يقع حي "الفيض" بالقرب من محلة "الإسماعيلية" حيث يبعد عن مركز المدينة "المنشية" حوالي /1/ كلم، وهو عرف قبل أكثر من ألف عام جاء اسمه من منطقة تقع على ضفاف النهر حيث يدعى النهر فيها بنهر "الفيض" وفيها بنى سيف الدولة الحمداني قصره، كما كان فيه حلبة السباق، وفيه بني المشهد عام /962/م.
"المؤرخ ابن شداد" ذكر في كتاب "الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة" أن: «هذه المنطقة بالذات كانت هدف "نقفوز" إمبراطور الروم البيزنطيين حين هاجم "حلب" في أواخر القرن العاشر الميلادي واحتلها عدا القلعة وخرب قصر سيف الدولة، كما كانت "حلب" هدف الصليبين المستعمرين بعد حوالي مئتي عام من هجوم الروم.
مثل تربة ابني أبيك "أحمد وعمر" وحدد لنا مكان القبة والعامود فقال.. بنى "أبو بكر دوادار السيفي بردبك" المتولي على الزاوية الدقاقية قبة عند مرمى النشّاب غربي "الفيض" وتحت هذه القبة صهريج ماء وتساعد على عمارته أهل الخير من الرماة الذي يرمون بالنشّاب واشتهر هذا المكان إلى الآن أي إلى أوائل القرن العشرين بالقبة والعمود
يذكر وجود ثلاثة مساجد كما يذكر أن "نور الدين زنكي" وسع مشهده الدكة وأنهى الملك العادل ابن "نور الدين" عمارته كما يتحدث عن المدرسة "الدقاقية" فيقول أنشأها مهذب الدين "أبو الحسن علي فضل الله ابن الدقاق" في منطقة "الفيض"، وأول من درّس فيها "رشيد الدين" في سنة ثلاثين وستمائة ويضيف أن في الحي حمام "للشهاب بن العجمي" وحمام "فخر الدين إياس"، وترتبط محلة "الفيض" بـ "الحاضر السليماني" عند ابتداء مكان أبنية الحاضر المعروف إلى الآن بالقبة والعامود غربي منطقة نهر قويق المسمى "الفيض" آخذاً إلى المكان المعروف بـ "جسر الحج" على شكل نصف دائرة ويدخل في ذلك المحلة المعروفة بـ "الكلاسة"».
بينما تحدث مؤرخ "ابن الشحنة" في كتاب "الدرّر المنتخب في تاريخ مملكة "حلب" عن محلة "ميدان الحلبة" قائلاً: «هي محلة من ضواحي "حلب" من جهة الغرب وهي مكان صحيح الهواء حسن التربة مشرف على النهر، وبه كروم وميدان، بل ميدانان تقام فيهما حلبة السباق ويتصل بها مكان يقال له "الفيض" ويذكر أن أرض الحلبة من منتزهات "حلب"، اهتم حكام "حلب" قبل ألف عام بمنطقة "الفيض" ومن المعروف أن بني "مرداس" الذين حكموا "حلب" بعد سيف الدولة وقبل "نور الدين زنكي" قد أضافوا أبنية كثيرة، وبنوا إلى جانب مشاهد المحلة مشهداً عرف بمشهد طرود نسبة إلى طرود زوجة "صالح بن مرداس" والتي تزوج بها "أبو النصر لؤلؤ" مرتضى الدولة حين سجن "صالح" في قلعة "حلب"».
فقد بني المشهد خارج "باب الجنان" في طريق الحلبة وذكر المؤرخ "أبو ذر" في كتاب "كنوز الذهب" عدة ترب في محلة "الفيض": «مثل تربة ابني أبيك "أحمد وعمر" وحدد لنا مكان القبة والعامود فقال.. بنى "أبو بكر دوادار السيفي بردبك" المتولي على الزاوية الدقاقية قبة عند مرمى النشّاب غربي "الفيض" وتحت هذه القبة صهريج ماء وتساعد على عمارته أهل الخير من الرماة الذي يرمون بالنشّاب واشتهر هذا المكان إلى الآن أي إلى أوائل القرن العشرين بالقبة والعمود».
وأشار الباحث الدكتور "محمد أسعد طلس" في كتابه "تاريخ الآثار الإسلامية": «انه كان في محلة "الفيض" قبل الثاني عشر الميلادي في المنطقة التي شيدت عليها الدولة مستودعات المحروقات قبور معروفة للشراكسة ، إلا أن درست حتى تشييد تلك المستودعات في عام 1763 أوقف حاج "موسى الأميري" بستان التادفي في "الفيض" على جامعه المعرف بجامع "الخير" في "السويقة"، وفي عام /1920/ حفر "عبد القادر أفندي بن طه بن عباس" المعروف بـ "الجلبي" بئراً سبيلاً قرب نهر الفيض، وبني عليه قنطرة».
وتحدث الدكتور "محمود حريتاني" المدير السابق للآثار والمتاحف في المنطقة الشمالية: «هذا البئر يعرف إلى اليوم بـ "جب الجلبي" وسميت المنطقة باسمه وقد أسعد هذا البئر على اتصال محلة "الفيض" بقرية "الأنصاري" البعيدة عن "حلب"، حيث كان المارة يتزودون بالماء منه، كما قامت السلطات في "حلب" في عام /1924/ بإصلاح الطريق من "الفيض" إلى قرية "الأنصاري"، وصارت العجلات تذهب إليها بسهولة، وصار الناس يقصدون القرية أيام الربيع، تلك نبذة تاريخية عن محلة الفيض التي يعتبرها الدارسين اليوم محلة حديثة، بينما تعود إلى أكثر من ألف عام خلت، وحين توسعت المدينة القديمة محوها في الماضي كان ذلك لوجود محلة ملأى بالمشاهد والمدارس».
وختم "حريتاني" قائلاً: «لم تكن "حلب" القديمة قبل ألف عام ونيف محصورة ضمن الأسوار بل كانت أوسع من ذلك بكثير، وربما ما كان داخل الأسوار وحولها يتميز بوجود المراكز التجارية من "أسواق" و"خانات" و"قيسريات" أو محلات المهن "كالقيسيريات" أو للسكن ولو تعمقنا قليلاً في دراستنا لتاريخ "حلب" القديم لرأينا اتساع المدينة الكبير ولرأينا القصور والمشاهد والمدارس والجوامع والحمامات والسكن أيضاً ضمن دائرة قطرها عدة كيلو مترات تغير مركزها بحسب الفترات التاريخية فهو تارة قلعة "حلب" وتارة "حي العقبة" وتارة منطقة كاتدرائية "حلب" الكبرى والجامع الأموي، ولا شك أن نهر "قويق" لعب دوراً كبيراً في تطور مدينة "حلب" وتاريخها».
ومن جهة أخرى أشار السيد "عبدو مسلماني" صاحب محل عقاري ـ دلال عقارات ـ عند انتقالنا لمنطقة "الفيض" أشار فيه: «بأن هناك حديقة قد هذبت ونظمت منذ /15/ سنة فقد وضع لها سياجاً من حديد وأزيل بابها، وبعد سبع سنوات من ذلك التاريخ أقيم في منتصفها محطة لتقوية كهرباء المنطقة وتسمى بـ "بوسط الكهرباء" وكان هناك في زاوية الحارة المجاورة القريبة من المشفى العسكري عدداً من البيوت العربية بلغ عددهم خمسة إلى ستة بيوت شيّّد في مكانهم مباني حديثة، ومنذ ثلاث أو أربع سنوات وجد مختار لهذه المنطقة وقد توضع قريباً من الحديقة المشار إليها سلفاً، ومنذ /20/ سنة وعلى الشارع العام كان هناك معملاً للمياه الغازية ماركة "ستيم" ولكنه أغلق وأقيم عوضاً عنه محلاً لبيع الفروج، وقد سكنت هذه المنطقة منذ عام /1973/».
