لا يخفى على أحدٍ أن للعشائرية صلةٌ ضاربةٌ في أعماق الماضي التاريخي للعرب، فصلة القربى التي كانت تجمعهم لم تنههم يوماً عن التكني والتفاخر، لكن هذه الحالة لا تعكس إلا الظاهر، ففي الخفاء صلاتٌ تكاد تصهرُ الجميع في بوتقةٍ واحدة، وهذا يَرجعُ لأسبابٍ عديدة تتراوح بين القرابة والانحدارِ من جدٍ واحد بين الأغلبية، وأخرى تأتي عبر المصاهرة وثالثةٌ تلعب فيها السجايا الأصيلة صلة الوصل، فمهما أبعدت بينهم الأميال تجمعهم صلةُ العروبة.
في "الحسكة" وتحت خيمةٍ واحدة شهدت رحيلَ صاحبها تشكلت لوحةٌ من الفسيفساء، انصهرت فيها الفوارق فالكلُ تحتها إخوةٌ وأحباء.
نحن مع القبلية التي لا تُلقي بالاً إلى التطرف أو التعصب، فمنذ القديم كانت وما زالت القبيلة هي الحاضن الأول للقضايا المصيرية، ما شاهدناه اليوم من تجمع العشائر والقبائل لتأبين رجلٍ واحد يرسم صورة فيها كل مقومات الجمال، إن كل ما نراه عندما تجتمع القبائل هو خطابات تُعلي مفاهيم الكرم والتسامح والترفُّع عن دقائق الأمور، فالمفهوم القبلي هو مفهوم الترابط بين العشائر وهذا يتجلى بأبهى حُلله في المجتمع السوري، هذه الجمهرة الغفيرة التي نُشاهدها في مناسبة مثل وفاة أحد شيوخ العشائر تؤكد أن المفاهيم السائدة بين القبائل هي ايجابية، هذه المفاهيم نحن نؤكد عليها ونُصر على الارتقاء بها، لأن فيها مصلحة الأفراد والتي تصب في النهاية في مصلحة البلد كله
موقع eHasakeh التقى شيخ عشيرة "طي" الشيخ "محمد عبد الرزاق الطائي" الذي قال: «تلعب العشائرية دوراً ايجابياً في الارتقاء بالمجتمع على عكس ما يصفها البعض بالعصبية، فالعشيرة هي تجمع لأُناس ينحدرون من جدٍ واحد وغالباً ما يقطنون نفس المكان، إلا أنه وبسبب التزايد الذي يحصل على مر الزمان، وبسبب المصالح التي تقتضيها الظروف التي يعيشها الأشخاص، تتباعد المسافة وتتسع رقعة العشيرة، إلا أن هذه الأمور هي شكليةٌ لا يمكن أن تؤثر على القوانين الناظمة للعشائر، أيضاً لا يمكن للعشيرة مهما كبرت أو صغُرت أن تطغى مصالح إحداها على الأخرى، فهناك وثيقة بين العشائر لحفظ الحقوق والذود عن الوطن ونصرة المظلوم، أيضاً تلعب القيادة السياسية في البلد دوراً كبيراً في الحفاظ على الروح العالية من التعايش، كما تحفظ دور العشيرة وهيبتها وهذا الأمر قد لا نجده في الكثير من البلدان».
يضيف "الطائي": «نجتمع اليوم لتقديم العزاء برحيل أحد شيوخ العشائر وهو شيخ عشيرة الجبور، هذه العشيرة هي الأكبر بين العشائر، وقد تعودنا أن نجتمع في مثل هذه المناسبات الكبيرة لنقوم بدورنا المناط بنا، فشيوخ العشائر يعملون دائماً على الإحاطة بكل الأمور كبيرة كانت أم صغيرة وأن نجد الحلول التي تُحافظ على وضع الأمور الطارئة في نصابها، أيضاً يأتي ضمن مهامنا إيجاد الحلول والبدائل في حال رحيل أي شيخ إلى ذمة الله، من جهةٍ أخرى تربطنا كعشائر صلات قربى في كل الأحيان، مثلاً قبيلة "طي وقبيلة الجبور" تنحدرانِ من أصلٍ واحد، حيث نلتقي معهم في جدنا "زُبيد الأكبر"، أيضاً تتأتى صلةُ القربى عن طريق الدم أو المصاهرة أو حتى التقارب في الأعمال وأيضاً بحكم الجيرة، لهذا تستطيع القبيلتان أن تكونا قبيلة واحدة، إلا أن ما يُفرّق بينهما التسمية التي تُطلق على كل واحدٍ منا».
شيخ عشيرة "شمَّر" الشيخ "كنعان الصديد" قال: «لقد جئت إلى "سورية" لأقدم التعازي إلى كل عشائر الجبور، فالقبليّة لا تعني التعصب أو التحزب بل هي على النقيض تماماً، إذ تنفتح القبيلة على كل القبائل والعشائر من خلال العلاقات التي أورثها الزمن فيها، وهناك مثلٌ يقال في العراق "من هو أطيب عيال عمك؟ ويكون الجواب هو الذي جاءك خبره"، هذا يدل على الصلة الوطيدة بين العشائر كافة، وهذا ما يمكن أن أصفه في المحنة التي ألمت بالعراق، فقد عجزت كل الجهات عن لم شمل هذا البلد الذي مُزقَ كل ممزق، إلا أن القبائل والعشائر عندما توحدت وجمعت كلمتها أعادت البلد إلى الطريق الصحيح، أما فيما يخص العشائر في كل الأمصار فهي تجتمع على العادات والتقاليد، أيضاً هناك التزامات بين كل العشائر توثق الصلة فيما بينها، ناهيك عن رجوع الجميع ليلتقوا في جدٍ واحد، فتباعد الأماكن التي تقطنها العشائر لا يُشكل حاجزاً في التواصل، من جهةٍ أخرى طرأت على العلاقة فيما بين العشائر أوجهٌ من التقارب تتجلى في المصاهرة والتقارب الاجتماعي ووحدة الحال، بالنهاية تتلاشى الفوارق كما نشاهد اليوم في الأحداث العصيبة التي تمر بها القبيلة، هنا يأتي دور القبائل الأخرى لترميم آثار أي أمر يجري، فسلامة القبائل وأهلها هو عاملٌ في سلامة العروبة، فأي قبيلة عندما نذكرها نقول القبيلةُ الفلانية العربية، أنا أود أن أثني على التعايش والتآخي الذي تنعم به العشائر في "سورية"، ولم أشعر يوماً بأنني خارج "العراق" عندما أكون في "سورية"، هذا البلد هو امتداد للعروبة في أي مكان تُنطق فيه اللغة العربية».
الأستاذ "مشعان الجبوري" من قبيلة الجبور في "العراق" يقول: «نحن مع القبلية التي لا تُلقي بالاً إلى التطرف أو التعصب، فمنذ القديم كانت وما زالت القبيلة هي الحاضن الأول للقضايا المصيرية، ما شاهدناه اليوم من تجمع العشائر والقبائل لتأبين رجلٍ واحد يرسم صورة فيها كل مقومات الجمال، إن كل ما نراه عندما تجتمع القبائل هو خطابات تُعلي مفاهيم الكرم والتسامح والترفُّع عن دقائق الأمور، فالمفهوم القبلي هو مفهوم الترابط بين العشائر وهذا يتجلى بأبهى حُلله في المجتمع السوري، هذه الجمهرة الغفيرة التي نُشاهدها في مناسبة مثل وفاة أحد شيوخ العشائر تؤكد أن المفاهيم السائدة بين القبائل هي ايجابية، هذه المفاهيم نحن نؤكد عليها ونُصر على الارتقاء بها، لأن فيها مصلحة الأفراد والتي تصب في النهاية في مصلحة البلد كله».
