«أن تكون إسكافياً ناجحاً فهذا أمر عادي، أما أن تكون محبوباً أكثر من الجميع! فهذا سببه الهدف الذي يسعى كل منا إلى تحقيقه، فشخص يحب أن يكون مهندساً وآخر طبيباً وثالث أستاذاً ورابع مهنياً... وهكذا، وفي النهاية يستقر كل واحد بعمل يحبه ويحقق من خلاله طموحاته، وأنا أرى أن الإنسان الناجح من كل هؤلاء هو من يكسب محبة الناس واحترامهم بإخلاصه لعمله، وهذا ينطبق تماماً على "مازن"».
هكذا وصف السيد "عماد فضول" من سكان بلدة "صحنايا" (16 كم إلى الجنوب الغربي من وسط "دمشق") صديقه منذ الطفولة "مازن محفوظ"، الذي التقاه موقع eSyria في ورشته الصغيرة (متران ونصف بمتر وربع) في بداية شارع النجوم، في وسط "صحنايا"، وسأله عن سبب المحبة التي يحظى بها وإقبال الناس عليه، فقال: «أعتقد أن خبرتي في تصنيع الأحذية كانت سبباً في نجاحي بمهنة التصليح، ومعرفتي بنقاط ضعف الحذاء أو المحفظة، وكيف يكون الوضع الأمتن؟ وكيف يصبح إذا درزته أو وضعت له المسامير؟ أو.. أو.. إلخ، ويكمن السبب الأقوى لنجاحي فيها بمحبتي وإخلاصي لمهنتي من جهة، وبلسان "حلو" مع الزبون من جهة ثانية».
لا يوجد عمل من دون تعب، وأنا معتاد على تعب المهنة، ولكنني أمشي كثيراً في الصباح الباكر وأحياناً في المساء، فأحافظ على لياقتي وصحتي
وتابع يصف مهنته: «برأيي أن أي مهنة بحاجة إلى اللسان "الحلو"، لأنه يقرب الناس منك، ويظهر إنسانيتك قبل كل شيء، وبحاجة من جهة أخرى إلى المثابرة والصدق مع الناس، فأنا في المناسبات والأعياد لا أترك المحل قبل بزوغ الفجر كي لا أتأخر عن تسليم الحاجيات لأصحابها، ففي رمضان الماضي ليومين أو ثلاثة لم أغلق المحل أكثر من ثلاث ساعات في الأربع والعشرين ساعة، وأكثر ما أفرح وأتفنن بتصليح أحذية الأطفال، فأشعر بأنني يجب أن أعيد أحذيتهم جديدةً كي يفرحوا بالأعياد».
نشأ "مازن" في أسرة فقيرة، فترك المدرسة في الصف التاسع واتجه إلى العمل المهني، ليساعد والده في إعالة الأسرة، بدأ العمل في ورشة صهره لتصنيع الأحذية بالقالب، واستمر لمدة سبعة أعوام في هذه الصنعة، وبعد تأدية خدمة العلم تابع في الورشة مع صهره كشريك في العمل لعامين أيضاً، واضطروا لبيع الماكينات والعدة لعلاج صهره من مرض عضال ألم به، وبعدها كان من الواجب عليه أن يبحث عن العمل، فقد أصبح أباً لطفل "أبو جوني"، مهنته التي يحبها، دفعته للتفتيش عن ورشة إصلاح أحذية، وجدها بعد تعب: «تدبرت مبلغاً اشتريت به ماكينة لورشتي الجديدة وبضاعة تكفيني لسنة، وبدأت العمل متسامحاً قدر الإمكان مع الزبائن، وخاصة الفقراء منهم فأنا عشت الحاجة والفقر وأحس بالناس، وهكذا أصبحت لي سمعة حسنة وكثر زبائني في البلدة وخارجها، فالزبائن يأتونني الآن من "المخيم" ومن "جرمانا" ومن "المزة" و"المعضمية"».
لا يكتفي "مازن" بإصلاح الخلل في الحذاء، بل ينظفه ويصلح دهانه ويلمّعه ليغدو جديداً، كما قال، سألناه عن طريقة تعامله مع متطلبات المهنة فقال: «أحضر بضاعتي من محلين: الأول محل "ثابت أبو زيد" في "مخيم اليرموك"، والثاني في "دمشق" القديمة خلف القلعة وهناك في السوق العتيق أكثر من محل، وكل واحد منهما عنده كل متطلبات المصلحة من نعل وضبانات وكاوتشوك ومسامير وأصبغة وصمغ وشواكيش وسندانات.. وغيرها، فقط الماكينات لها وكالات خاصة، وأنا أعطل يوم الأحد فقط، وفي هذا اليوم أذهب إلى أحد المحلين وأحضر كل النواقص التي سجلتها خلال الأسبوع، ودائماً أزيدها قليلاً للطوارئ، ونادراً ما أحتاج لشيء خلال الأسبوع وإذا حصل واحتجت شيئاً أذهب في فترة راحتي بعد الظهر بسيارتي وأحضر ما أحتاجه».
وهل يتعبك الجلوس لساعات طويلة وراء الماكينة والسندان؟ أجاب: «لا يوجد عمل من دون تعب، وأنا معتاد على تعب المهنة، ولكنني أمشي كثيراً في الصباح الباكر وأحياناً في المساء، فأحافظ على لياقتي وصحتي».
وجواباً عن سؤالنا عن بعض المواقف التي عرضت له أثناء العمل، قال: « أقفل محلي بحدود الساعة التاسعة مساء، ومرة جاءني زبون بعدما أقفلت باب المحل ورجاني أن أصلح له حذاء لأنه مضطر عليه كثيراً، ففتحت الباب وعدت للعمل، وفوجئت بأنه ناولني كيساً مملوءاً بالأحذية التي تحتاج لإصلاح ورجاني مرة أخرى لأنه سيسافر مع عائلته وبحاجة لها ... فتحاملت على نفسي رغم تعبي وعملت عليها لأكثر من ساعة، وبعد إنجازها حملها ومد لي يده بخمس عشرة ليرة، لم أعلق أكثر من أن أعدت له النقود وقلت له: اشتر بها لابنك الصغير، فهذه أجرة تصليح زوج أحذية لا تسعة أزواج! خذها ولا تعد إلي مرة ثانية، فأخذ النقود والأحذية وانصرف، فتبسمت وأغلقت المحل وقلت لنفسي: الحمد لله على كل حال، وعندها تذكرت وصية المرحوم والدي حينما بدأنا بورشة التصنيع قال لي: "يا بني المركب اللي ما فيها لوجه الله بتغرق"».
سألناه عن خصوصية مهنته وأهميتها له، فأضاف: «عندي جار لا يخرج إلا "مطقوماً" ويركب سيارة فخمة، وهو مديون، ويمر كل يوم من أمام محلي ويصبّح علي باستهزاء، فاستوقفته مرة وواجهته بحقيقته، وقلت له: "يا جار اللي ما بتزينو عروقو ما بتزينو خروقو"، فما نفع الإنسان إن لم يحمل من الإنسانية إلا شكلها؟».
وعن عشرة العمر الطويلة مع "مازن" وعن أهم ما يميزه، يقول صديقه "فضول": «أنا أعتبر "مازن" قدوة في تعامله الطيب مع الجميع كباراً وصغاراً، وبإخلاصه لمصلحته ولمن حوله، وبمثابرته على مهنته وصل إلى وضع ممتاز، فقد بدأ من الصفر ووصل بجهده وتعبه، تزوج وامتلك سيارة صغيرة، وهو نشيط اجتماعياً، ويساهم في أكثر من جمعية خيرية.
وشاهدت له موقفاً عليّ أن أرويه للأمانة: قصده شخص وطلب منه تصليح حذائه واعتذر عن الدفع لأنه لا يملك نقوداً، فرحب به "مازن" وبدأ بتصليح الحذاء مهوناً على الشخص بكلمات لطيفة وبسيطة، وأخذ الشخص يظهر عذره بأنه أضاع نقوده، وأنه اتصل بقريب له يقطن في "جرمانا" له معه بعض المال، وأظهر سوء حاله المادي، وبعد انتهاء "مازن" من إصلاح الحذاء أخرج من جيبه مبلغ عشرة آلاف ليرة لم يكن يملك غيرها وقدمها له قائلاً: تدبر أمرك بهذا المبلغ ريثما تفرج الأمور عليك فتعيده لي، أخذ الرجل المبلغ شاكراً وواعداً بالسداد وانطلق دون أن يسأله "مازن" عن اسمه أو عنوانه، ولما رأى في عينيّ نظرة الدهشة والاستغراب قال: إن أعاد النقود فلا بأس وإن لم يعدها فلتكن حسنة عن أولادي... ولم يمرّ شهر حتى أعاد الرجل النقود، وأصبح من أقرب الأصدقاء لمازن».
السيد "نبيل متري" "أبو علاء" من أهالي "صحنايا" قال: «هو محبوب من الجميع لأنه لبق في تعامله، خلوق ومهذب وطيب جداً، لم أسمع يوماً أنه تخاصم مع أحد، أو سمعت شكوى من أحد عليه، فهو سباق لمساعدة الآخرين وحضور مناسباتهم في السراء والضراء، وجميع أصدقائه وجيرانه يعتبرونه فرداً من أسرتهم لطيبته وقربه من الصغير والكبير».
وتابع عن "مازن" المهني: «أنا ابن البلد، وأعرف المعلم مازن وهو يعمل بتصنيع وتصليح الأحذية منذ أكثر من خمس عشرة سنة، وهو كمهني شاطر متقن لعمله، ملتزم بمواعيده في العمل، ولا أذكر مرة أنه وعدني بساعة محددة وأخل بوعده، وأعتقد أنه دقيق مع الجميع بهذا الشكل، فعندما يعرض عليه حذاء أو حقيبة ينظر إلى القطعة ويحدد بلحظات كم تستغرق من الوقت ويحدد الموعد الذي تكون فيه جاهزة للتسليم، وكثيراً ما يتأخر مساء لينجز ما وعد به لليوم التالي».
يذكر أن "مازن" ولد في صحنايا عام 1974 لأسرة فقيرة وأبوين أميين وإخوة خمسة، وله طفل وطفلة.
