«إن "آدم الثاني" هو "السيد المسيح" الذي أصلح العالم، فغدا "جنة عدن" بها عاش الإنسان، والحيوان معاً بسلام للقرن الخامس ميلادي في منطقة حماة». انتهى النص الحرفي الموجود بجانب لوحة "فسيفسائية" أطلق عليها اسم "آدم الثاني" وهي الموجودة في "متحف حماة الوطني".
موقع eSyria التقى المهندس "جمال رمضان" رئيس دائرة "آثار حماة"، الذي تحدث عن غنى محافظة "حماة" من الناحية الأثرية الناجمة عن تعدد وتلاقح الحضارات التي مرت على هذه الأرض، فقال: «تعود حماة في حضاراتها إلى عصور مختلفة، كما وتتميز بالكثير من المعالم السياحية، والأوابد الأثرية، واللوحات الفسيفسائية البديعة، ونادرة الوجود».
تعود حماة في حضاراتها إلى عصور مختلفة، كما وتتميز بالكثير من المعالم السياحية، والأوابد الأثرية، واللوحات الفسيفسائية البديعة، ونادرة الوجود
ولأننا أردنا تسليط الضوء على هذه اللوحات، وتقديم شرح مفصل لكل منها، وقع اختيارنا على "لوحة فسيفسائية" تعرف باسم "آدم الثاني" لما لها من أهمية فنية، وثقافية وتاريخية، وهذا ما دعانا لسؤال الأستاذ "ركّان سليمان" أمين "متحف حماة" والذي أفادنا بالشرح، فقال: «كما نلاحظ، توجد هذه "اللوحة الفسيفسائية" على جدار في إحدى قاعات العرض في المتحف، وهي جميلة جدا،ً ونادرة، ويصل ارتفاعها حوالي المترين و عرضها بحدود المتر ونصف المتر، وكما يلاحظ عليها أنها مشغولة بأيد فنية ماهرة من القطع الفسيفسائية المستخرجة من الرخام من القطع الصغير، والذي يصل طول وعرض القطعة منهاواحد سنتيمترللقطعة الواحدة».
وتابع بشرحه مفصلاً، فقال: «تمثل هذه اللوحة "السيد المسيح" عليه السلام، وهو جالس في كرسيه الواضح في الصورة، وقد كتب اسم "آدم" باللغة "السريانية" على يمين الرأس وبشكل عمودي، كما ويتوسط الرأس أيضا نفس الكلمة ولكن باللغة اليونانية، ولكن بشكل أفقي، والمقصود هنا أن "السيد المسيح" كان يسمى "آدم الثاني", هذا ما تبينه الكتابة المعلقة بجانب اللوحة باللغتين العربية، والانكليزية».
وعن تاريخ ومضمون اللوحة يضيف "سليمان" قائلاً: «تعتبر هذه اللوحة من اللوحات الفنية الهامة والمميزة، ويعود تاريخها إلى "القرن الخامس الميلادي"، وهي تمثل "السيد المسيح" وهو يشير بيده اليمنى رافعاً إصبعيه متلاصقتين بـ"الوعظ"، و"التبريك"».
ويتابع: «تبدو في اللوحة عدة عناصر جمالية: من تجسيد للأعمدة ذوات التيجان المزخرفة، والرسومات، والمنصة المرتفعة عن الأرض تحت القدمين للصعود إلى الكرسي، كما يُظهِر تكوين اللوحة كيفية استخدام "أحجار الفسيفساء" في توضيح الأبعاد و تناغم الألوان في إظهار كافة التفاصيل الدقيقة كالجسد، والوجه، والرداء حيث أن "السيد المسيح" يظهر مرتدياً "زيّاً حبشياً" كما تُظهر اللوحة الجدار الخلفي، والحركات التعبيرية الخاصة بالموقف ذاته».
لكن الأمر لم ينته عند هذا الحد، فقد أعلمنا السيد "راكّان سليمان" بوجود لوحة مشابهة لهذه اللوحة، وهنا يقول: «توجد لوحة تشبه لوحة "آدم الثاني" وهي موجودة في "متحف أفاميا" ولكن مع اختلاف التفاصيل، فهي تمثل "آدم الثاني" جالساً على الكرسي، وهو يحمل في يده اليسرى كتاباً».
وعن أهمية اللوحة من الناحية السياحية التقينا المهندس "مرهف أرحيم" مدير "سياحة حماة" فأجاب: «لهذه اللوحة أهمية بالغة كما لغيرها، فقد اهتم أجدادنا القدماء بالفسيفساء، وهذا ما نلحظه من تعدد اللوحات وتنوع أماكن تواجدها، والتي تُكتشف بين الحين والآخر، وأحياناً في مواقع بعيدة ونائية مما يعني أن كل شبر من أرضنا يمكن أن يحوي أثراً ما، وإن لم يكتشف الآن فسيتم ذلك مستقبلاً، وقد نقل لنا أجدادنا من خلالها كنوزاً كثيرة غنية بالفن والإبداع، والمعلومات القيمة، إذ أن هذه اللوحة تمثل رمزاً دينياً، وحضارياً لكل من يدين بالديانة المسيحية في العالم أجمع، ولكل من يهتم بفن الفسيفساء و يريد التعمق في تفاصيل ومكنونات هذا الفن الذي خلد لنا هذه اللوحات والصور الرائعة، والتي لا مثيل لها في العالم».
في النهاية نجد أن الحضارات القديمة نقلت لنا عبر الآثار المكتشفة سابقاً والتي سيتم اكتشافها مستقبلاً صوراً عن التقدم الذي شهدته تلك الحضارات، وتميزت به في كافة المجالات، وذلك من خلال هذه المكتشفات و تحليلات علماء الآثار عبر دراساتهم للكتابات و"اللقى الأثرية" و"اللوحات الفسيفسائية" التي كانت تزيّن بها أرضيات وجدران الكنائس والمعابد وغيرها.
