سبعون عاماً ولم تتوقف عن عشق مدينة "الشهباء" ولو للحظة، سبعون عاماً أحبت خلالها- وبكل جوارحها- حجارة "حلب" وترابها وهواءها وناسها الطيّبين، واليوم يأبى هذا العشق العذري أن ينتهي بينهما وقد تحول من عشق حبيبين إلى عشق أمومي أشد رسوخاً وحنيةً.

العاشق هو "حلب" والعاشقة هي الدكتورة "لمياء الجاسر" التي لم تمنعها العقود السبعة من البحث الموسّع والعمل الميداني في كل زقاق وسوق وبناء لتدوّن وتوثّق وتأرشف. في منزلها بمدينة "حلب" زارها موقع eAleppo حيث تحدثت بروح دافئة وقلب ينبض بالحيوية عن تجربتها الطويلة والمؤثرة في تاريخ مدينتها العريق، تقول الدكتورة "لمياء" عن بداياتها قائلةً: «في ربوع مدينة "حلب" الجميلة كان مولدي وذلك في العام 1940، الابتدائية درستها في ابتدائية "الغافقي" وفي ثانوية "معاوية" حصلت على الشهادة الإعدادية 1956 والثانوية 1959، أما بالنسبة لمرحلة التعليم العالي فقد حصلت على البكالوريوس في الهندسة المعمارية بجامعة "حلب" سنة 1964 والدبلوم في العلوم التطبيقية- فرع الآثار من معهد التراث العلمي العربي بجامعة "حلب" 1994 والماجستير في علم الآثار- قسم العلوم التطبيقية من نفس المعهد في العام 1999 وأخيراً الدكتوراه في علم الآثار- قسم العلوم التطبيقية في العام 2007 من المعهد المذكور».

طموحي هو أن أبقى على قيد الحياة فترة أخرى كي أستطيع خلالها إكمال أبحاثي وأعمالي وأنتهي من إعداد كتبي حول "حلب"

وعن مؤلفاتها تقول: «لي كتابان موسوعيان مطبوعان هما: /مدارس "حلب" الأثرية –تاريخها وعمارتها/ صدر في العام 2000 وكتاب /دُور المتصوفة في "حلب"– الخانقاهات والربط والزوايا والتكايا/ صدر في العام 2008، ولي قيد الإعداد مجموعة من الكتب هي: العمارة الإسلامية– تاريخ العمارة عمارة دور الشفاء /البيمارستانات/ في الإسلام – تاريخ الصناعة في مدينة "حلب"– تطور عمارة البيوت الحلبية خلال فترة الحكم العثماني– مساجد العهد المملوكي في "حلب".

تكريم الدكتورة "لمياء" من قبل السيدة الأولى "أسماء الأسد"

ولدي مجموعة من الأبحاث والدراسات وهي منشورة في المجلات والصحف والكتب وباللغتين العربية والانكليزية إضافة إلى مشاركاتي في العديد في المؤتمرات والمهرجانات والندوات العلمية الدولية والمحلية».

وتضيف متحدثة حول تجربتها العلمية والعملية وبشكل مختصر بالقول: «مارست مهنة الهندسة المعمارية في مكتبي الخاص بدءاً من العام 1967 وكمهندسة رأي اعتباراً من العام 1988 وعملت محاضرة في مادة التصميم المعماري في كلية الهندسة المعمارية بجامعة "حلب" بين 1971 -1974 ودليلة سياحية في جولات "جمعية العاديات" بين 2007-2009 ومحاضرة في كلية الآداب قسم الآثار بجامعة "حلب" 2008-2010 وعضو هيئة تدريسية في كلية العمارة بجامعة الاتحاد الخاصّة 2009-2010 وأخيراً أنا عضوة في اللجنة المكلفة من قبل برنامج التعاون الإقليمي السوري- التركي لتأليف كتاب حول المنشات العثمانية في محافظة "حلب"».

كتاب /دور المتصوفة في حلب/

وعن الجوائز والتكريمات التي نالتها خلال حياتها تقول: «لقد تم تكريمي من قبل وزارة الثقافة على مشاركتي في فعاليات "حلب" عاصمة الثقافة الإسلامية 2006 ونلت جائزة أفضل كتاب شامل عن مدينة "حلب" في العام 2006 عن كتابي /مدارس "حلب" الأثرية- عمارتها وتاريخها/ وأخيراً تكريم من السيدة الأولى "أسماء الأسد" في عيد الأم /الأمهات المنتجات/ في "دمشق" في العام 2008».

ورداً عن سؤال مراسلنا عن الجديد الذي أضافتها للحركة العلمية لحماية تراث "حلب" تقول: «الجديد هو أنّ الكثيرين كتبوا عن تاريخ وآثار ومدارس مدينة "حلب" ولكنها لم تكن مكتملة، إضافة إلى أنّ هناك الكثير من المدارس كانت غير معروفة، في كتابي "مدارس حلب" قمت بدراسة وافية لجميع مدارس "حلب" منذ نشأتها وحتى العهد العثماني مركّزةً فيها على عمارة تلك المنشآت العلمية وتاريخها وتطور فن العمارة فيها».

كتاب /مدارس حلب الأثرية -عمارتها وتاريخها/

أما حول ما تقدمه من مقترحات لحماية تلك المدارس وبالتالي فتحها أمام السيّاح والزوّار فتقول: «يجب أولاً الاهتمام بنظافة تلك المنشآت التاريخية /جوامع– مدارس/ ومنع الترميمات العشوائية فيها ووضع أي عمل ترميمي أو تجديدي بنائي تحت إشراف لجنة مختصة فالعديد من المساجد مثلاً يتم دهن المحاريب فيها بشكل شخصي وعشوائي أو يتم إزالة مآذن تاريخية منها وتحديثها مما يؤدي إلى تشويهها».

وعن العوائق التي صادفتها خلال حياتها- كامرأة- سواء في بداياتها أو خلال عملها الميداني، فابتسمت وهي تقول: «لقد كان والدي مدرّساً للغة الفرنسية ومؤسّساً لنادي "الفارابي" الثقافي وعاشقاً للعلم وهو الذي شجعني على التعلم ودخول المدرسة لا بل كان مصرّاً على ذلك وقد زاد إصراره بسبب تفوقي دراسياً في صغري، أمام خلال عملي الميداني في المنشآت والصروح العلمية في مدينة "حلب" فقد لقيت تجاوباً منقطع النظير من الأهالي لأنّ أبناء مجتمعنا وبطبعهم يحبون مساعدة الباحثين والعلماء وخاصة النساء منهم ولذلك كان عملي يسيراً بفضل تعاونهم الكبير بالرغم من أنّ هذه العمل بشكل عام لا يخلو من التعب والمشقة».

وعن العلاقة بين الهندسة المعمارية والآثار تقول: «العلاقة مباشرة بين الفرعين فحالياً يتم تدريس طلبة الآثار مواضيع الرفع الهندسي وتطور الأماكن الأثرية /الأبنية القديمة/ إنشائياً وعمرانياً وغير ذلك، لذلك فالعلاقة بين المهندس المعماري والآثاري علاقة قوية جداً وهناك ارتباط مباشر بينهما».

وعن تكريم السيدة "أسماء الأسد" لها تقول: «كان حلماً أن أقف ذات يوم أمام السيدة الأولى مكرّمة، لقد شعرت حينها بسعادة بالغة وقد كان لذلك التكريم أبلغ الأثر في نفسي كما شكل دفعاً معنوياً قوياً لي لتحقيق المزيد، بالنسبة لي فإنّ التكريم المعنوي هو أشد تأثيراً من التكريم المادي، فما بالك أن يتم هذا التكريم من السيدة الأولى في الوطن».

وأخيراً وحول طموحاتها وهي ابنة الستين من العمر تقول: «طموحي هو أن أبقى على قيد الحياة فترة أخرى كي أستطيع خلالها إكمال أبحاثي وأعمالي وأنتهي من إعداد كتبي حول "حلب"».

وحول شخصية الدكتورة "لمياء الجاسر" وأهمية أعمالها يتحدث الدكتور "جمال طحان"– دكتوراه في الفلسفة وعضو في اتحاد الكتاب العرب واتحاد الصحفيين قائلاً: «هي واحدة من أول ثلاث مهندسات يتخرجن من "جامعة حلب" ولا يستطيع أحد أن ينسى مشاركاتها الجادة في ندوات دولية لتقدّم من خلالها اكتشافات جديدة ونتائج تنمّ عن بحث يتسم بالتروي، وكتابها /مدارس "حلب" الأثرية-تاريخها وعمارتها/ غدا واحداً من أهم المراجع للباحثين، كما طلعت علينا بمؤلفها الضخم /دُور المتصوفة في "حلب"/ الذي قد يلتبس عنوانه عل القراء فيظنون أنّه بحث نظري وهو في الواقع دراسة تحليلية لتطور عمارة دُور /جمع دار/ المتصوفة في "حلب"».

ويضيف: «لقد شاركت الدكتورة "لمياء" معنا في مجلة العاديات بأبحاث غنية، وهذا كله خدمات جليلة تقدمها الباحثة لمدينتها الشهباء وبنتيجتها حصلت على جائزة "الباسل" في مجال التراث الحلبي في العام 2007، كما قامت خلال جولاتها الأثرية بتصحيح الكثير من المعلومات للأدلاء السياحيين حرصاً منها على تداول المعلومات الصحيحة عن تراثنا».

ويختم الدكتور "طحان": «في آخر محاضرة لها قالت الباحثة "الدكتورة لمياء الجاسر" أنها اكتشفت قسطل السلطان تحت برج ساعة باب الفرج والذي يعود إلى الفترة العثمانية وقد بناه السلطان "سليمان خان العثماني" سنة 1533م حين قدومه إلى "حلب" وأشارت إلى أنها اكتشفت أنّ الوالي "رائف باشا" لم يقم بإزالة القسطل المذكور وهدمه إنما أنشأ فوقه برج ساعة باب الفرج وهذا كله يدل على مدى اهتمام الباحثة بالسعي الدؤوب في أبحاثها ومؤلفاتها»..