لعبت بوابة "القصب" دوراً بارزاً في تاريخ مدينة "حلب" وقد شغل بعض أقسامها مقرات لمختلف المطرانيات والمدارس لطائفة الروم الكاثوليك منها واحدة أسسها المطران "كيرلس جحا" على اسم القديس "نقولا" لتعليم العلوم الحديثة ومن بينها اللغة العربية.

إن المتجول بمنطقة "بوابة القصب" يرى من خلالها فنون العمارة العربية حينما شكل المهندسون من طرقها وأزقتها طرقاً رصفوها بالحجارة البازلتية ناهيك عن جمال العمارة التي شيدت أبنيتها.

منذ عام /1925/ م وبعد أن ظهرت محلة "بستان كل آب" بدأت تظهر في "بوابة القصب" المحلات التجارية. وأول من أنشأها "عبد الإله العلمي متولي" وقف جامع "البهرمية" الذي أنشأ ثلاثة دكاكين عام /1925/ م ومنها نشأت محلات الأخرى، لقد بقيت تسمية "بوابة القصب" حتى اليوم إلا أن المحلة تغيرت تغيراً جذرياً وأصبحت اليوم من المراكز التجارية

ولدى بوابة القصب بوابتان تمتلكهما عند منطقتي باب الفرج وجادة الخندق توصلان إلى منطقة الجديدة والتي تعتبر من المناطق الأثرية الموجودة في حلب، إضافة إلى البوابة الثالثة التي تأتي من منطقة "العزيزية" و"التلل".

المحامي والباحث التاريخي "علاء السيد"

حول تاريخ المنطقة وأهم الأحداث الفاعلة فيها كان لقاؤنا بالمحامي والباحث التاريخي "علاء السيد" ليطلعنا عن سبب تسمية "بوابة القصب" بالقول: «هي البوابة التي تفصل بين سور "حلب" القديم والخندق المجاور للسوق ومن خلالها تدخل إلى منطقة "الجديدة".

بُدئ البناء فيها مع بداية العهد العثماني عام /1500/ وكان لها مجموعة من البوابات ومن بينها "بوابة للقصب" الذي كان يشرف أمامها خندق "حلب" وهو مجرى للمياه المالحة التي كانت أعواد القصب تشرب منه ومنها نسبت إليها تسمية "بوابة القصب"، وأمامها منطقة تدعى "تل السودة" التي تطل على منطقة "باب الفرج" وهي إحدى بوابات "حلب"، حيث إن لكل حارة بوابة تغلق ليلاً من أجل حماية سكان تلك المنطقة.

طريق إلى منطقة "الجديدة"

وفيما بعد دمرت معظم البوابات من قبل الوالي العثماني "خورشيد باشا" عام /1822/ على اعتبار أن الحلبيين كانوا يتحصنون خلف تلك البوابات ولم يبق في معظمها سوى "بوابة القصب" و"بوابة الياسمين"».

وأضاف: «يطل أمام "بوابة القصب" قبر "السهر وردي" وحينما شقت منطقة "جادة الخندق" وقع قبر "السهر وردي" بين "بوابة القصب" وسور "حلب" القديمة الذي هدمه "علي سماقية" حينما فتحت "جادة الخندق" عام /1900/ وتم نقل قبر "السهر وردي" ووضعه في مكان آخر، وكان يوجد في منطقة "بوابة القصب" دولاب برم للقصب لكونها منطقة تم التداول فيها على صناعة "القصب" ثم ما لبثت بوابة "القصب" الأساسية أن أزيلت من مكانها وبقيت المنطقة نفسها».

الدكتور "محمود حريتاني"

لكن الدكتور "محمود حريتاني" المدير العام للآثار والمتاحف بالمنطقة الشمالية درسها من الواقع التاريخي والمنظم لتلك المنطقة قائلاً: «إن المتجول في أحياء وأزقة وبوابات المنطقة القديمة يظن لأول وهلة أن هذه المدينة قد بنيت عشوائياً دون تخطيط عمراني مدروس، لكن وفي الحقيقة فإن هذا التخطيط لا يزال موضع دراسات واسعة وأبحاث مستفيضة والأهم من هذا أن النظريات الحديثة في تخطيط المدن تعود إلى تخطيط مدينة "حلب" وبعضها قد نال جوائز دولية هامة.

فالأبواب عامة لها دور كبير في مدينة "حلب" القديمة كأبواب المدينة القديمة والأحياء والحارات والأسواق والخانات وغير ذلك، بعضها كبير صنع لمدينة وهو بمثابة قلعة حصينة مثل باب "قنسرين" وبعضها صغير لجزء من حي وآخر صغير جداً ندعوه "البوابة"، وفي الحي عادة يوجد أكثر من محلة وفي المحلة أكثر من زقاق وفي الزقاق الواحد أو الدرب يوجد أكثر من بوابة فتعزل عما حولها وعادة ما يقيم في البوابة أقرباء العائلة نفسها».

وأضاف: «وبوابة "القصب" كان لها باب وتضم عدة منازل ويمكن كانت مركزاً لبيع "القصب" أو صنع الخيوط المقصبة لاستعمالها في "النسيج" أو غير ذلك، بنيت أسوار مدينة "حلب" القديمة في حي "الجديدة" واشتهرت بكونها تقع عند قبر "السهر وردي" فيلسوف "حلب" ويشكل قبره قسماً من مبنى شرطة النجدة حالياً أو دائرة البرق والبريد سابقاً، واشتهرت "بوابة القصب" أيضاً بقربها من سوار المدينة و"برج الثعابين" الذي هدم في العهد العثماني عام /1885/ م ونقلت حجارته لإكمال بناء الرباط العسكري العثماني وكان الهدف من هدمه فتح الجادة العظمى والتي تسمى اليوم "جادة الخندق" الممتدة من "باب الحديد" حتى "باب الفرج"، وقد بني فوق أنقاض "برج الثعابين" دكاكين "باب الفرج" وبالأخص الدكان المعروفة بدكان "الأفندي" لبيع المرطبات والمثلجات وبعدها قد هدمت العديد من تلك المخازن المنتشرة في تلك المنطقة لينفذ مشروع "باب الفرج"».

وعن الدور التي انتشرت في "بوابة القصب" والتي لعبت دوراً مهماً في تاريخ مدينة "حلب" أجاب "حريتاني" قائلاً: «كان فيها دور جميلة بعضها مقر لمختلف المطرانيات وبعضها مدارس لطائفة الروم الكاثوليك منها واحدة أسسها المطران "كيرلس جحا" عام 1886 م على اسم القديس "نقولا" لتعليم العلوم الحديثة وكان فيها أربعمئة تلميذ منهم سبعون تلميذاً مسلماً، وكانت "بوابة القصب" آخر عمران مدينة "حلب" القديمة فلم يكن خارجها من عمران سوى "التكية المولوية" بجانب المتحف الوطني وفي عام /1883/ م بنى "جميل باشا" والي "حلب" داره فوق التربة الدقماقية والتي تشغلها حالياً ثانوية "معاوية" التخصصية ودعيت المحلة بـ "الجميلية" نسبة إليه».

وختم "حريتاني" قائلاً: «منذ عام /1925/ م وبعد أن ظهرت محلة "بستان كل آب" بدأت تظهر في "بوابة القصب" المحلات التجارية. وأول من أنشأها "عبد الإله العلمي متولي" وقف جامع "البهرمية" الذي أنشأ ثلاثة دكاكين عام /1925/ م ومنها نشأت محلات الأخرى، لقد بقيت تسمية "بوابة القصب" حتى اليوم إلا أن المحلة تغيرت تغيراً جذرياً وأصبحت اليوم من المراكز التجارية».