تفخر قرى الساحل السوري بمزيج خاصّ ومتنوع من الحرف التقليدية اليدوية الصنع، كما تشتهر بإتقانها الفريد والمتميز للكثير منها وحفظها لها وخصوصاً أن تلك الحرف نشأت بفعل الحاجة حيث كانت تستعمل للحياة اليومية، وقرية "الدالية" التي يبلغ ارتفاعها عن سطح البحر "800- 1150" كم وعلى مسافة خمسة وستين كيلو مترا شرق جنوب محافظة "اللاذقية" إحدى تلك القرى التي ما زالت حتى الوقت الراهن محافظة على بعض الحرف الشعبية التقليدية كمصدر رزق ومعيشة لأهل القرية.

موقع eLatakia زار "الدالية" وتجول في أرجاء القرية لرصد وتسليط الضوء على الحرف والمهن الشعبية التي خلقت طبيعياً من أعماق تربة البلد وكانت بداية الجولة أحد أماكن صناعة خبز التنور والتقينا السيدة "جميلة معلا" من أهالي قرية "الدالية" التي كانت مقصدنا لأنها تزاول صناعة خبز التنور منذ أكثر من خمسين عاماً حيث أخبرتنا بالقول: «خبز التنور مهنة الأجداد ولكن الأيادي الجبلية حافظت على هذا الموروث القديم والمرأة الريفية بالتحديد ساهمت مساهمة كبيرة في المحافظة على صناعة خبز التنور ونقله من جيل لآخر حتى غدت مهنة لا تموت مهما أهملتها الذاكرة، وأحمد الله أنني ما زلت قادرة على العمل أمام التنور ووضع العشرات من الأرغفة فيه يومياً، وصنع خبز التنور متعة خاصة بالنسبة لي ولا أجد لها مثيلاً، وأعتبر نفسي من الجيل الذي يدين للتراث الشعبي بمسألة تعلم هذه المهنة وبالتالي تأمين القوت اليومي لي ولأسرتي وبذلك وجدت نفسي منغمسة في هذا الجو من العمل».

حالياً العمل بصناعة خبز التنور مجرد وسيلة لكسب العيش ومن جهة أخرى التحادث مع شرائح مختلفة من الناس، ولكن قديماً كانت الفتاة الماهرة في صنع الخبز هي الأوفر حظاً في الزواج

تناولت "جميلة" بين يديها عجينة خبز وبدأت بتمهيدها وهي تقول: «يحتاج تحضير عجينة الخبز إلى همة عالية، فأنا أستيقظ باكراً لأعجن الخبز بعد أن أنخّل الطحين بالغربال وأضيف له الماء الفاتر مع ملعقة من الخميرة والسكر وأخرى من الملح، ومن ثم أعجن الخليط وأقلّبه جيداً وأتركه مدة ساعة تقريباً حتى يختمر، وبعد الاختمار أبدأ بمرحلة الخبز على التنور وهنا لا بد أن يكون التنور جاهزاً وحرارته مناسبة للخبز قبل نصف ساعة تقريباً من تقطيع العجين، حيث أقوم بتقريص العجينة إلى كرات صغيرة ثم أقوم برقّها وتقليبها على اليدين في الهواء بخفّة، ثم أمدّها على وسادة قماشية تسمى "الكارة" ومن ثم ألصقها بجدار التنور الداخلي، وبعد نضجه واحمراره أمد يدي داخل التنور لأرفع الأرغفة ثم أضعها جانباً».

جميلة معلا مختصة بامتهان بعض الحرف القديمة

أشارت "جميلة" إلى أن هناك أنواعاً عديدة من خبز التنور الريفي إضافة للخبز العادي وقالت: «هناك فطائر "الزعتر" و"الجبنة" و"الفليفلة" و"السلق" وجميعها تتميز بطعمها اللذيذ خاصةً وأن نار الحطب تعطيها نكهة مميزة لا مثيل لها، كما أن فوائدها متعددة صحياً وغذائياً خاصة وأنها غنية بالمعادن والفيتامينات التي تزيد نشاط الجسم وتقوية العضلات».

أفصحت لنا "جميلة" عن سرٍّ كانت تنفرد به صناعة "خبز التنور" قديماً وخصوصاً في قرية "الدالية" حيث قالت: «حالياً العمل بصناعة خبز التنور مجرد وسيلة لكسب العيش ومن جهة أخرى التحادث مع شرائح مختلفة من الناس، ولكن قديماً كانت الفتاة الماهرة في صنع الخبز هي الأوفر حظاً في الزواج».

منى علي وهي تخبز على التنور

الخبز يخرج من التنور المصنوع يدوياً أيضاً والأيادي الماهرة في صناعة خبز التنور بمقدورها إنشاء حجر التنور، السيدة "منى علي" والتي كانت حاضرةً معنا عند موقع التنور تزاول هذه المهنة أيضاً حيث حدثتنا عن مراحل إنشاء التنور وخصوصاً في "الدالية" حيث قالت: «يحتاج صنع تنور الحجر ما بين سبعة وعشرة أيام مروراً بمراحل عدة تبدأ باختيار التراب المخصص لصنعه، فليست كل أنواع الأتربة تصلح لإنشائه، فالنوعية المفضلة هي خليط ما بين التراب الأحمر والتراب الأبيض، وبعد اختيار التراب يُنظف ثم يضاف له الماء ومن ثم يضاف حجر "دب الملح" لكونه يتناسب مع هذا النوع من التراب ويتواجد حجر "دب الملح" في الوديان الجبلية، ثم يضاف القليل من التبن والقش ليزداد المزيج تجانساً ثم يخلط حتى ينكمش وينعم، وبعدها تبدأ عملية البناء بوضع الطين على رقائق حجر التنور المبنية بشكل دائري وتترك حتى تجف، ثم يّطيّن جوف التنور وينشّف على الفور بوضع الحطب أو ما يسمى "الحمو" بداخله وهو من بقايا خشب السنديان والبلوط، ونقوم بإشعال "الحمو" حتى يحمر ثم نذوّب القليل من الملح مع الماء ونرش التنور به حتى يَبيض ويصبح الخبز أحمر عند الطهو، كما نستخدم قطعة خشب تسمى "المحراك" لتحريك الحطب والإبقاء على حرارة التنور الداخلية مرتفعة».

شاركنا السيد "مفيد سليمان" جلستنا عند مكان التنور وكان قد حضر لشراء الخبز وفطائر "الزعتر" و"الجبنة" وأخبرنا قائلا: «رغم دخول الآلة في تصنيع الخبز، إلا أن أفران التنور عادت للانتشار من جديد وخصوصاً في أنحاء ريفنا الساحلي والجبلي، وخبز العمة "جميلة" له مذاق خاص لدى أهل القرية، وبشكل شبه يومي أتردد للمكان لشراء الخبز الساخن وتذوق فطائر "الزعتر" المصنوعة على الحطب، أحن كثيراً للبساطة لأنها ترجع بي لحكايا آبائي وأجدادي لأن خبز التنور من تلك الحكايا».

أطباق القش صناعة الدالية

وبعد أن قضينا وقتاً ممتعاً عند موقع التنور توجهنا لمنزل السيدة "جميلة معلا" بعد أن أخبرتنا بأنه لا يوجد حرفة شعبية في القرية إلا وعملت بها وبدأت حديثها لموقعنا عن صناعة القش التي تزاولها بعض الأسر في الدالية ليس لغرض البيع إنما للاستخدام المنزلي مثل "تنسيف" القمح وجمع الخبز وحفظه بحسب ما أخبرتنا وتضيف قائلة: «تبدأ حكاية صناعة الشق عند انتهاء موسم حصاد الأراضي المزروعة بالمحاصيل النباتية كمحصول "القمح" و"الشعير" و"القصب" والخيزران" حيث نقوم باستخدام المواد المحلية المتوفرة من بقايا تلك المحاصيل ونمنحها أشكالاً جمالية متنوعة ومفيدة، حيث نبدأ بعقد القش وتدويره باستخدام أداة تسمى "المخرز" المصنوع من الحديد ويشبه القلم تقريباً ومن الممكن أن يتم تلوين القش باستخدام صبغات مختلفة الألوان "أحمر، أزرق، أخضر" حيث يغلى الماء ثم يذاب فيه القليل من الصبغة حسب اللون المراد العمل به ثم توضع كل باقة قش معاً، الأشكال التي تصنع من القش متنوعة كالسلال منها الكبيرة ومنها الصغيرة والأطباق التي كان الناس قديماً يتناولون الطعام بها وصناديق الزينة والسلال، وهناك نوع معين من بقايا القش مما يصلح لصناعة القش وتسمى بلغة أهل القرية "حنطة لا يتشكل عليها الحسك أو السفا"».

أما عن تاريخ حرفة صناعة القش في قرية "الدالية" تقول "جميلة": «تعتبر صناعة القش في القرية قديمة جداً منذ مئات السنين بحسب ما كان يخبرنا به أهلنا وأجدادنا، فهي حرفة يدوية منزلية غالباً تمارسها ربات البيوت في "الدالية" والقرى الساحلية الأخرى خلال أوقات الفراغ، حيث كانت قديماً مصدر رزق لأهالي المنطقة ولم يكن هناك امرأة إلا وتتقن هذه الحرفة».

أخبرتنا السيدة "جميلة معلا" عن أهل "الدالية" واعتمادهم على الموروثات القديمة في حياتهم اليومية كحجر "الباطوس" الذي أضحى الكثير من الأجيال الجديدة لا يعرفونه، والسيدة "جميلة" من أولئك الجيل الذين عاصروا في طفولتهم حجر "الباطوس" لعصر الزيتون واستخراج الزيت وتضيف قائلة: «منذ طفولتي وحتى اليوم وبعد أن بلغت السبعين من العمر وأنا أشهد حجر الباطوس في "الدالية" حيث كان يستخدمه أهل القرية لعصر الزيتون في موسم القطاف واستخراج الزيت، حتى أن عائلتي كانت من تلك الأسر التي تنتظر دورها في عصر الزيتون، و"الدالية" مقسمة إلى عدة حارات وفي كل حارة "باطوس" يشترك أهالي الحي باستخدامه حيث يبدأ قطاف الزيتون سنوياً في القرية بدءاً من منتصف شهر أيلول وقد يستمر حتى منتصف تشرين الثاني».

قدمت لنا "جميلة" تفصيلاً عن كيفية استخدام "الباطوس" في عصر الزيت حيث قالت: «الباطوس عبارة عن حجر مؤلف من قطعتين، القطعة الأولى منه منقوشة مثل حوض السباحة توضع في داخله القطعة الثانية منه والتي تحوي فتحة صغيرة توضع فيها قطعة خشب اسطوانية ويوضع الزيتون ضمن القطعة الثانية بكمية تقارب "100" كغ ويتم تدوير القطعة الخشبية ليتم بعد ذلك تدوير الحجر وتحريكه وبالتالي يتم هرس الزيتون والضغط عليه واستخراج الزيت».

وفي جانب آخر من قرية "الدالية" كان لنا وقفة مع "نزار علي شقرا" أحد أولئك الذين يبحثون عن الرضا وخاصةً في عيون الآخرين وذلك من خلال تفرّده بصناعة البوظة الطبيعية والنظيفة في قريته، فكان نتاجه بمجهود شخصي منه بعيداً عن أي هدف ربحي -بحسب ما أخبرنا- وما يسعى إليه اليوم هو تصدير نكهة البوظة الطبيعية للآخرين خارج حدود قريته الريفية.

في مكان عمله في مجال صناعة البوظة وضمن دكانه حدثنا "نزار شقرا" عن تجربته في هذا المجال حيث قال: «بدأت العمل في مجال صناعة البوظة مع بداية العام "2010" ولم يكن في ذهني أي هدف مادي، بل كان هدفي هو إنتاج محلي لبوظة خالية من أية مواد صناعية أو ملونات يعتمد عليها أبناء قريتي دون اللجوء للبوظة المباعة خارج حدود القرية والتي تكون أغلبها ملأى بالملونات الصناعية، وبما أن قرية "الدالية" أشبه بالمدينة لأن كل شيء موجود فيها (المحلات التجارية والأفران والمفروشات) لذلك قررت ألا يلجأ أهل القرية لتذوق البوظة الصناعية الواردة إلينا من المدينة، فعملت بمفردي دون مساعدة أحد واشتريت آلة لصنع البوظة بمبلغ باهظ جداً وما زلت حتى الآن أدفع ثمنها بالتقسيط وأسعى جاهداً لتوسيع عملي داخل قريتي والقرى المحيطة بها ومن ثم الانتقال للمدينة، رغم أنني لم أخرج هذه الصنعة خارج القرية حتى الآن فمنتجاتي كلها توزع ضمن القرية نفسها».

وعن المقادير التي يستخدمها "نزار" لصنع البوظة الخاصة به يقول: «لا بد من توفر مادة "السحلب" وهي عبارة عن بودرة مصنوعة من نبات "السحلب" الذي ينمو في الجبال وهو الأساس في نجاح هذه الصناعة، إضافة للحليب البقري أو الصناعي "المجفف أو البودرة"، وأستخدم لكل كيلو غرام من الحليب المجفف حوالي عشرة كيلو غرامات من الماء حتى أذيبه، ويلي ذلك مرحلة إضافة المواد المحلية والمنكهة وهي "السكر" و"الفانيليا" و"ماء الزهر" بمقادير معينة، ومن أجل صنع بوظة "الحليب والشوكولا" أقوم بإضافة مقادير معينة من "السكر" إلى "السحلب" ونصف ملعقة من "الفانيليا" وبعد خلطهم جيداً أضيف مقادير "الحليب" مع التحريك السريع والمستمر لأن السحلب يجمد بسرعة ومن ثم المنكهات الأخرى، وبعدها أضع المزيج الناتج في الآلة وبعد عشرين دقيقة تخرج البوظة وهي مجمّدة بشكلها النهائي، ثم أقوم بنقلها وحفظها في البراد الخاص بالبوظة، وبالطبع لصناعة بوظة الشوكولا لابد من استخدام مادة الكاكاو».

يعتمد "نزار شقرا" في البوظة التي ينتجها على منكهات الفواكه التي يحصل عليها بحسب ما أخبرنا بالقول: «إلى جانب بوظة الحليب والشوكولا هناك البوظة بنكهات الليمون والكيوي والتوت والفريز وغير ذلك من نكهات الفواكه بشكل عام، وحتى أحصل على النكهة الأصلية والطبيعية أقوم بشراء نكهات الفواكه من محافظة "حلب" على الرغم من غلاء ثمنها لكنها صحية».

وعن الصعوبات التي يواجهها "نزار" في هذه الصناعة وخصوصاً أنه يعمل بمفرده يحدثنا بالقول: «أقوم بتعبئة البوظة بعبوات مخصصة لبيع كميات قليلة جداً من البوظة وعدم وجود معمل للبواري أو ما يسمى "البرشان" باللهجة الحلبية هو مشكلة بالنسبة لي، وألجأ أحياناً لشراء بواري من السوق نزولاً عند رغبة الزبائن، بالإضافة إلى أنني أجد صعوبة أحياناً في الحصول على نكهات الفواكه الغالية الثمن لكونها تصلني من "حلب"، فإذا لم تتوفر تلك النكهات بالجودة المطلوبة ينحصر عملي في تحضير بوظة الحليب والشوكولا فقط، وبالتالي جميع مبيعاتي من البوظة لأهل القرية وزوّارها لا تغطي نفقات الإنتاج وخصوصاً الآلة التي أستخدمها في صناعة البوظة المؤلفة من خلاط ومبرّد معاً التي اشتريتها بسعر "250" ألف ليرة سورية وأحتاج لسنة أخرى حتى أفي ثمنها بالكامل».

العاملة البيطرية "وفيقة عون" التي تعمل بالوحدة الإرشادية لقرية "الدالية" اعتادت بشكل شبه يومي على شراء البوظة الصحية من عند "شقرا" تقول: «نشكر دائماً بالبوظة التي ينتجها "زياد شقرا" لأنها فعلاً طبيعية ونظيفة وجميع أهل القرية لا يشترون إلا من عنده، وعلى الرغم من أنه ينتج بوظة طبيعية خالية من الملونات إلا أنه يبيع كيلو البوظة بسعر أقل من سعر السوق وبالتالي نعمل بالتعاون مع أهل القرية للترويج لبوظته لكل من لا يعرف بوظة "زياد شقرا"».

ومن أهالي قرية "الدالية" أخبرنا "أكثم ديب" بالقول: «نحن أهل القرية اعتدنا على بوظة "شقرا" ولا نتذوقها إلا من عنده، ولكن راجت ظاهرة جديدة وجميلة تخص "نزار شقرا"، حيث اعتاد سائقو السرافيس العاملة على خط القرية أن يتوقفوا ويشتروا من بوظة "شقرا" ليتعدى الأمر إلى ركاب السرافيس ليشتري كل بدوره من بوظته الصحية».