يعدّ الفن الفطري من أساسيات الوجود الجمالي والفني منذ بدء التاريخ وحتى يومنا المعاصر، وفي القدم أحيط فنانوه باهتمام واسع لأنه جوهر نقي توحي به البصيرة ليكون إبداعاً خالداً فيما بعد... ومنه انطلق الفن بتعدد أشكاله وصوره...

وجاء التطور على حساب الفنان الفطري الذي انكفأ بفنه بعيداً عن الاهتمام، فما رأي المعاصرين منهم بهذه المسألة، وأعمالهم ماذا تعني بالنسبة لهم... وكيف ينظرون إلى العمل الفطري اليوم، علماً أن "السويداء" تعدّ مهداً لهذا النوع من الفنون؟

هناك ما يزيد على أربعين نحاتاً في "السويداء" معظمهم فطريون، ورغم ضيق العيش وضعف الاهتمام بهم يعملون بجد ويتمتعون بفلسفة رائعة في قراءة العمل النحتي، ويحملون أفكاراً مبدعة في تطويره كمذهب فني يمثل وجهة حضارية مثلى، ولو أنهم حظوا بالرعاية والاهتمام فكيف سيكون إبداعهم؟

موقع eSuweda حمل هذه التساؤلات... والتقى عدداً من النحاتين الفطريين في "السويداء" والبداية مع النحات "معروف شقير" الذي يعدّ من مؤسسي النحت الفطري في المحافظة، وهو المولود في "القريا" عام 1957 والمتفرغ للنحت منذ العام 1983 حيث قال: «عملي النحتي شخصيتي وعفويتي وفطريتي أقدمه للمتأمل كما حورته يدي، وليسميه محللوا الفن كيفما شاؤوا تجريداً.. تعبيراً... المهم أن تصل رسالتي البصرية في أبعادها إلى الآخرين، والأهم أن أعمالي لا تحتاج إلى شيفرة تحليل أو مترجم بصري كي يقرأها، فهي تتسم بالبساطة ووضوح الموضوع الذي أختاره علماً أنني أحترم كل مذاهب الفن التشكيلي وفنانيه الأكاديميين وغيرهم».

عناق من أعمال النحات جدعان قرضاب

وحول رؤيته للعمل الفطري اليوم، أضاف: «النحت الفطري في راهننا المعاصر يحتاج إلى مواطنة حقيقية من كل عين تتذوق الجمال، والأجدر بنا كاتحاد للفنانين التشكيلين أن نعمل على رعاية النحات وتحديداً المغمور، وتفريغه كلياً لعمله النحتي ليقتبس منه ويبدع ما يشاء، لأن النحات صاحب رسالة إنسانية، فلماذا لا يكون بمنجزه الجمالي ترجمان المجتمع في الحاضر وللمستقبل؟ لماذا لا نهيئ له مناخاً مثالياً يحرضه على تحرير نفسه وإبانة فكره وتصوره بالطريقة التي يحب، فيبذل أقصى طاقته ليبدع عملاً فيناً يكون منارة لأجيال وأجيال؟ وأذكر في هذا السياق رأياً لأحد الإعلاميين بي، فقال: "من طحين الحجر يصنع النحات "معروف شقير" خبزه"، وهذا يبين معاناة النحات في منطقتنا».

ورأى "شقير" أننا في راهننا التشكيلي ما زلنا غير مدركين لأهمية الفن، موضحاً: «نفتقر اليوم في واقعنا التشكيلي إلى القراءة النموذجية التحليلية الصحيحة والبناءة للعمل الفني بكل تجلياته البصرية، ولا سيما النحت الفطري الذي يعدّ عَصباً للرقي الإنساني في الحضارة، ومتى فقدت شعورية الجمال والدهشة منه ستضمحل جوانبه الإيجابية، وهذا سينعكس سلباً على صاحبه، والمفروض أن يكون واقعنا الثقافي المعرفي على خلاف ذلك محتضناً لهذا النوع من النحت بالشكل الأمثل، وليس الانصراف فقط إلى الحداثة».

ذكرى للراحل مفيد بدوي

أما النحات "جدعان قرضاب" الذي يعدّ من النحاتين الفطريين المميزين في "السويداء"، وهو المولود في بلدة "شعف" عام 1945 والمتخرج من كلية الحقوق جامعة "دمشق" عام 1977 والمتفرغ للعمل النحتي منذ العام 1982فقال:«خصوصيتي في الإبداع الفطري مسألة متعلقة بالذات الجمالية، وتجربتي في تشكيل الملامح الأولى لكتلة "البازلت" واحترام ميزاتها كخامة نحتية أعمل على منحها ثقافتي وإحساسي بتأثيرها الجمالي في المكان وعلى العين الرائية لها، فكانت أعمالي امتداداً للفن الجميل في الحضارات القديمة مثل الفن "الأوغاريتي، والآشوري، والسومري، وديانات الطوطمة في الشعوب القديمة" مرجعيتها جلاء الفطرة النقية في تلك العصور، والحرية التي قوبلت بها حتى تحررت وأبدعت من وعيها الإلهي أعمالاً ندرسها اليوم كوثائق للتاريخ».

وحول رؤيته للفن الفطري، أضاف: «الفن الفطري أساس جوهر البصيرة، والإنسان كائن خلاق بتمتعه بها، فهي من أحدثت بإيحائها الفطري اضطراباً رائعاً في الإيقاع الجيولوجي للبشرية، وأبرزت عنصر الجمال في الطبيعة المحسوسة، فصرنا نرى بفضلها أعمالاً فنية بديعة التكوين في كل ركن من أركان الحضارة، ونراها رموزاً أو أشكالاً واضحة المعنى محفورة أو مرسومة على جدران الكهوف أو على الصخور الكتيمة التي أوقفت علماء الآثار طويلاً في لغز اكتشافها وتحليل أبعادها والعهد الذي شغلت به، اليوم بات المذهب الفطري في طي الغموض وفنانه مغموراً عوضاً أن يكون له الأولوية، ويعنى بإبداعه ويمنح الرعاية التي تؤهله إلى إبراز كل مقدرته وحسّه الفطري في استخلاص العمل النموذجي الأمثل، وبالتالي يشكل مهداً لازدهار الوعي الجمالي والرقي في الحضارة».

حورية من أعمال النحات إسماعيل أبو ترابة

وأشار "قرضاب" إلى أحوال النحاتين الفطريين في "السويداء"، بقوله: «هناك ما يزيد على أربعين نحاتاً في "السويداء" معظمهم فطريون، ورغم ضيق العيش وضعف الاهتمام بهم يعملون بجد ويتمتعون بفلسفة رائعة في قراءة العمل النحتي، ويحملون أفكاراً مبدعة في تطويره كمذهب فني يمثل وجهة حضارية مثلى، ولو أنهم حظوا بالرعاية والاهتمام فكيف سيكون إبداعهم؟».

أما النحات الراحل "مفيد بدوي" الذي يعدّ من أوائل النحاتين الفطريين في المحافظة، وهو المولود في بلدة "ملح" عام 1958 لم يدرس في أكاديمية قط، وترك بعد رحيله ورغم ظروفه مجموعة من الأعمال النحتية وثلاثة معارض أقامها ولم ينل على اجتهاده إلا شهادة تقدير من الثقافي العربي في "السويداء"، قال في حوار سابق لنا: «هكذا بدأت أنظر إلى الحضارات، وأتساءل: كيف بنى الإنسان هذا الفن الجميل، وكيف استطاع أن يصنع من الحجر البازلتي الأصم شكلاً نحتياً بديعاً يلفّ به البناء ويخفي خلف نقشه المرمز شكلاً من أشكال الحياة ووجهاً من أوجه العناء؟ شغفت بالنحت وباتت علاقتي مع الصخور والمتروك الأثري أكثر حميمية وعمقاً ومنها كان عملي النحتي الأول "معلم من الحضارة" عام 1988».

وعن خصوصية أسلوبه الفطري، أضاف: «في عملي النحتي الأول "معلم من الحضارة" استغرقت سنة كاملة حتى أنهيته وعند إنجازه تركت لفكري حرية الاختيار والاقتباس وليدي حرية التعبير، والشيء الذي أمتعني بعد إنهائه أنه جمع إلى بعده

التاريخي البعد الإنساني والنظرة الكونية الواسعة، بحيث أصبحا بعدين انصهرا معاً في شكل جمالي مبسط لاقى إعجاباً من الجميع، المميز أنني عملت عليه وعلى كل أعمالي من بعده بمطرقة صغيرة الحجم تزن ثلاثمائة غرام ولا أخفي السعادة التي منحتني إياها طريقتي في العمل التي حملت إرادتي وصبري».

قال الشاعر "سلامي الملحم" حول أبجدية النحات الراحل: «تمتع النحات "مفيد بدوي" بنسيج فطري خاص اتخذه مذهباً في أعماله النحتية التي عمل على اشتغالها بمطرقة تزن ثلاثمائة غرام وتستحضر ببدائيتها ذاكرة الأجيال، وفي أسلوبيته يختزل مذاهب النحت في معالمها المبسطة المذكّرة عبر انبعاثها التاريخي بحوليات الشاعر الجاهلي "زهير بن أبي سلمى" الذي كان يكتب في بعض الأحيان قصيدة واحدة خلال سنة كاملة، وهو الذي لم يدرس الفن بل اكتشفه ابداعاً».

التأثير التفاعلي للفن الفطري

وحول أهمية الفن الفطري تاريخياً، قال النحات والناقد الفني "إسماعيل أبو ترابه" المولود في منطقة "صلخد" عام 1949 والمتخرج من كلية الفنون الجميلة جامعة "دمشق" قسم النحت عام 1973: «لو عدنا إلى تاريخ النحت منذ توالد الحضارات لوجدنا أعمالاً فنية فطرية غاية في الروعة والإعجاز شغلت بأدوات نحتية بسيطة، ونحن عندما درسنا في كلية الفنون منذ تأسيسها الأول في "دمشق" تعرفنا إلى نحت الحجر مستخدمين أدوات بدائية ملخصها المطرقة والإزميل ذات التأثير التفاعلي الوجداني مع الكتلة التي نعمل عليها، وهذا التفاعل جسده النحات الفطري بفنه أولاً ولأنه في غالبية أعماله ثانياً يعتمد على هذه الأدوات محتكماً بإبداعه إلى الإيحاء الفطري المنبعث من بصيرته حتى وإن استغرق العمل فترة طويلة لإنجازه، وفي منطقتنا عموماً نجد الكثير من الفنانين الفطريين المغمورين الذين يحتاجون في كل وقت دعماً ورعاية وتصعيداً لعملهم الفني، وهم من أساسيات بناء الوعي الجمالي، وليس الفن فقط هو المقترن بالدراسة الأكاديمية».