"أحمد أحمد" فقد نعمة البصر في فترة مبكرة من حياته واستطاع تجاوز إعاقته والانتصار عليها بالتحصيل العلمي حيث إنه مجاز باللغة العربية من جامعة "دمشق"، إضافة إلى التحصيل المهني. لم يتجه "أحمد أحمد" في حياته العملية للاختصاصات ذات الطابع النظري أو الحفظي كغيره ممن فقدوا نعمة البصر بل اتجه لعمل حرفي وهو تصنيع الأعواد الموسيقية.

موقع eSyria بتاريخ 8/8/2010 التقى السيد "أحمد أحمد" ليحدثنا عن مهنته في النجارة رغم فقدانه للبصر.

لعشقي وولهي بمهنة النجارة قمت بتأسيس وتفصيل أثاث بيتي كله، وبالطبع هذا لا يفسر تعلقي بالعمل على الموبيليا، وإنما بعشقي لتصنيع حاجياتي بنفسي

يقول عن احترافه النجارة: «كنت أدخل على منجرة لأحد المعارف فيلتقطني صاحبها ويمنعني من لمس الآلات لكوني فاقداً للبصر ويحذرني من أذية نفسي عند لمس الآلات، ولأنها كانت هوايةً لدي أحضرت "شلّة" صغيرة ووضعتها في غرفة نومي الخاصة، كان عمري وقتها حوالي 21 سنة وبدأت أقص عليها وأعبث بالخشب بشكل تخريبي وتجريبي حتى فهمت آلية العمل عليها ومن ثمَّ بدأت بقص "الكومادينة" وصنعتها، وبعدها صنعت غرفة النوم الخاصة بي وهي ما زالت لدي في البيت».

خلال العمل

وعن إمكانية تصنيعه لأثاث بيته والعمل بالموبيليا يقول: «لعشقي وولهي بمهنة النجارة قمت بتأسيس وتفصيل أثاث بيتي كله، وبالطبع هذا لا يفسر تعلقي بالعمل على الموبيليا، وإنما بعشقي لتصنيع حاجياتي بنفسي».

أما عن الدافع في اتجاهه لتصنيع الأعواد يقول: «كنت أمتلك عوداً جميلاً جاءني من "مصر"، حيث عزفت عليه وأعجبني كثيراً لكنه تحطم، ذهبت لإصلاحه فنصحوني بإتلافه بسبب فقدان بعض القطع منه، ولكن صانعي الأعواد صنعوا لي عوداً شبيهاً به وبإمكانيات محدودة، وقتها قررت أن أصنع واحداً بنفسي، لأنني اعتبرت وقتها أني قد فقدت شيئاً ثميناً وغالياً، وهذا العمل الاضطراري دفعني لأن أصنع الأعواد بعدما أعجبني العمل بها، ولهذا أسست ورشتي وافتتحت محلاً لذلك في عام 2000، وبدأت بتصنيع الأعواد لأنها بالنسبة لي بمثابة تطريز للفن، وكنت سابقاً أعمل وحدي في البيت على السطح حيث كان لدي غرفة أصنع فيها عودا أو عودين في الشهر».

من منتجاته

وعن كيفية التعاطي مع القياسات وعلاقته بالكتلة والفراغ يقول: «أعتمد في ذلك على اللمس؛ فأنا مثلاً عندما كنت أعجز عن القيام بالقياس آتي بأحدهم ليقيس لي، بعدها قمت بعمل متر "بريه" نكتب القياسات عليه ونقيس، وهو متر عادي موجود في السوق لكني أقوم بنقش القياسات عليه بمساعدة أولادي بناءً على الأرقام الموجودة على المتر نفسه، وهذه القضية انتصرت عليها من زمن بعيد، مثلاً العود فيه فتحات تأتي بدقة عالية جداً ومن الممكن وضع موزاييك وفسيفساء، فهذه الأمور لا يقدر عليها أيّاً كان، أنا بالنسبة لي أتصورها وأرسمها بطريقتي وأجد أنها سهلة جداً».

يقول عن تعديله في الآلات التي يعمل عليها بما يتناسب مع وضعه: «أمتلك آلات أنا صممتها ويستطيع المكفوف العمل عليها».

يكشف على ريش العود

أما عن مستوى الأمان بالشكل العام فيجيب: «لا يوجد أمان أبداً، العامل كغيره يمكن أن يصيب يده أحياناً، وأنا عدلت ببعض المواقع والمصادم لأعمل عليها، والمصدم هو حاجز معين على الآلة يجعلك لا تزيح عن القياس، حتى إنني استغنيت عن المصادم فيما بعد، فقد تجاوزتها بعد مدة طويلة».

وعن كونه معلما في المهنة وعنده عمال يقول: «كنت أعمل كهاوٍ فاشتريت محل نجارة وأحضرت عمالاً لا علاقة لهم بالنجارة منهم من كان يعمل بالكهرباء أو باعة، علمتهم النجارة وتصنيع العود وكيفية تطبيقه وأصبحوا جيدين وهم لا يفعلون شيئاً دون استشارتي، فنحن نصنع عوداً عليه لمسة فنية وصوته جميل فهم يستشيرونني بالقضايا الصوتية، وأنا علمتهم المصلحة منذ البداية».

وإن وجدت مشكلة في عود ما، ماذا يكون مصيره؟ يجيب السيد "أحمد": «نعتبره عوداً تعليمياً للمبتدئين فنبيعه بسعر رخيص».

وسألناه عن ماذا قدمت له هذه المهنة؟ فأجاب: «قدمت لي الدخل المادي الجيد وعشت مع نفسي وانسجمت مع عواطفي وهوايتي، فهي ثقافة عملية ومهارة أن تتعامل مع الأخشاب والأصوات كأن لديك مختبراً صوتياً، وعلى المستوى الاجتماعي هناك تقدير عام لي».

السيد "أحمد عمرو" وهو طالب حقوق يتعلم العزف على العود يقول: «حين أردت أن أشتري عوداً سألت صديقاً يعزف على العود باحتراف عن مصدر موثوق لشراء عود جيد فدلني إلى مشغل الأستاذ "أحمد أحمد- أبو أيهم"، ذهبت إليه وفوجئت بأنه كفيف ويعمل على آلات النجارة التي قد تكون خطيرة على المبصرين فكيف برجل كفيف؟ وحين تحدثت إليه وأراني مجموعة أعواد لأختار منها بعد تجريبها فوجئت أيضاً بخبراته العالية وبأنه موسوعة موسيقية».

أما جاره "زكريا الخطيب" وهو صاحب محل لبيع منتجات النحل فيقول: «حين افتتح "أبو أيهم" المنجرة لم أكن أتوقع مطلقاً أنه من سيقوم بتصنيع الأعواد، وكانت المفاجأة الكبرى عندما شاهدته يستخدم أدوات النجارة بكل ثقة، وفيما بعد أصبح لديه عمال وبدأ يظهر إنتاجه».