قبل أن يدخل الطب الحديث إلى منطقة "الرقة" كان الرَّقيون يستعملون مصطلحات شعبية للدلالة على أسماء الأمراض، ومن الواضح أنهم توارثوا هذه الأسماء عبر أجيال عديدة، والغريب أن قسماً كبيراً من أهالي المنطقة ما يزال يستعمل تلك التسميات حتى يومنا هذا.
ومن طرائف الأمور أن أحدهم حضر إلى قسم الإسعاف برفقة ولده الذي يبدو أنه طالب في المرحلة الإعدادية، وخاطبني بقوله: «الدكاترة بحلب قالولنا ترى الوليد معاه "زاتيه"»، ولكوني درست الطب في "حلب" وعملت عدة سنوات في المستشفيات الخاصة، فأنا أعرف معظم الجراحين والكثير من الأطباء هناك، وأعرف اللهجة الحلبية بشكل جيد، لكنني لم أسمع يوماً عن هذا المرض العجيب، إلا أن الولد المريض الذي كان برفقة والده، عندما لاحظ استغرابي قال لي: «"زاتيه" يعني "زايدة" دكتور»، عندها ضحكت وقلت للرجل: «بعد أن نجري التحاليل المطلوبة، ونتأكد من الحالة، سوف نستأصل "الزاتية" لولدك فوراً».
بعد أن نجري التحاليل المطلوبة، ونتأكد من الحالة، سوف نستأصل "الزاتية" لولدك فوراً
وللحديث عن هذا الموضوع التقى موقع eRaqqa وبتاريخ (2/1/2011) الباحث "حسن عساف العدواني" مدير دار التراث في "الرقة"، وسأله عن بعض التسميات الشعبية للأمراض عند أهالي المنطقة، فأجابنا قائلاً:
«في كل أنحاء العالم هناك تسميات محلية خاصة للأمراض، وهي تختلف من منطقة إلى أخرى باختلاف اللغات واللهجات، ومن أشهر أسماء الأمراض السائدة في منطقة "الرقة"، والتي ما يزال قسم كبير منها متداولا إلى يومنا هذا، نذكر مرض "الصيرة"، وهو مرض خطير عند أهل "الرقة" خلال الثلاثة قرون الماضية، وهو كما يعتقدون مرض يصيب كافة أعضاء الجسد وينهكه، ويؤدي في النهاية إلى الموت، ولم أتمكن خلال البحث من إيجاد المرادف العلمي لهذا المرض، وقد كان الناس من شدة وطأة هذا المرض يدعون على الذي يكرهونه أن يصاب به، وقال الشاعر الشعبي:
خليتني وكَوطرت من بعد هل جيره/ ريت الحرمني الولف سِلْ ووجع "صيره".
ومن أسماء الأمراض الأخرى "الشارج": ويقصد به مرض "الشقيقة"، وكانوا يعالجونه بالفصد، والفصد سحب كمية من الدم بواسطة دودة العلق من شريان الرأس أو بلسعة خفيفة من النار على الصدغين، "الكجل": ونسميه اليوم بمرض القرع أو الصلع، ويصيب هذا المرض جلدة الرأس ويقضي على الشعر، ويعالجونه بواسطة "فرث" الثعلب، أي يخرجون ما تحويه معدة الثعلب ويضعونه على مكان الإصابة، "الفجرة": مرض يصيب جلدة الرأس مع الوجه، وعادة يصيب الأطفال، ويمكن للطبيب أن يعالجه بواسطة نبات "القريص" و"الشب".
"المولّيه": ونسميها اليوم قرحة المعدة، وتعالج بشرب الحليب مضافاً إليه عشبة تسمى "عشبه النار"، وتعالج أيضاً بواسطة الكي بالنار، بما يسمى عند أهل "الرقة" "لجعة"، أو مادة "الجنزار" بعد طحنها، وهي تؤخذ عن طريق الفم وطعمها مر، "أم ذويل": وهي مرض يصيب العين، الشبكية والقزحية معاً، وهذا المرض يعالج بالكي بواسطة النار، مرض "الأخت": ونسميه اليوم شلل الأطفال، ويعالج بالكي وبإجراء سبع لسعات خفيفة على عدة مواضع من الجسم، منها الأطراف والرقبة والظهر، "النكطة": وهي مرض يصيب بؤبؤ العين، ويعالج بمصل اللبن فقط.
"الشرى": وهو ما نسميه اليوم التحسس الهوائي أو الغذائي، ويعالج بواسطة دواء من نبات يسمى "الخوين"، لونه أحمر يشربه المريض، أو بثلاث لسعات من النار بواسطة "المخَّاط" على الذراع، "الريح": ونسميه اليوم "الروماتيزم"، ويعالجونه بواسطة الكي على الكعبين، ويداوى بواسطة نبات يسمى "عود الهوى جوه" ويستخدم كالمرهم، عرق نسه: ونسميه اليوم "عرق النسا"، ويعالج بواسطة عشبة نباتية اسمها على اسم المرض، أو بالكي في بطن الفخذ أعلى الركبة، وعلى أصابع القدم بين الإصبعين الخنصر والبنصر، وذلك بقطع العرق ويقوم بها الطبيب الممارس».
ويتابع "العدواني" الحديث في السياق ذاته:
«ومن هذه الأسماء أيضاً، "نادوف يسري": وهو ذاته "عِرْجْ المعدة"، ويعالج بالكي وبنبات يسمى "الشيح"، "الحويفر": ونسميه اليوم "الإسقربوط"، ويعالج بالكي على اللثة وبنبات "عود الهوى جوه"، "الرمد": ونسميه "التراخوم" يعالج بنبات "الشيح" و"الرمث" و"الخوين" و"القرمز"، وهناك مرض آخر اسمه "مسفل": ويسمى أيضاً "مرض العص"، وهو يصيب الأطفال، ويعالجونه بالبيض والشبة وصوف اللباد، ويعالجونه أيضاً بمعدة طائر "الرخم"، "الصرة": واسمه الحالي "عصب المعدة"، ويعالج بنبات اسمه "الحجل" بالشرب، "الدويحيس": وهو مرض يصيب أظافر اليدين والرجلين، ويعالج بالبصل المشوي و"الشيح" و"الرمث" والعجين الممزوج بالسكر.
"الخرويل": ونسميه اليوم جدري الماء، واسمه العلمي "تشيكن بوكس"، ويعالج بدهون "عود الهوى جوه"، "الحزازه": أو "الأكزمة" الجلدية، وتعالج بنشاء القمح ورماد حطب "الطرفاء" الأخضر "ملح طرفة"، "الطريشة": مرض يصيب الأذن، وهو ذاته التهاب غشاء الطبل، ويعالج بعصير الفجل، "الصفره": هي ذاتها مرض تضخم الكبد، ويعالج بنقع كبد الذئب المجففة، مع نقيع شجيرة "الكبر" الخريفية، "الزاتيه": ونسميه اليوم مرض "الزائدة الدودية" ويعالج بنقيع جذور وزهور نبات "الدفلة".
"اللواه": أو "الكولون" ويعالج "بالجنزار" ونقيع ورد نبات "الحرمل" البري المعروف، "الحدكدكه": وهي عبارة عن دمامل صغيرة تصيب جفون العين، وتعالج بدقيق نبات يسمى "امخزك"، "الطرفه": وهي مرض يصيب جفن العين، ويعالج بنبات "الخوين الأحمر" وبقليل من مركب نباتي يسمى "الصبر"، "أبو فريوه": وهو مرض "البروستات" الذي يصيب غدة البروستات، ويعالج بنقيع نبات "السمرة" والكي بالنار، "العيب": ونسميه اليوم "البواسير"، ويعالج بجذور نبات "الحلفا" وزيت الزيتون، وأخيراً هناك مرض يطلق عليه بدو "الرقة" "حبيزه"، وهو ذاته مرض الحصبة، وعلاجها عزل المصاب، وتعالج بشرب "اللبن الفرز"، وأقدم طبيب اختص في هذا المجال اسمه "السنوسي" وذلك في عام /1948/م، مشهور بحكيم "السبخة"».
