيد" يخالفه تماماً المهندس "خيربك" الذي تحدث عن قرية "كفردبيل" بالقول: « وإذا ما أردنا تفسير معنى اسمها علينا تقسيمه إلى قسمين (كفر+ دبيل) و كفر: مأخوذة من السريانية تعني القرية وهي سامية مشتركة وفي الحديث (تخرجكم الروم منها كفراً كفراً) أي قرية قرية وقد نسبت إلى رجال وسميت القرية ب (كفر) لأنها حصن وملاذ ومخبأ.
دبيل: يرجح أنها مخففة من اللفظ الآرامية التي تعني التين المجفف، وكلمة Zabel في السريانية تأتي بمعنى قديسة، وبهذا يصبح معناها قرية القديسة.
ويرى المطران منّا أنها تعني في السريانية قرية كوكب المشتري ربما لوجود معبد بهذا الاسم».
وإلى الشمال من قرية "عين شقاق" نجد قرية بستان الباشا وهي قرية بسيطة المعنى واضحة التفسير تقريباً فالباشا لقب من ألقاب التشريف كان يطلق في العهد العثماني على بعض الأشخاص من قبل السلطان وهو يلي في المرتبة لقب بك قيل إن أصل الكلمة تركي من باش بمعنى رأس أو زعيم، هذا مايؤكده السيد "محسن خضرة" من أهل القرية ويضيف:
«غالباً الباشا هو المرحوم "ابراهيم مخلوف" الذي كان باشا المنطقة».
آخر القرى التي سنتطرق إليها في تفسيرنا لمعاني الأسماء هي قرية "بتمانا" التي حدثنا عن معنى اسمها السيد "يوسف عبد الحميد" قائلا: «ما هو متعارف عليه بالمنطقة أن القرى التي تبدأ تسميتها بحرف الباء تكون سريانية الأصل لذا فتسمية قريباً غالباً هي سريانية».
كلام "عبد الحميد" يؤكده المهندس "خيربك" بقوله: «"بتمانا" كلمة سريانية وهي تعني هبوب ريح الجنوب (فالباء تعني بيت أو محلة موضع)، والجزء المتبقي من السريانية يعني الجنوب أو ريح الجنوب فيكون معنى التسمية (المنطقة الجنوبية أو منطقة هبوب ريح الجنوب)».
