ما يزيد من جمالية إبداع الطبيعة انسجام تكويناتها العفوية مع ما يقدمه الإنسان من فنون تشكيلية وغيرها يؤكد من خلالها أهمية الثقافة البصرية وتذوق الجمال، أو ليأتي نتاجه رمزاً يحيي من خلاله تاريخ وحضارة الرقعة التي يسخّر عمله من أجلها.

ولعلّ الأعمال النحتية هي أولى نتاجات الإنسان الفنية الأكثر قدرة على مخاطبة نفوس وعقول المجتمع، إضافة الى التأهيل البصري للمنطقة، من هنا قامت مؤخراً العديد من الملتقيات النحتية بهدف توزيع نتاجاتها في المرافق العامة لمحافظة "دمشق"، موقع eSyria بتاريخ 19/8/2010 قام بجولة في حديقة "تشرين" واستطلع آراء بعض الزوار عن مدى انسجام جمالية الطبيعة مع جمالية الإنسان، إضافة إلى الالتقاء مع أصحاب الرأي بتوزيع هذه الأعمال والعناية بها.

تم تشكيل لجنة مشتركة من محافظة "دمشق" ممثلة بمكتب السيد المحافظ وكذلك مديرية الخدمات ومديرية الصيانة، إضافة إلى الفنان التشكيلي "مصطفى علي" الذي كان أحد المشاركين في تنفيذ ملتقيات النحت المحلية، وهذه اللجنة تأخذ بعين الاعتبار أماكن توضع هذه المنحوتات

من زوار الحديقة التقينا السيدة "أمل كوايني" من "دمشق" برفقة أولادها، وعن رأيها بوجود المنحوتات الفنية في الحديقة تقول: «الحديقة مكان للتنزه والترويح عن النفس، ولعلّ وجود المنحوتات الفنية في الفترة الأخيرة في الحدائق أضاف جمالية جديدة إلى جمالية الطبيعة، فباندماج الجمال الطبيعي مع الإبداع البصري المصنوع من قبل الإنسان نكون قد خلقنا حالة روحية بصرية جمالية لها أثرها النفسي على المتلقي، بالإضافة إلى أن هذا النوع من الفنون يخلق لدى المواطنين ثقافة بصرية جديدة، فأنا عندما اصطحب أولادي إلى الحديقة للّعب والمرح يسألونني عن هذه المنحوتات ودلالاتها وكيف صنعت، وبذلك أكون قادرة على تكريس الثقافة البصرية الجمالية في ذهنهم».

نحت واقعي

أما "فراس خليل" طالب في كلية الآداب، فيقول: «الطبيعة تمتلك فنون كثيرة وعميقة لها ارتباط بروح الإنسان، كما المنحوتات الفنية لها ارتباط كبير بيد ذلك الإزميل الذي صنع منه، فمن هنا نصل إلى نتيجة بأن الفن ليس مرتبط بالإنسان فقط أو بالطبيعة، وإنما لهما ارتباط شديد أحدهما بالآخر، ووجود الأعمال الفنية مع الأعمال التي صنعتها الطبيعة في حديقة "تشرين" هو دليل على ارتباطهما، لكن هنا أريد أن أشير إلى نشر ثقافة العناية بهذه الأعمال وعدم خدشها أو الكتابة عليها، ذلك للحفاظ على جمالية المنحوتة والمكان الذي وضعت فيه».

الفنان والنحات "مصطفى علي" عن رأيه يقول: «الأعمال المتواجدة في حديقة "تشرين" لملتقى نحت سوري يعود إلى أكثر من عشر سنوات، ويتم اختيار مواضيع هذه المنحوتات من خلال ترك الحرية للنحات ليتصوير سورية من خلال نظرته، وأغلبها يتوافر فيها شرط التواجد في الأماكن العامة، كما أننا نسعى لترشيد الناس وتوعيتهم على عدم الكتابة على الأعمال النحتية التي ننظفها كل فترة، بالإضافة إلى أننا نسعى من خلال توزيع هذه المنحوتات بنشر فكرة العمل النحتي هو عمل تزييني جمالي له ارتباط بالطبيعة والإنسان، فالغاية منها جمالية فقط، وبوجود المنحوتة في الطبيعة يخلق هناك علاقة جديدة بين العمل الطبيعي من نتاج الطبيعة وبين المنحوتة التي هي من صنع النحات، اعتقد أن وجود الأعمال النحتية في الأماكن العامة وحول الناس يعطي تفاعل جمالي جيد للزائر أو المتلقي، فعلينا أن نعوّد المتلقي بأن يتذوق هذه الأعمال البصرية الجمالية، ففي النهاية الفنون مستوحاة من الطبيعة، فإنني أشجع بأن يصبح هناك المزيد من التعاون لنشر ثقافة النحت في الهواء الطلق، لكي تتكرث هذه الظاهرة أكثر بين المتلقين، فالفن هو الشيء المضاف للطبيعة».

عبث الأطفال بالجمال

وعن وجود المنحوتات في حديقة "تشرين" ومجاورتها للشجر والأعشاب ضمن تضاريسها وإن كانت تعطي إضافة جمالية للحديقة يقول "غاندي سعود" وهو فنان تشكيلي وأحد مراقبي الحديقة: «طبعاً هناك جمالية بإدماج ما صنعته يد الإنسان مع الطبيعة، فلدينا أعمال جميلة جداً ولأسماء مهمة في الحركة التشكيلية السورية، ومن هنا يأتي الناس إلى الحديقة ويأخذون الصور التذكارية إلى جانبها ويتفاعلون معها بشكل جميل جداً، وربما مع مرور الأيام تتشكل عندهم ذائقة بصرية جمالية، فالناس تحب الأعمال الجميلة وخاصة إن كانت أعمالاً كلاسيكية وتتفاعل معها.

في الحديقة هناك مجموعة متنوعة من الأعمال الكلاسيكية والمختلفة المدارس، النوعيات، الأشكال والأحجام، فقد كان لدينا بعض الأعمال الفنية المعدنية أزلناها لأسباب فنية يتعلق بعضها بالحجم وبعضها الآخر للحفاظ عليها أكثر من العوامل الجوية التي أثرت على بعضها، وهناك بعض الأعمال الورقية التي أزيلت نتيجة العوامل الطبيعية، وبشكل طبيعي العمال ينظفون هذه الأعمال ويهتمون بالأمور الفنية ونحرص على ألا تخدش هذه الأعمال أو أن يكتب عليها من قبل بعض المراهقين».

إبداع الطبيعة والإنسان

بدوره بيّن المهندس "فراس بشارة" مدير حديقة "تشرين": «المنحوتات تأتي إلى الحديقة بين 5 أو 10 منحوتات بعد أن يتفق على إرسالها لجنة مشكلة في محافظة دمشق مؤلفة من مديرية الصيانة ومكتب السيد المحافظ وبضع فنانين تشكيليين، وبعد مجيء المنحوتات إلى الحديقة يتم دراسة مدى تلاؤم المنحوتة مع المكان الذي ستوضع فيه من حيث جماليتها ومناسبتها للمكان المختار- نافياً في الوقت نفسه- أن يكون توزيع المنحوتات في الحديقة أو حتى في أرجاء محافظة دمشق بشكل عشوائي، بل ضمن اتفاق وتشاور».

أما فيما يخص كيفية توزيع محافظة "دمشق" للأعمال النحتية في أرجاء "دمشق" ومن ضمنها حديقة "تشرين" فيقول الأستاذ "نادر بعيرا" عضو المكتب التنفيذي لقطاع التربية والرياضة والشباب في المحافظة: «تم تشكيل لجنة مشتركة من محافظة "دمشق" ممثلة بمكتب السيد المحافظ وكذلك مديرية الخدمات ومديرية الصيانة، إضافة إلى الفنان التشكيلي "مصطفى علي" الذي كان أحد المشاركين في تنفيذ ملتقيات النحت المحلية، وهذه اللجنة تأخذ بعين الاعتبار أماكن توضع هذه المنحوتات».

يتابع "بعيرا" قائلاً: «مهمة اللجنة دراسة توزع المنحوتات في أماكن مناسبة في الساحات والحدائق، حيث يتم تصوير الموقع ووضع المنحوتات افتراضياً في الموقع المنتخب من خلال برنامج حاسوبي نرى فيه مدى تناسب المنحوتة مع المكان، وفي حال وافقت اللجنة المشكّلة على وضع هذه المنحوتة ومدى تناسبها مع الفراغ والمحيط التي وضعت فيه وملاءمتها لبيئتها؛ حينها يتخذ القرار لتوضع المنحوتة في مكانها، ذلك بعد أن تقوم مديرية الصيانة والخدمات مثلاً بتأمين البنية التحتية اللازمة لتوضعها، بالطبع اللجنة تتوخى جمالية المنحوتة ومدى تناسبها مع الموقع التي ستصبح فيه، أحياناً يكون للمنحوتة رمزية معينة لا يناسبها إلا أماكن محددة فمثلاً بعض المنحوتات ترمز للكتاب، وهنا يمكن أن تستفيد منها المرافق الثقافية في المدينة».

  • فريق العمل المشارك: "هيسم شملوني- علي العبد الله- شيرين خليل".