هو النافذة التي نطل من خلالها على ماض بعيد بُعد المجتمع المُتحضر عن مكونات البداوة المتأصلة فينا، تم استحضاره على خشبة المسرح القومي في ثقافي "الحسكة" لنعود معه خطفاً إلى الخلف وننتشي بعبق حضارات خلت إلا أنها تأبي النسيان لا لشيء سوى أنها استوطنت في الذاكرة.

موقع eHasakeh حضر الحفل الثقافي الذي أقيم بتاريخ 11/12/2010 حيث كان عماده الربابة والتقى الأستاذ "عبد محمد البركو" باحث في مجال التراث الشعبي والذي قال: «يُعتبر التراث الشعبي ذاكرة الأمم والمعيار الأهم لشخصيتها القومية ولثوابتها، فالتراث الشعبي القَولي من حكم وأمثال وأغاني شعبية ظهر مع ظهور الإنسان إلا أنه لم يُدون لأنه كان يُقال باللهجة المحكية وهذا الأمر جعله بعيداً عن التدوين، لذلك ضاع الشطر الأكبر من هذا الإرث ولو جئنا إلى التراث العربي عموماً وتراث الجزيرة خصوصاً لوجدناه يزخر بعشرات الأنواع الغنائية الشعبية، منها أغاني "العتابا، المولية، اليايوم، النايل، السويحلي، اللگاحي، الميمر، يا ظريف الطول، أبو الخديد، التشاطيف"، حيث "التشاطيف" هي فئة من أغاني أخرى قيلت في مناسبات متعددة لا ترد أصولها التاريخية والفنية على الألوان الغنائية الآنفة الذكر، ولو عدنا إلى أغاني العتابا لرأيناها نشأت في الجزيرة منذ أكثر من ألف عام بحسب قاموس "ابن منظور" الذي يرى أن "عبد الله بن ممدود الربابي" قد قال هذه الأغاني في القرن الرابع الهجري على آلة الربابة، ولهذا يعتبر الربابي هو أول من قال هذه العتابا وأدى التراث الشعبي الجزري، أما فن غناء المولية فنشأ عقب نكبة البرامكة في العراق لأن الخليفة قد حرَّم رثاء البرامكة بشعرٍ فصيح، وإحدى جواري "جعفر البرمكي" الذي قتله الخليفة "هارون الرشيد" رثت مولاها ببيت غير مُعرَبْ، وكان هذا البيت هو أول بيت من شعر المولية والذي يتألف من أربعة أشطر ثلاثة منه تنتهي بكلمات متطابقة في اللفظ ولكنها مختلفة المعنى وتأتي على الجناس التام ونهاية البيت تأتي دائماً ياء مُشددة وهاء مهملة، أما اللگاحي فهو لونٌ ينتشر في منطقة "الرقة"، أما لون السويحلي فهو من أرق وأعذب الأغاني الشعبية الجزرية والذي يُقارب شعر الهايكو الياباني ويقارب أغاني تروبادور الفرنسية والاسبانية من حيث الحساسية الفنية من خلال شدة وصف المشاعر الإنسانية الحميمية وهناك تفصيلات كثيرة للتراث الشعبي لا يسعنا المجال لذكرها في جلسة واحدة».

لعل أهم الألوان التي تتميز بها محافظة "الحسكة" هو لون "العتابا، النايل، السويحلي" إضافةً إلى شطرٍ من أغاني "الميمر، وأبو الخديد"، لكن ما يُؤسف له هو عزوف الفنانين عن هذا الغناء الجميل وربما ندرج هذا العزوف تحت بند خجلهم من الأصالة التي تتمنى كثير من شعوب العالم أن تمتلكها، لذلك لم يتطور التراث كثيراً

يضيف "البركو": «لعل أهم الألوان التي تتميز بها محافظة "الحسكة" هو لون "العتابا، النايل، السويحلي" إضافةً إلى شطرٍ من أغاني "الميمر، وأبو الخديد"، لكن ما يُؤسف له هو عزوف الفنانين عن هذا الغناء الجميل وربما ندرج هذا العزوف تحت بند خجلهم من الأصالة التي تتمنى كثير من شعوب العالم أن تمتلكها، لذلك لم يتطور التراث كثيراً».

الباحث عبد البركو

الفنان "عناد أبو حاتم" يقول: «نحن كفنانين نقوم بإحياء التراث في المنطقة من خلال تقديم عدد من الألوان الغنائية التي كانت معروفةً ومتداولة بكثرة في القديم، ونعزف على آلة الربابة التي لم تطور منذ بداية صنعها وحتى هذا اليوم، ويرجع سبب عدم التطور لأن الربابة تعزف على وتر واحد ولا يمكنها أن تعمل إلا في اتجاهٍ واحد وهو اللون العربي الذي أنشئت من أجله، بدأت مشاركتي في هذا العرض بـ"السويحلي" والذي يقول:

باسمك تعنيت يل رادك الدلال / وتدروني مليت من طول ملگاكم، ومن ثم غنيت العتابا والتي تقول: "اگذلَّ الترف رابيهن من سبوگ / أنعام وخلچة الباري من سبوگ، عليهم نس دلالي مثل ما / نس سبوگ الغرب ومناحر هواه"، كما غنيت نايل الحويجة وهو يقول: "لأمشي وأدگ الدرب لبيت خلاني/ وإذا عدهم زلم خلها تلًّگاني"».

الفنان عناد أبو حاتم يعزف على الربابة

الفنان "أحمد سويحل" موظف في مديرية المصالح العقارية يقول: «أنا أهوى التراث الشعبي لكوني ابن الريف وقد تعلمت على آلة الربابة لأنني أرتاح عند سماع صوتها، وقد غنيت في العرض نايل الحويجة ذا الأصل العراقي والذي غناه "ملا ضيف الجبوري" و"عزيز جبوري" و"سلطان أحمد"، وبسبب الروابط العشائرية بيننا وبين الشعب العراقي الشقيق انتقل هذا اللون إلى منطقة الجزيرة، وقد تقلصت الأغاني الشعبية منذ زمن وحتى هذا التاريخ بسبب انشغال الناس أو تحولها إلى الطرب الحديث، وساهم الإعلام في اندثار هذه الثقافات بسبب تسليط جل أضوائه على الغناء الحديث وإهماله للجانب التراثي».

الأستاذ "عبد الوهاب الحسين" رئيس المركز الثقافي في "الحسكة" يقول: «تهدف هذه الأمسية على حماية تراث الجزيرة من الاندثار، هذا التراث الغني بمفرداته وتعدد أساليبه من غناء وشعر وأمثال، وقد قام المركز الثقافي في "الحسكة" بتشكيل لجنة لجمع التراث اللامادي في المحافظة، وعن طريق هذه اللجنة تم استدعاء عدد من المهتمين كالشعراء والباحثين والفنانين، وسنقوم بعد الانتهاء من تجميع هذه المعلومات بتفريغها في كتب موثقة وسيتم إرسالها إلى وزارة الثقافة، ولكن هناك عائق يحد من تنفيذ هذه الخطوة بالسرعة المطلوبة وهو عدم تخصيص ميزانية لهذا الجانب».

جانب من الحضور