تمتاز كل منطقة من مناطق الشرق العربي بألوان غنائية خاصة بها، وربما استطاعت بعض الأماكن أن تضيف على اللون الأساسي إضافات، إما بالألحان أو بالوزن، أو بطريقة الأداء، ولعل جبل العرب القريب إلى البادية قد اكتسب منها لون "الشروقي" الذي كثيراً ما يتداوله شعراؤه الشعبيون، فهو يحمل نمطاً خاصاً بلحنه وأدائه على آلة الرباب.

وحول لون "الشروقي" وتاريخه وأوزانه تحدث الباحث "محمد جابر" لموقع eSwueda قائلاً: «"الشروقي" هو فن شعري غنائي وهو نوعان: الأول له قافيتان داخلية وخارجية، ويعتبر الممثل الأول للشعر البدوي وأكثر الفنون البدوية استعمالاً وتداولاً وأكبرها وأوسعها باباً، وهو بدوي اللون والرائحة والوجه واللسان.

البارحة ما كن وني بنوبها/ كني شطني صل صلدة بنوبها لو دقت طبول الوزارة بنوبها/ ما يفرج العطشان رزمات الرعود ولا نظفوا قلب الملوع من الغل

والثاني: يكون مربعاً أو مخمساً أي من أربعة أو خمسة أشطار أو أكثر، وسبب التسمية "الشروقي" قيل إن أساس التسمية جاء نسبة إلى الشرق أي شروقي بمعنى شرقي، وقيل إنه نسبةً إلى شرق الأردن، وقيل نسبة إلى شرق الجزيرة العربية. ولكننا إذا توخينا الدقة فإننا لا نستطيع تأكيد صحة ذلك جغرافياً بالنسبة لموقع كل منها من الجبل، وربما تكون التسمية محلية، وهذا النوع من الشعر متداول في الجزيرة السورية ولا يسمونه غربياً أو جنوبياً أيضاً ويستعمل في الجزيرة العربية ويسمونه شعراً نبطياً، وإذا كانت التسمية موجودة في غير الجبل فقد يكون مصدرها من العرب المغاربة، لأن مصدر هذا الشعر بالنسبة إليهم هو المشرق العربي.

الباحث محمد جابر

أما وزنه فيأتي على البحر الخفيف "فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن"، وكثيراً ما نجد خروجاً عن هذا الوزن، أكثر ما تتضح في التفعيلة الأولى إذ تأتي "مستفعلن" بدل "فاعلاتن"، كما أن "فاعلاتن" الثانية وهي التفعيلة الثالثة في الشطر، غالباً ما تأتي "فاعلاتان"، وفي الجزيرة العربية يسمى هذا الوزن أو اللحن "المسحوب" إذا كان وزن "مستفعلن مستفعلن فاعلاتن"، وبنائيته للنوع الأول قافيتان داخلية وخارجية، وزنه على الخفيف، قابل لألحان متعددة، يتداخل مع لون آخر أطلق عليه اسم "الجوفية" أو "الهوسة"، وهو بدوي غنائي أيضاً، أكثر ما يغنى على الربابة إضافة إلى أنه يغنى على آلات موسيقية أخرى متعددة».

وأضاف الباحث "جابر" بقوله: «النوع الثاني يكون مربعاً يتألف من أربعة أشطار وأربع قواف تكون الثلاث الأولى متغيرة والرابعة ثابتة تشكل عمود القصيدة، أما المخمس يتكون من خمسة أشطار، تكون القوافي الثلاث الأول متغيرة بينما تبقى الرابعة والخامسة ثابتتين ولكن القافية الخامسة هنا هي عمود القصيدة وإن الشطر الخامس هو قفلة المقطع الشعري، واستعماله بالجبل أقل بكثير من النوع الأول وتغلب عليه صفة الشعر المصنوع وهذا النوع من الشعر لم أجد له مثيلاً سابقاً في الشعر البدوي العربي القديم، وأظنه جاء بعد دخول الفنون الزجلية أي أنه تمثل بها من حيث الصنعة، وبالتالي فهو نمط محرف للشعر البدوي الشروقي، وهناك أمثلة يقول الشاعر الشعبي "جاد الله سلام" بالشروقي على بحر "المسحوب":

الشاعر فهد الحسين

«ما لوم عيني وإن بكت دمعها دم/ ما لومها وان طولت في سهرها

تبكي على اللي فارقوا الدار يا عم/ ومن البكا كن زاغ منها نظرها

سعيد جابر

صبرت إني وعيا الصبر يفرج الهم/ صبري على بلواي ما حد صبرها»

ومن نوع المخمس المردوف في الشروق يقول الشاعر "نجم العباس" من قرية "ملح":

«البارحة ما كن وني بنوبها/ كني شطني صل صلدة بنوبها

لو دقت طبول الوزارة بنوبها/ ما يفرج العطشان رزمات الرعود

ولا نظفوا قلب الملوع من الغل».

ومن نوع المربع والتي سميت قصيدة العشر الركاب قصيدة الشاعر "اسماعيل العبد الله" من قرية "حوط" في الشروقي يقول:

«من فوق همي واردف الموج يمي/ اشرب بسمي وانصف الدمع دمي

جرحي مزمي بالمعاليق لمي/ الشيب عمي بمفرق النحر والراس

من عقب ذا شديت ركباً عرابيد/ حيلاً يمزعن الحديد المباليد

أن دوبحن واقفن حقوق عراقيد/ ممشا ثمان ايام للهجن مرواس»

وعن ألحان الشروقي أوضح الشاعر الشعبي وعازف آلة الرباب "فهد الحسين" قائلاً: «يعتبر الشروقي من ألوان الشعر الشعبي الوافد إلى جبل العرب، وقدمه شعراء الرباب بألحان عديدة قد تتجاوز ثلاثة عشر لحناً، لكن ما اشتهر في عزفه أربعة ألحان منها "الغياثي، والزوبعي، والباسلي" الحامل لوزن مختلف، و"العماري"، وله أيضاً وزن مختلف عن لون "المسحوب أو الهلالي" في تفعيلات قليلة، إنما "الشروقي" له طابع خاص في أدائه، لأنه يتضمن رسالة وجدانية من أنواع القصائد الوجدانية، والعاطفية، والوطنية، والاجتماعية، والمساجلات، بين الشعراء، لعل هذا ما يفرض احترامه على سامعيه لذلك ترى من يستمع إليه يكون صامتاً وهادئاً، ينصت بخشوع وكأنه في محراب، يتمعن بالكلمات والمعاني، ويتأمل باللحن ذي الأنغام البسيطة غير المعقدة، والمنسجمة مع الكلمة الشعرية، لما يحمله هذا النوع من الشعر من حكايا وروايات وقصص واقعية، الأهم أن جماليته تكمن في مهارة عزف الشاعر وصوته وقدرته على إيصال المطلوب من القصيدة للمتلقي، من خلال اختيار الموضوع المناسب للموقف والبيان الفعلي في اللحظة الواقعية».

وعن تأثير الألحان الشعبية الوافدة بالمعاصرة أوضح عازف آلة الرباب "سعيد جابر" وهو من جيل الشباب قائلاً: «يمكن لنا كجيل من الشباب الذي تأثر في العزف على آلة الرباب من شعراء كبار أمثال "نواف أبو شهده، فهد الحسين، عبد الكريم جريرة، يوسف وهبي" وغيرهم الكثير ممن قدموا لنا ألحاناً جميلة على "الشروقي"، قد استفدنا في عملية الأداء ومخارج الحروف، وطبيعة الكلمة المغناة، وخاصة بالمد الصوتي في قفل كل بيت من الشعر أو صدره، إلا أننا اليوم أصبحت آلة الرباب يعزف عليها ألحان كثيرة ومعظمها تدخل فيها الإيقاع السريع باسم المعاصرة والحداثة، لكنني ميال بطبعي إلى النمط القديم أي أن تبقى الرباب تعزف "الشروقي" دون إدخال آلات أخرى عليها كالأورغ او الإيقاع وما شابه، فالذين حملوا التراث حملوه دون تحريف فيه، وهم اليوم أعلام عندما يحضرون في المقاعد أو المضافات ترى الناس يقفون لهم باحترام لما قدموا من حفظ للتراث الشعبي بأمانة ومصداقية، ولهذا أدعو إلى المحافظة على هذا اللون من الشعر الشعبي بشكله الطبيعي، دون إدخال آلات موسيقية معاصرة عليه من جهة، وإجراء دراسات وبحوث حوله ليشكل حالة ثقافية أكثر انتشاراً مما هو عليه الآن».

من شعراء الكلمة الشباب "غسان جمول" الذي بين قائلاً: «أعتقد أن جمالية التراث الشعبي في صفائه ونقائه، والشروقي جميل بألحانه معبر بكلماته وأنا ممن يكتبون هذا اللون من الشعر لأنني أعشقه وأحبه، فهو يحمل وزناً وإيقاعاً يصعب على غير المتمكن به أن يكتب ببحره وأوزانه».

يذكر أن أهم شعراء "الشروقي" في القرن الماضي كانوا "اسماعيل العبد الله، نجم العباس، زيد الأطرش، صالح عمار، جاد الله سلام، سلمان النجم، عبد الكريم رباح، علي نفاع، ثاني عرابي، محمد أبو خير، يونس أبو خير، ونعمة العاقل" وهناك الكثير من الأسماء التي عرفهم هذا النوع من الشعر العريق.