مازالت الفنون التشكيلية في عالمنا العربي تتعمق في التاريخ لتحفر لنا حضارة فنية وثقافية ذات مدىً تاريخي هام، وللولوج إلى ذلك العالم الفني والتشكيلي لا بد من وجود نقاد تشكيليين يهتمون بهذا العالم، ويغنون تجربة الفن بآرائهم الأكاديمية.
موقع eSyria التقى الناقد التشكيلي السوري الدكتور "عبد العزيز علون" الذي قرأ لنا وأفادنا بالكثير من غزير انتاجه من الكتب والمقالات النقدية الفنية باللغات العربية والإنكليزية واللاتينية، وكان الحوار التالي:
*هل النقد التشكيلي في سورية يوازي من حيث الفعالية، الإبداع الفني فيها؟
** ليس هناك نقد فني ولكن لدينا نقاد فنيون، وهم قلة وكل منهم يجتهد على طريقته وحسب ثقافته وتفاعله مع الحركة الفنية من خلال معايشته للفنانين ولتطور الأحداث الفنية فيها.
لاشك أن الحركة الفنية بدأت من القرن التاسع عشر بترابط كامل ما بين الفنان المنتج المصور أو النحات وبين الكاتب أو الشاعر وهناك تجارب في بداية القرن العشرين بهذا الخصوص فمثلاً "عمر أبو ريشة" الشاعر الكبير واكب بعض الفنانين عام 1948، فكتب قصيدة خاصة من أجل ذلك المعرض، و"سامي كيالي" الأديب الكبير أيضاً قدم لمعرض في عام 1948، كذلك "أورخان ميسر" الكاتب السوريالي والفيلسوف الذي كتب عن الفنانين في ذلك الوقت. كان هناك جلسات مستمرة تعقد كل يوم في بيوت الفنانين والمقاهي وتدور الحوارات الفنية في هذا الموضوع، فالتفاعل عملياً كان يبدأ ولا ينتهي بين الفنان والمفكر. وهنا أريد أن أنوه أن معظم المفكرين الفنيين بدؤوا يعملون بالتصوير والشعر. حيث كانت الصحافة المحلية ضيقة ولاتتسع للأبحاث والدراسات بل كنا ندفع للصحف لنشر مقالة فنية عن معرض أو فنان ما، ومع ذلك استطعنا في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات وبهذه الأوضاع التعيسة إصدار عدد من الصفحات الكاملة عن الفنانين. كان الناقد يتكلف أكثر من الفنان الذي يصور أو يبيع أما الناقد فكان يدفع ليكتب، وهنا نصل لنتيجة أن الفنان هو إنسان منتج وعلاقته مع ما صورة الألوان وقطعة القماش لكن الناقد هو الرجل الذي يستطيع أن يمثل الأرضية للفنان، أي أن الفنانين السوريين معظمهم في فترة الستينيات تخرجوا من أوروبا لم يحتكوا بالحركات الفنية احتكاكاً مباشراً، بل كانوا يعيشون في الأكاديميات، والأكاديميات طابعها علمي وثقافي وتكون محافظة لا تتابع الحركات الحديثة. تعرضت الحياة التشكيلية في الخارج في فترة القرن العشرين لانقلاب كامل، الانقلاب كان قائماً على فكرة أن الفلسفة القديمة التي يبنى عليها الفن والتي تقول أن المجتمع هو الأساس وأن هذا المجتمع يركب عليه هذا الفن الذي يخدمه انقلبت كلياً فأصبح الفن ديانة جديدة وفلسفة كاملة جديدة ينادي بقيم جديدة كل الجدة. وعملياً هؤلاء السوريون الذين أتوا من تلك الأكاديميات لم يستفيدوا من هذه التجربة لأنهم درسوا في الأكاديميات وأتوا إلى سورية بسرعة كبيرة، في حين إن المثقفين السوريين الذين ذهبوا إلى أوروبا أو كانوا مقيمين فيها وتابعوا الحركات الثقافية الفنية عادوا إلى سورية قبل الفنانين التشكيليين ومهدوا الأرض وخلقوا هذه الأجواء التي استقبلت الفنانين وتفاعلت معهم وأبرزت أعمالهم بدراسات وأبحاث دعمت فنهم، لذلك أقول أننا يجب أن نعيد النظر في هذه الحركة التشكيلية، حيث هناك تكامل بين النقد التشكيلي في سورية يوازي من حيث الفعالية الإبداع الفني فيها.
** أنا أعتمد على الثقافة الأكاديمية التي بدأت بها فاطلعت فيها على تاريخ الفن العام ودرست تاريخ الفن دراسة منهجية وأكاديمية، ثم ركزت دراساتي على منطقة سورية التاريخية من ظهور الإنسان في سورية وحتى الوقت الحاضر، فتابعت وشاركت في الحفريات الأثرية التي أخرجت ذخائر وأعمال الماضي العظيمة وركزت عليها وحاولت التعرف على وجه سورية الحضاري والثقافي في التاريخ، هذا بالإضافة إلى أنني قارئ للحركة الفنية في سورية بمعنى أنني متابع لكل ما يحدث، فأتابع التجارب بحثاً للتعرف على بداياتها وعن آفاق مستقبلها.
لا أتوقف عن الكتابة باللغات العربية والأجنبية، لذلك اختلف قليلاً عن زملائي الذين هم أكثر التصاقاً بالحركة الفنية في سورية، فرؤيتي كمراقب أكثر مما تكون معايشة للمراحل اليومية لهذه الحركة. أنا أتابع الحركة الفنية من خلال الالتصاق الدائم بنشاطها العام وليس الخاص وبالتالي هذا الإطار الكبير الذي أدخل منه مختلف عن النشاط اليومي في سورية، فمعايشتي لهذه الحركة هي من خلال الثقافة، وأنا أستاذ محاضر في تاريخ الفن وعلم المصطلح الفني في جامعة "دمشق" منذ عام 1960 ومحاضر دائم في الجامعات العربية المجاورة.
** ليس هناك شيء اسمه حركة فنية بدون كتاب ونقاد فهذا الموضوع متلازم، ولو كنت مراقباً فإنني بنفس الوقت فعال في هذه الحركة، بمعنى أنه لا يجوز أن تستمر الحركة الفنية بهذه الطريقة التي هي عليها في سورية، فاللوحة التي يجب أن تصنع من قبل الفنانين يجب أن تصنع من أجل مرحلة معينة وتاريخ محدد بل يجب أن تصنع لأنها تكمل أعمالا فنية سابقة ولأنها دخلت في إطار النشاط الإبداعي في سورية والعالم، وغير ذلك من الأعمال لا تصنف ضمن الحركة الفنية المعروفة.
** مع بداية القرن الحادي والعشرين نهضت الحركة الفنية في سورية وتجلت بافتتاح عدد كبير من قاعات العرض، وتميزت بوجود سوق فنية للأعمال الفنية رفعت أسعار هذه الأعمال أضعاف ما كانت عليه وأصبحت أعداد الفنانين المنتمين إلى اتحاد الفنانين التشكيليين بالآلاف، وهذا في الحقيقة ليس الصورة الصحيحة للحركة الفنية، الصورة الصحيحة للحركة الفنية أن تأخذ شكلاً أهم من هذا الكلام، فلا وجود لمتحف فني تشكيلي متخصص لدينا في سورية، نحن بحاجة ماسة إلى أشياء كثيرة لكي نسمي حركتنا الفنية بهذا الاسم، فلا يجوز أن تستمر الحياة بهذه الطريقة ولا توجد بنفس الوقت عشرة أو عشرون متحفاً فنياً على مستوى دولي وعالمي في سورية لأن أعداد الفنانين المنتجين بهذا المجال أصبح يسمح لهذا الكلام بالتطبيق، حركة فنية بدون متاحف فنية هذا كلام خطير ويدخل الحرة الفنية في حالة عرج، يجب أن نصل إلى درجة نسمح للمواطن أن يقتني اللوحات الفنية بأسعار مناسبة وضمن كتب أو كتيبات "مجلات تسعير" تتضمن أسعار جميع اللوحات الفنية للفنانين السوريين، هناك تضخم في أسعار اللوحات وهذا ما يؤدي إلى هروب المتذوق من اقتنائها، فالحركة الفنية السورية عمياء بمعنى أنها لم تحفظ ذكريات لونية وصوراً عن مسيرة الفنانين السوريين، يجب أن نرتقي إلى مراحل أفضل وأرقى في هذا الواقع التشكيلي الحالي.
** أنا لا أعتبر أن هذا الكلام هو مقولة بل حقيقة تاريخية معروفة، فعندما ظهر الإنسان الحديث في التاريخ نشأت معه ظواهر وبدايات ما نسميه الفكر الديني والإبداع الفني، فلدينا تجارب فنية في عصر ما قبل مائة ألف قبل الميلاد لكن هذه التجارب تعود إلى مراحل تطور الإنسان السابق يعني الإنسان "النياندرثال" من طرف، والإنسان الجوال من طرف آخر، والإنسان الذي دخل إلى سورية في المليون سنة قبل الميلاد من طرف آخر، فسورية عاشت فترة زخم حضاري عظيم في أواخر العصر النيوليثي الذي هو عصر الحجر الحديث.
في هذه الفترة قفزت أوروبا في بدايتها قفزات حضارية عالية جداً فأنشأت في منتصفها ما نسميه المدرسة المجدلانية بالفن، أما في سورية فالزخم الحضاري جاء في نهايتها فأعطانا أعمالاً فنية رائعة في منطقة الفرات الغربي التي مازالت الكشوف الأثرية في كل عام تكتشف أعمالا جديدة فيها، لذلك بدأ الدين والفن تاريخياً بعصر واحد هو عصر ظهور الإنسان الحديث.
** إن الوطن العربي بشكل عام بحاجة إلى أن يعيد النظر بشيئين الأول أن يعاد البحث والتصحيح في الثقافة الاجتماعية وتاريخ فنها، بمعنى الفن العربي وملامح الزخرفة وملامح التكوينات العربية والإسلامية تقريبها من عيون الناس، فمازالت الرؤية بعيدة كل البعد، يجب أن يقوم الإعلام العربي بدور مهم في تأطير الثقافة العربي ورسمها وتقريبها للجمهور في الوطن العربي، والشيء الثاني أن ندخل هذا الموضوع بكل سبل الإعلام والتعليم والثقافة، فمازالت مناهجنا بحاجة إلى تعديل، ففي سورية وقع تطور مهم عام 1924 حيث قامت فرنسا بإدخال مناهج التربية الفنية في المدارس السورية لأول مرة، فبعض الدول في عام 2009 لم يدخل إليها هذا المنهاج، ففي عام 1924 كان المنهاج طموحاً كثيراً في أن يتعرف الطفل السوري على الحضارة الأوربية والثورة الفرنسية والفنانين الفرنسيين المعروفين وبنفس الوقت عرفهم على الحضارة الأوروبية وعصر النهضة، فنحن قد لا نكون بحاجة لعصر النهضة بقدر ما نكون بحاجة إلى التعرف على المنشآت الفنية الموجودة في بلدنا، نحن نملك معالم أثرية فيها أعمال فنية كبيرة ومعروفة يجب التعرف عليها والتعمق في دراستها. كما يجب عقد مؤتمرات الفنانين العرب التابع لاتحاد الفنانين التشكيلين العرب أن تخصص جلسات لموضوع توحيد الرؤية الثقافية في التاريخ من الناحية الحضارية، وأن تنقل تجربة سورية في هذا المجال إلى بعض البلدان العربية الأخرى وتستفيد سورية من تجارب بعض البلدان المتقدمة في هذا الموضوع. فالثقافة الفنية في سورية ضعيفة وفقيرة وما يزال الفنان في سورية يفتقد للثقافة الفنية الصحيحة ومازالت عين الجمهور غير مشبعة من ناحية الأعمال الفنية الصحيحة. أهم شيء في الإعلام السوري يفترض أن تكون الصورة الفنية الصحيحة والسليمة.
** النقد بالنسبة لي هو حياتي، فأنا لم أختر أن أكون ناقداً وإنما وجدت نفسي داخلاً في موضوع النقد الفني والتعلق بالأعمال الفنية وتقييمها والبحث عن الأطر التي توضع فيها، حيث بدأت مبكراً جداً في هذا الموضوع، وبدأت من خلال اللغات الأجنبية بالاطلاع على تاريخ الفن والثقافة الحضارية الفنية، النقد يعني لي البحث الدائم في الفنون الحضارية واكتساب خبرات ومعلومات جديدة من خلال قراءة الوثائق والمراجع الأجنبية والعربية الأثرية منها والحضارية. إنها مهمة شاقة لكني استمتع بالولوج إلى ذلك العالم الحضاري الكبير الذي له علاقة بحضارتنا ووجودنا، كما أقف عند الأعمال السورية الجديدة بمنطق المتلقي الذي يعكس على قلبه وحسه صورة الأعمال الجديدة والنظر إلى مستقبلها والقيم التي يبشر بها الفنانون الجدد والشباب.
