في الساحل؛ العديد من السير الشعبية اختصت بشهر "شباط"، والتي عرفته بأنه قابض أرواح المعمرين ولتلك المقولة أصل فيما يروى من السير الشعبية القديمة فما سر "شباط" قابض الأرواح؟

تجيبنا الجدة "رشيدة برهوم" من قرية "ميعار شاكر" والتي تبلغ /101/ من العمر بقولها: «آخر /4/ أيام في "شباط" وأول /3/ أيام في "آذار" نسميها الأيام "العجيزات" حيث يموت فيها أغلب المعمرين نظرا للبرد الشديد الذي يترافق مع هذه الأيام فكما تروي الحكاية الشعبية التي سمعتها من جدتي ان هناك عجوزا من قديم الزمن فرحت لانتهاء شهر "شباط" دون أن يقبض روحها فقالت "الحمد لله راح شباط وحطينا بضهرو المخباط".

لا أجرؤ على تحدي "شباط" والحمد لله قد مر هذا العام علي بخير وسلامة بعد أن أخذت احتياطي كاملا ضد البرد

وحين سمع "شباط" ثارت ثائرته وشعر بالإهانة من تلك العجوز فطلب إلى أخيه "آذار" راجيا أن يقرضه /3/ أيام فيقبض بها روح تلك العجوز فكان أن لباه أخوه "آذار" وهنا ثار غضب "شباط" فبدأت العواصف والأمطار واشتد البرد حتى نفذ الحطب من عند العجوز وشعرت بالبرد الشديد حتى مرضت وماتت ومن هذه الحكاية أخذت الأيام السبعة اسم "العجيزات" كدلالة عن العجز أمام البرد».

رشيدة برهوم

وتتابع الجدة "برهوم" حديثها مازحة فتقول: «لا أجرؤ على تحدي "شباط" والحمد لله قد مر هذا العام علي بخير وسلامة بعد أن أخذت احتياطي كاملا ضد البرد».

ويتابع الحديث عن الأيام "العجيزات" الجد "إبراهيم مصطفى" من جرد "القدموس" والذي أضاف إلى الحكاية السابقة بقوله: «درجت تلك الحكاية في سائر "بلاد الشام" مع الاختلاف في الشكل وليس المضمون فالأيام هي ذاتها وبنفس التوقيت إلا أننا نشخص شهري "شباط وآذار" في حكايتنا فنقول لـ"شباط" "أبو علي" ولـ"آذار" "أبو محمد" فكما سمعت من المعمرين الذين عاصرتهم أن "أبو علي" "شباط" نادى أخاه "أبو محمد" "آذار" فقال له:

ابراهيم مصطفى

"ياخيي يا أبو محمد منك كم يوم عطيني برد اعتباري ولخيك أبو علي بتكون فضلت" فرد عليه "أبو محمد" "آذار" "الفضل لهر يا خيي مني خود أيام وليالي ورد اعتبارك يا خيي الغالي".

وفي مقولة أخرى فإن "شباط" قال "لآذار" "آذار يا ابن أمي ثلاثة منك وأربعة مني تنخلي العجوز توني" وبالفعل كان ذلك وباقي القصة تعرفونه».

سعدة حماد

وتخبرنا الجدة "سعدة حمادة" من قرية "المطاهرية" بالتحضيرات لشهر "شباط" وبعض الأمثال الشعبية التي تؤيد الحكاية الشعبية السابقة بقولها: «نلزم بيوتنا في شهر "شباط" حيث نرتدي الثياب السميكة ونقوم بإشعال المدافئ خوفا من برده وأسطورته حيث يقول المثل "بالعجيزات عند جارك لا تبات" وأيضا "شباط لف الختيارة بالبساط" ومعنى المثلين السابقين يتمحور في كونهما يحضان على التزام المنزل أيام شهر "شباط" وفي هذا العام دليل كبير على صدق أيام "العجيزات" حيث ترافق البرد والعواصف آخر أربعة أيام من "شباط" والثلاثة الأولى من "آذار"».

وللتعرف أكثر على أيام "العجيزات" التقينا الباحث التراثي "حسن إسماعيل" من بلدة "القدموس" والذي حدثنا بقوله: «تلك الأيام السبعة تدعى بـ"العجيزات" نسبة إلى عجز البرد كما تدعى بـ"المستقرضات" نسبة لاقتراض "شباط" /3/ أيام من شهر "آذار" ولكل يوم من تلك الأيام اسمه الخاص به وهي على الترتيب:

"صنّ" ويعني " شدة البرد " و "صِنَّبرٌ" وهو الذي يترك الأشياء كالصنبرة " ماغلظ وخثر " "وَبْرٌ" لأنه وبر آثار الأشياء أي محاها وأخفاها "الآمر" لأنه يأمر الناس بالحذر منه "المُوْتِمَر" هو يأتمر بأذى الناس ويرى لهم الشر ببرده "الْمُعَلّلُ" لأنه يعلل الناس /يعدهم/ بتخفيف البرد "مطفئ الجمر أو مكفئ الظعن" هو أشدها إذ لشدة ريحه الباردة فهي تطفئ الجمر»

وتابع قائلا: «وذكرت تلك الأيام السبعة في الشعر دون أن نعرف الشاعر وإنما هناك بيتان شهيران يتحدثان عنهما وهما:

كُسع الشتاءُ بسبعة غُبْرِ

بالصن والصنبر والوبر

وبـآمرٍ واخيــه مـؤتمـرٍ

ومـعلِّلٍ وبمطفئ الجمــر».

وختم الباحث "إسماعيل" كلامه بالحديث عن شهر "شباط" وسبب تسميته فقال: « جذر الاسم سرياني من "شبط" و"الشبط" يفيد الضرب والجلد والسوط أو يفيد الهبوب الشديد للرياح. ولـ "شباط" مساحة كبيرة في الذاكرة الشعبية العربية خاصة في بلاد الشام وتحديدا في الساحل السوري ومن معنى اسمه ندرك الارتباط الوثيق بالحكاية الشعبية التي ربطته مع العجوز والأيام السبعة وهذا ما يجعلنا بشكل أو بآخر ندرك مدى إمكانية صحة هذه الرواية ولكن بالتأكيد ليس التصديق الحرفي لها وإنما بشكل أو بآخر فهي صادقة نوعا ما».