يبدأ السيد "رياض" تنزيل رزم الصحف من سيارة التوزيع منذ الساعات الأولى من الصباح، حيث تراه يقوم بترتيب تلك الصحف والمجلات حسب نوعها وأهميتها في حين تكون الشمس قد بدأت ترسل أشعتها على "بسطة بيع الصحف" للسيد "رياض حسين القاسم" الكائنة في إحدى الزوايا الأكثر ازدحاماً من منطقة "البرامكة" قرب كراج "الكسوة" منذ أربعين عاماً.
بداية الحديث معه كانت عن سبب اختياره لهذه المهنة: «أعمل في هذه المهنة منذ خمسة عشرعاماً، وسبب اختياري لذلك لما لها من أهمية اجتماعية وثقافية، فإن هذه المهنة بالنسبة لي متعلقة بشيء داخلي يربطني بالورق وبعالم الأخبار والصحافة. إنني أتصفح كل الجرائد وأتعمق في أهم الأخبار السياسية والاجتماعية ومن ثم أبدأ ببيع هذه الصحف والمجلات التي تترك بصمتها محبّرة على أصابعي».
بيع الصحف على البسطات من الأعمال الجميلة على أرصفة "دمشق". إنني أتردد كل يوم إلى هنا وهو بدوره يزودني بالجديد في عالم المرأة من مجلات وصحف عربية وأجنبية
عن إيجابيات وسلبيات هذه المهنة يقول "رياض": «لكل مهنة سلبيات وإيجابيات، أما مهنة بيع الصحف بالنسبة لي لها الكثير من الإيجابيات، فهي مهنة شريفة وراقية، وأنا اعتبرها من أرقى المهن المتواجدة على "بسطات" "دمشق"، وذلك واضح من خلال اختلاطي مع أناس لهم باع كبير في الثقافة وفي الحياة السياسية والاجتماعية، إنني استمتع ببيع الصحف وخاصة عندما أرى أن الناس يقدّرون هذه المهنة ويحترمونها. وسلبياتها أننا "نبسّط" في الهواء الطلق حيث نتعرض للمطر والهواء البارد إضافة إلى الشمس في فصل الصيف، لكن كل ذلك يذهب مع كلمة جميلة نسمعها من المستهلك أو من الأصدقاء الصحفيين الذين باتوا زواراً يوميين لبسطتنا».
منطقة "البرامكة" هي من المراكز المهمة لمدينة "دمشق"، حيث يمر بها المئات من الصحفيين والمثقفين والكُتّاب فيلقون التحية على "رياض" وهم يشترون إحدى الأعداد من الصحف.
عن أكثر الصحف شراءً يحدثنا "رياض": «صحيفة "تشرين" تحتل المركز الأول من خلال المبيعات، ومن ثم تليها "الثورة". أما عربياً فلصحيفة "السفير" قراء مميزين من الطبقة المثقفة، ومن ثم تأتي "الأخبار" و"الديار". أما المجلات فهي تأتي حسب المواضيع أو اللقاءات الموجودة فيها و"العربي" هي الأكثر مبيعاً ومن ثم تأتي "زهرة الخليج" والمجلات السورية الجديدة في سوق الإعلام، ولكلٍ منها متابعون وقراء».
عن طبيعة سير عمل "رياض" يقول: «إنني أتناوب مع إخوتي من خلال ثلاثة ورديات في الوقوف على البسطة وبيع الصحف، نبدأ في الخامسة صباحاً ونرحل إلى منازلنا في العاشرة ليلاً. نحاول أن نستمتع بوقتنا رغم التعب في كثير من الأحيان.
إننا نصادف الكثير من المواقف الغريبة في العمل أو ربما المضحكة، ومن هذه المواقف الطريفة التي حصلت قال: الكثير منهم يأتي ويسأل عن جريدة "دليل" المجانية ليشتريها، وهذا نابع من عدم وعي المواطن في معرفة الجرائد الرسمية التي تتوفر في الأسواق وبين الجرائد الإعلانية المجانية التي توزع على المؤسسات والمواطنين من خلال اشتراكات سابقة وليس عن طريق المؤسسة العامة للتوزيع. كما هناك الكثير من المواقف التي تدل على عدم معرفة بعض الأشخاص بطبيعة عملنا أو بطبيعة المادة التي نبيعها».
بالقرب من بائع الصحف التقينا السيد "وائل أحمد أيوب" الذي كان يسأل عن مجلة قديمة. ولدى سؤالنا عن نظرته لمهنة بيع الصحف قال: «إنني عندما أتأخر عن إحدى الأعداد من الصحف والمجلات ألتجئ على الفور إلى السيد "رياض" الذي يحاول بكل جهد أن يؤمن لي العدد وأحياناً من خلال مكالمة هاتفية، لذلك أنا أؤمن أن هذه المهنة من المهن التي يجب أن نحترمها كل الاحترام فهم حراس وموزعين للكلمات والحروف التي نصنع منها فكراً ما، و"رياض" بالذات له طباع جيدة وهو يحتفظ في قلبه الكثير من القصص التي تجعلك ترتبط معه بصلة جميلة».
أما السيدة "بتول خماش" التي كانت تطلب من "رياض" صحيفة "الثورة" الرسمية فتقول: «بيع الصحف على البسطات من الأعمال الجميلة على أرصفة "دمشق". إنني أتردد كل يوم إلى هنا وهو بدوره يزودني بالجديد في عالم المرأة من مجلات وصحف عربية وأجنبية».
