عندما ترتبط المهنة بشهوة الطعام فالحديث سيطول بالتأكيد، فماذا عندما تعلم أنك تتحدث عن هذه المهنة وأنت في "حلب"؟ فمنذ سنوات طويلة اعتاد "الشوا" كما يطلقون عليه باللهجة الحلبية ويقصدون به "بائع اللحم المشوي"، اعتاد أن يحزم أمتعته وأن يتوجه إلى أماكن تجمع الناس سواء أكان ذلك في الأسواق التقليدية للمدينة أم في أسواقها الثانوية المعروفة والمنتشرة على أطرافها كسوق الجمعة أو سوق الخميس و"الحرامية" وغيره.

فضلا عن اختياره لأماكن خاصة له في أحد زوايا الحي الشعبي البسيط ليكون ركناً أساسيا من أركانه فيما بعد، لا توقيت محدداً لإغلاقه لأنه بالخدمة دائماً، وكعادته لن يحتاج إلي أي إعلان تجاري عن بضاعته فأعمدة الدخان والرائحة الشهية المتصاعدة من "منقله" ستقودك إليه ولو كنت بآخر السوق.

تختلف أنواع اللحوم وتتباين فيما بينها إلا أن لحم الخروف البلدي يتصدرها نظراً لعوامل كثيرة ومعروفة، ثم يأتي لحم "الفطيمة" ولا نبيع هنا سوا هذه اللحوم ومشتقاتها كـ"السوداء" و"القلب" و"الطحالي" و"الكلى" و"الحمراء" وطبعاً لكل منها تبلتها الخاصة بها، اللحم المشوي أكل مفضل لدى الكثيرين فهو لا يقدم بمفرده ويتبعه في ذلك صحن "البيواظ" المعروف والمكون من البقدونس المفروم مع البصل والحامض، ويقدم أيضاً البصل المشوي مع الدهن أو الشحم والذي يضيف إليه نكهة خاصة ومميزة وهذه عادة دارجة هنا في "حلب" أو يقدم مع البندورة المشوية على الفحم

في حي "باب الحديد" الشعبي القديم والذي يتوسط مدينة "حلب" تتخذ عائلة "الجليلاتي" مقرا لمحلها الذي خصصته لبيع اللحوم المشوية على مدى ستين عاماً، ما يميزهم عن سواهم أنهم أصبحوا علامة فارقة في هذا السوق وهذا ما مكنهم من البقاء والاستمرار، حيث يعمل جميع الإخوة والبالغ عددهم أربعة بإشراف والدهم الذي بدأ مهنته في السوق ذات منذ مطلع الستينيات من القرن الماضي، كثيرون هم زبائنه لكن الأكثر هو محبته لهم.

من واجهة محال الشوا

عندما قررنا الخوض في الحديث عن هذه المهنة كان استقباله كبيراً، ففتح له قلبه وذكرياته مانحا الفرصة لنا لنسمع عن قرب، ونشاهد عن كثب ما يدور في كواليس مهنة "الشوا".

السيد" محمد جليلاتي" يحدثنا عن مهنته التي تعلمها وهو بسن عشر سنوات فقال: «دخلت المهنة وأنا بسن العاشرة حيث بدأت أشارك والدي وأساعده في عمله بالمحل، تعلمت منه أشياء كثيرة أهمها أنه عندما يتواجد الضمير والصدق تستطيع من خلالهما سحب الزبون من آخر الدنيا، وبالنهاية هذه مهنتنا وعلينا أن نهتم بأدق تفاصليها، عملنا لا يعرف الراحة على الإطلاق لذلك يتطلب منا التواجد بالمحل على مدى الأربع والعشرين ساعة يومياً، يتطلب منا أن نتمتع بنظافة عالية وكرم لا محدود بالدرجة الأولى إضافة إلى اللباقة في التعامل مع الزبون أياً كانت درجته فالكل سواء، في محلنا أورثنا والدنا حكمة أساسية وهي: "أنه يجب أن نطعم الزبون كما نأكل نحن"».

السيد زكريا ومحمد جليلاتي

  • ماذا عن أنواع اللحوم وأيها أفضل؟ وماذا تقدمون لزبائنكم؟
  • ** «تختلف أنواع اللحوم وتتباين فيما بينها إلا أن لحم الخروف البلدي يتصدرها نظراً لعوامل كثيرة ومعروفة، ثم يأتي لحم "الفطيمة" ولا نبيع هنا سوا هذه اللحوم ومشتقاتها كـ"السوداء" و"القلب" و"الطحالي" و"الكلى" و"الحمراء" وطبعاً لكل منها تبلتها الخاصة بها، اللحم المشوي أكل مفضل لدى الكثيرين فهو لا يقدم بمفرده ويتبعه في ذلك صحن "البيواظ" المعروف والمكون من البقدونس المفروم مع البصل والحامض، ويقدم أيضاً البصل المشوي مع الدهن أو الشحم والذي يضيف إليه نكهة خاصة ومميزة وهذه عادة دارجة هنا في "حلب" أو يقدم مع البندورة المشوية على الفحم».

    الزبائن عند استمتاعهم بطعم اللحم المشوي

  • ماذا عن تعاملكم مع الزبائن واختلاف أذواقهم ومتطلباتهم؟
  • ** «يتم الاعتماد على الزبون الدائم بشكل دائم وبنسبه تصل إلى 90% والنسبة المتبقية هي للزبون الطيَار الذي يمر مصادفة من هنا، والأخير سيصبح زبوناً دائماً فيما بعد من مجرد تناوله عندنا لأول مرة، فهي كفيلة بعودته إلينا من جديد.

    نحاول جاهدين إرضاء الزبون ولو كان على حسابنا فهدفنا أن يكون الزبون راضياً لأنه يدفع مقابل ذلك فلماذا لا يكون مبسوطاً؟ فهناك زبائن كثيرة تحب أن تشرف على وجبة طعامها بنفسها وهذا لا يمنع وكثيرا من الزبائن من تجده يقوم بشواء لحمته بيده فهو هكذا يرغب وهذا ليس من باب عدم الثقة أبدا بل من باب الاستمتاع طبعاً، وهناك آخرون من يفضل أن تكون له طريقة خاصة في الأكل والتوابل ولو أنها لا تصلح مثلاً فهو حر، وكثيرون من يحضرون معهم توابلهم الخاصة لنقوم بشواء طلباتهم الخاصة، إضافة إلى وجود قسم كبير منهم أصبحنا نعرف متطلباتهم وحدنا فبمجرد دخولهم محلنا نقدم لهم وجبتهم دون أي سؤال».

    رغم بساطة ويسر عملية شواء اللحم إلا أنه لابد من توافر شروط أساسية كي تكون العملية ناجحة مئة بالمئة، فهناك الكثير من الناس لا يتقنون هذا الفن ويتركون الأمر لأصحابه أو من ينوب عنهم في تلك العملية، السيد "زكريا جليلاتي" سألناه عندما كان يقوم بشواء عدة أسياخ من اللحم على منقله، فقال: «تعتبر النار المادة الرئيسية في عملية الشواء ويعتبر الفحم الخشبي هو المادة الأساس لها وسوء نوعية الفحم يؤدي إلى فشل وتخريب الوجبة بكاملها، حيث يجب أن يكون محروقاً بشكل كاف حتى لا يتصاعد من الدخان ويلتصق باللحم فيتسبب بطعم سيئ للحم، ثم إنه كلما كان اللحم طازجاً كانت عملية الشواء أسهل، ويحتاج اللحم بعد فرمه إلى قسط من الراحة في البراد حتى لا تقع اللحمة من على السيخ، ويجب أن يكون "الكباب" مهبراً "أي نسبة الدهن فيه ضعيفة جدا" حتى يتماسك اللحم مع بعضه دون إضافة أي شيء إليه كالكعك المطحون أو غيره، وكثيرون يقومون بشواء نوعين من اللحم مع بعض كا لـ"الكباب" و"السوداء" وهنا يجب البدء بشيّ "السوداء" أولاً لأنها تحتاج إلى نار عالية وتقليب على أوجهها وتحتاج إلى وقت أطول بكثير من "الكباب" وهنا يقول المثل الحلبي "خلي السودا لتحرق وخلي الكباب ليعرق" فالكباب لن يحتاج إلى حرارة عالية أو وقت طويل، ويجب الانتباه على عدم وضع كمية كبيرة من اللحم على السيخ حتى تتمكن النار من الوصول والتغلغل في كافة أطراف السيخ وقلبه لتسوي اللحم بالكامل.

    أما بالنسبة لـ"اللحم الشقف" فيجب تحضيره وتخميره قبل يوم واحد على الأقل حيث أقوم بتقطيع اللحم وتتبيله بالملح والزيت والليمون الحامض والبهارات والفليفلة الناعمة إضافة إلى دبس الفليفلة وأضعها في كيس في البراد حتى اليوم التالي وهذا التبييت يجعلها منتهية تماماً وطرية في تناولها، أما "السوداء" فيتم إضافة الثوم إلى تبلتها والذي لا يصلح للحم الشقف أبداً والي يخلط مع الكزبرة والفليفلة والملح، وهنا يجب عدم خلط التبلات مع بعضها فلكل نوع تبلة خاصة به، فتبلة لحم الشقف لن تؤثر إذا وصلت إلى لحم "السودا"، بينما إذا وصلت تبلة "السودا" إلى لحم الشقف فستنزعه وتخربه، وهذا كله لا يمنع من أن الطعم ذوق خاص يختلف به كل شخص عن الآخر».

    الجدير ذكره أن منطقة "باب الحديد" وسوق "بنقوسا" الذي يتفرع منه بالذات الذي يضم سوقاً شعبياً كبيراً هو من المناطق القديمة التي تجذرت به ونشأت عائلات كثيرة وكبيرة لا يزال أهلها متواجدون فيه حتى الآن ومنهم عائلة: "جيلو، حمامي، مسكينة، حمامة، عربش، محوك، طيارة، عرفة، الحنان، الجابري" وكل هؤلاء كانوا يشكلون البنية الرئيسية في تكوين المنطقة من خلال حياتهم الاجتماعية المترامية الأطراف والمتشابكة فيما بينهم.