ولد "عبد الرزاق الطويل" "أبو علي" سنة الاستقلال 1946م في "حي القيمرية" أحد أعرق أحياء "دمشق القديمة"، نشأ في هذا الحي وقضى فيه سنوات الطفولة والشباب، قبل أن يصبح "مختار القيمرية" في التاسعة والخمسين من عمره، بكل ما يحمل هذا المنصب من معنى ومسؤولية في حي عتيق يغدو فيه المختار عنواناً للوجاهة، ومرجعاً يُعتدّ به في استعادة ملامح الزمن الجميل لحيٍّ تبدلت ملامحه كثيراً اليوم، وأصبح قبلةً للسياح، وعشّاق المدينة العتيقة.
موقع eSyria زار "أبو علي" بتاريخ 3/12/2009 في مقره الكائن عند قوس "باب جيرون" حيث يجتمع الأصدقاء من أهل "القيمرية" كل مساء على باب المختار، ليلعبوا النرد، ويتبادلوا ما طاب لهم من أحاديث، في جلسةٍ حميمة لا تخلو من روح الطرفة التي يمتاز بها أهل "دمشق"، وكأن الزمن لم يمض في أحضان هذه السيدة الدهرية، التي تدلل كهولها وتمنحهم ذلك الإحساس بالدفء والاطمئنان، وكأنهم لم يبرحوا عتبات الطفولة بعد.
من أبناء الحي، ويحظى بالمحبة والاحترام من قبل معظم السكّان
"عبد الرزاق الطويل" أصبح مختاراً للحي بعد "وهيب سفّور" الذي تولى "المخترة" على مدى سبعةٍ وثلاثين عاماً، إلا أن حديثنا معه لم يقف فقط عند تاريخ استلامه لهذا المنصب في العام 2005، بل تناولنا جانباً من حياته الشخصية قبل أن يصبح "المختار أبو علي"، وعن ذلك قال: «تطوّعت في الجيش العربي السوري سنة 1968، وتقاعدت برتبة "عقيد" في العام 1998، ولدي أربع بنات وولد، وكلّهم أكملوا دراستهم الجامعية باستثناء ابنتي الصغرى التي ما تزال في المرحلة الثانوية، ابنتي الكبرى مهندسة مدنيّة وتعشق رسمَ الحارات الدمشقية، وابنتي الثانية حصلت على شهادة الإجازة في الرياضيات، والثالثة تدرس في كليّة الطب، أما ابني الوحيد فتخرّج من أحد المعاهد المتوسطة».
حديث "أبو علي" عن التأهيل العلمي لأولاده كان مدخلاً لتناول أهم مواصفات مختار القرن الحادي والعشرين، فهو من وجهة نظره: «يجب أن يكون متعلماً، وليس ذلك فقط بل يفترض أن يكون حاصلاً على شهادةٍ جامعية لكي يتمكن من خدمة أبناء حيّه، بما يتماشى مع متطلبات الحياة المعاصرة».
إلا أن هذا لا يـُغـفـِل أهميــّة المواصفات التقليدية للمختار وهي أن يكون: «من أبناء الحي، ويحظى بالمحبة والاحترام من قبل معظم السكّان».
ومنذ استلامه لمنصب المختار لعب "عبد الرزاق الطويل" دوراً مهماً في حياة الحي، فإلى جانب دور المختار التقليدي كحكمٍ في النزاعات التي يمكن أن تحدث بين السكّان، وشاهدٍ على وقائع الأحوال المدنية كالزواج، والولادة، والوفاة، استطاع "أبو علي" أن يحمل هموم أبناء حيّه إلى الجهات المختصّة، وبذل جهوداً كبيرة في مواجهة أكبر التحدّيات التي تواجه سكّان "حي القيمرية" اليوم، ولاسيما مشكلة الصرف الصحي حيث يفوق عدد المطاعم والمقاهي التي زاد عددها على الثلاثة والأربعين طاقة البنية التحتية للحي، وتحدّث لنا عن بعض هموم أهل "القيمرية" وشجونهم قائلاً: «إن ازدياد عدد المطاعم والمقاهي في الحّي، وكثرة زوّاره على مدار اليوم يعود بالفوائد الاقتصادية على السكان، لكنه في الوقت ذاته أفسد المزاج الهادئ الذي اعتادت عليه عائلات "القيمرية" العريقة، والتي أصبح وجودها نادراً في الحي الذي كانت تغلق محالـّه التجّارية عند صلاة المغرب، أمّا اليوم فلا يعرف النوم من كثرة الضجيج، فضلاً عن حجم التلوث البيئي الذي ازداد بفعل مشكلة الصرف الصحي، وعدم قدرة التمديدات الصحية الموجودة على تحمل الضغط الناتج عن ازدياد عدد السكان من جهة، واكتظاظ المطاعم والمقاهي بالزوار من جهة أخرى، ورغم أن هذه المشكلة الخطيرة بيئية بالدرجة الأولى، إلا أن خطورتها لا تقف عند هذا الحد، فالمياه الآسنة وصلت إلى جدران البيوت الأثرية في الحّي، وهذا من شأنه تهديد نسيجه العمراني، إلا أن البلدية و"محافظة دمشق" بدأتا في الآونة الأخيرة بتدارك هذا الوضع والحد من خطورته عبر إرسال عدة ورشات مجهّزة بأحدث التجهيزات لتحسين شبكة الصرف الصحي في "القيمرية"».
إلا أن هموم "حي القيمرية" وشجونه، والتي أصبحت أحد أهم هواجس المختار اليومية لم تشغلنا عن استعادة بعضٍ من ملامح الزمن الجميل، عبر تقليب صفحات ذاكرة "أبو علي" عن هذا الحي العريق، وعن ذلك قال: «لم يطرأ أي تغيير يذكر على الملامح العمرانية لهذا الحي خاصّة أن "محافظة دمشق" تبذل جهوداً حثيثةً في المحافظة على خصوصيته الجمالية والعمرانية، إلا أن ملامح النشاط الاقتصادي في الحي اختفت تدريجياً، ففيما مضى كان "حي القيمرية" يعجّ بالنوّالين والنجارين والحدادين، كما كانت تكثر ورشات الصياغة بحكم قرب الحّي من "سوق الصاغة"، بالإضافة إلى ورشات "النجارة العربية"، أما اليوم فلا يوجد في "القيمرية" كلها إلا نجار عربي وحيد، يدعى "أبو عيد العظام"، وتقع ورشته في "خان الخطيب" أحد خانات الحي الأثرية، وسابقاً كان هناك العديد من الورشات لآل "الرباط" و"الحوراني"، أما اليوم فتكثر في الحّي المطاعم ومحلات الخدمة العامة من مقاهي الانترنت، إلى متاجر لبيع الجوالات والأطعمة الخفيفة والمشروبات».
ذاكرة المختار "عبد الرزاق الطويل" عن "حي القيمرية" لا تتوقف فقط عند ألوان النشاط الاقتصادي التي كانت سائدة في الحي، بل تحفل بالمفردات البصرية كالأزقّة والأقواس والحجارة الأثرية، وليس ذلك فحسب بل برائحة الخبر من أفران التنور الذي كان يتّخذ من القنــّبِ وقوداً له، وبأصوات نقر حوافر الخيول على أرضيات الأزقة المرصوفة بحصى نهر "بردى"، وأمسيات الحكواتي الذي كان يقسّم وقته بين "مقهى النوفرة"، "وقهوة خبّيني" في آخر "سوق القباقبية"، ولعلّ آخر الذكريات المحسوسة عن ذلك الزمن هي التذكارات الحربية من خناجر وسيوف ومسدسات أثرية توزّعت على جدران مقّر "المخترة" إلى جانب صور "عبد الرحمن الشهبندر، وسلطان باشا الأطرش"، وجدّه أحد مجاهدي الثورة السورية الكبرى.
