على الضفة اليسرى لنهر "الفرات"، وعلى مسافة /62/ كم، عن مركز محافظة "الرقة"، تقع قرية "مطب البو راشد"، والتي تعتبر الحد الإداري الفاصل بين محافظة "الرقة" ومحافظة "دير الزور"، وهي كباقي القرى الكبيرة في محافظة "الرقة"، عرفت التعليم في وقت مبكرٍ نسبياً، قياساً لغيرها من القرى، حيث كانت البداية مع "الكتاتيب"، الذين لعبوا دوراً مهماً في نشر التعليم قبل انتشار التعليم الرسمي.

للحديث عن هذا الموضوع، وعن البدايات الأولى للتعليم في هذه القرية، التقى موقع eRaqqa وبتاريخ (29/12/2009)، المحامي الأستاذ "محمد إسماعيل الجاسم"، وهو أحد سكان القرية، والذي أعد دراسة خاصة للموقع عن واقع التعليم في "مطب البو راشد"، حيث قال: «بعد أن اكتملت عملية نشوء القرية عن طريق تجمع الأفراد الذين تربطهم أواصر وصلات القربى في حيِّز جغرافي واحد, ولجوئهم إلى البناء الثابت للمساكن وذلك في عام /1952/م, ودخول المحركات الآلية التي تحرك المضخات التي ترفع المياه من نهر "الفرات" كإحدى وسائل الإنتاج الزراعي, والتي ساهمت في اتساع المساحات المزروعة, مما أدى إلى ارتفاع مستوى الدخل ووفرة النقود عند أهل القرية.

كان يلجأ الملاَّ إلى عقاب الصبية الذين لا يحفظون الحروف، أو الذين لا يستوعبون ما يقوله عند قيامه بواجبه, حيث كان يقوم بضربهم بعود طري من نبات الطرفاء التي تنبت كثيراً في أرض مجاورة لبناء القرية, ويتذكر الذين تعلموا على يديه شدة وقسوة العقاب الذي يذيقه لهم الملاَّ, فكان يكلف أحدهم بمراقبة حركة الصبية وضبطهم عند خروجه للاستراحة أو لأمر ما, وكان يتوعد بالويل والثبور وعظائم الأمور، كل من يشاغب أو يهمل واجباته التعليمية. وكان يضربهم على أيديهم وأرجلهم "الفلقة", حيث كانوا يرتعدون خوفاً من عقاب وقسوة الملاَّ, أما الذين يحفظون الأحرف ويتقنون لفظها فأولئك بمنجاة من العقاب والتوبيخ

ولقلة عدد السكان في تلك الحقبة, ومعرفتهم لأدق الخصوصيات والتفاصيل لكل فرد, وحتى لأبسط أنواع المعاناة التي يعانيها الأفراد في القرية, وبالتشاور بين الأهالي وجدوا أن الأمية هي مشكلة، ولا بد من إيجاد حلٍّ لها, والبحث عن طريق من أجل نشر الوعي، والقضاء على الأمية, وشعر الأهالي بثقل الأمية وعدم معرفة القراءة والكتابة، بسبب نمو عملية الزراعة وتطور وسائل الإنتاج, خاصةً عند عملية حساب ما يعود للفلاح والمزارع ومالك الأرض من حق, عند بيع المحصول وحساب المصروفات والنفقات التي بذلت في عملية الإنتاج الزراعي وجني المحاصيل الزراعية.

المحامي الأستاذ محمد إسماعيل الجاسم

وهناك سبب آخر هو عملية التقسيم للأراضي الزراعية بين المالكين, وحاجتهم لتسجيل هذه القياسات والأبعاد في سجلات ودفاتر, بدلاً من أن تكون مخزونة في ذاكرة المزارع أو المالك, وكانت تتم عملية حساب النفقات والمصروفات عن طريق الحساب الذهني, الذي قد يكون غير دقيق، والذين يتقنونه قليلون في ذلك الوقت, ونظراً لبعد موقع القرية عن مراكز مدينتي "الرقة" و"دير الزور".

ولصعوبة الوصول إلى تلك المراكز, وعدم القدرة على تحمل النفقات والمصاريف لأجل تعليم الأطفال, لجأ الأهالي وبالتشاور فيما بينهم إلى الملاَّ أو شيخ "الكتَّاب" لأجل تعليم الأطفال عملية القراءة, وكان هؤلاء الملالي يقومون بعملية تعليم الأطفال للقراءة والكتابة, وكان هذا الأسلوب سائداً في القرى البعيدة عن مراكز المدن, واستقر رأي الأهالي على الاتفاق مع رجل يدعى الملاَّ أو الشيخ "محمد الخطيب" المعروف بـ"أبي حمود"، وذلك في عام /1958/م, على أن يقوم أولياء الصبية بدفع مبلغ من المال للملاَّ عن كل ولد يقوم بتعليمه, وكان المبلغ المتفق عليه /5/ ليرات سورية شهرياً, وكان الملاَّ يتلقى مساعدات عينية من الأهالي, كالقمح والشعير والذرة البيضاء وغيرها مما يتوفر لدى بعض الأسر الميسورة الحال».

السيد ناصر عبد البكار من طلاب الملاَّ أبو حمود

ويضيف "الجاسم" وفي السياق ذاته: «أقام الملاَّ "أبو حمود" في بداية الأمر في بيت من بيوت أهالي القرية, حيث أعطاه مالك البيت غرفة لأجل السكن والتعليم فيها, وهي مبنية من اللبن ومسقوفة بالخشب, وهذا المالك هو "خلف العلي الحواس", وفي مرحلة الإقامة خُصصت للصبية غرفة في منزل شخص آخر يدعى "علي المحمد الجاسم", وكان عدد الصبية حوالي العشرة.

وكان الملاَّ يشارك أفراد القرية أفراحهم وأتراحهم، ويتواصل مع أفراد القرية اجتماعياً, وبدأ الملاَّ عملية التعليم في حوالي شهر "كانون الثاني", وفي فصل الربيع انتقل قسم من أهالي القرية إلى "البادية" طلباً للكلأ لرعي أغنامهم, وبقي أبناؤهم ملازمين للملاَّ لتلقي التعليم على يديه, وذلك بأن يأتي الصبية من "البادية" سيراً على الأقدام أو البقاء في منازل ذويهم في القرية, ليكونوا قريبين من مكان تلقيهم دروس تعلُّم مهارة القراءة, وأنهى الملاَّ مهمته مع نهاية موسم الحصاد في تلك الآونة أي حوالي شهر "تموز" من ذلك العام.

محمد العلي المحمد من طلاب الملا أبو حمود

وفي السنة التالية جاء إلى القرية ملاَّ من قرية مجاورة تدعى "جزرة ميلاج" وتبعد حوالي عشرة كيلو مترات عن قرية "مطب البو راشد" ويدعى الملاَّ "مطر", وانتظمت معه مجموعة جديدة من الصبية، وعددهم يتراوح بين عشرة وخمسة عشرة صبياً, وأقام في بيت شعر هو وأفراد أسرته في الجهة الشرقية من القرية, وكان يستخدم البيت لأجل تعليم الأطفال مهارة القراءة, وعندما كان يشعر الملاَّ بالتعب, يعاونه ابن له يدعى "صالح" وابنتاه وتدعيان "عائشة" و"سارة".

وبعد أن ختم هؤلاء مرحلة السَّيد "مطر"، جاء ملاَّ إلى القرية وأقام عند أحد سكان القرية وهو السيد "حبيب الحسن"، الذي أعطاه غرفة ليستخدمها كصف لتعليم الصبية, وهذا الملاَّ يدعى "أحمد العجاجي" وهو من مدينة "الرقة", وبهذا الملاَّ انتهى عهد "الملالي" في قرية "مطب البو راشد" وبدأت مرحلة جديدة وشكلاَ جديداً من التعليم».

وبسؤاله عن الطريقة التي كانت متبعة في التعليم عن "الملالي"، أجاب "الجاسم": «كان الملاَّ يمارس التعليم وفق طريقة التلقين، إذ كان يجلس التلاميذ على الأرض، التي قد تكون غير مفروشة بفراش، وإذا كان هناك فراش، فهو عبارة عن حصيرة من السعف، ممدودة في أرض الغرفة التي تضم الصبية، فيوزِّع الملاَّ كتيبات صغيرة مكتوب فيها طباعةً أحرف اللغة العربية الثمانية والعشرين، وهذه الأحرف مكررة بعدد حركات الإعراب، وهي مكتوبة بشكل واحد، هو شكل الحرف المنفصل.

وإضافة إلى الحروف، يوجد في الكتيِّب نص الصلوات "الإبراهيمية"، وبعض أسماء الله الحسنى مسبوقة بأداة النداء "يا"، ويقوم الملاَّ بلفظ الحرف بصوتٍ عالٍ ويردد الصبية خلفه مع المتابعة في الكتيِّب الموجود بين أيديهم، مرة يلفظه معرباً، ومرة يلفظ الحرف مع اسم الحركة الإعرابية الموضوعة على الحرف الملفوظ. وبعد إتقان الصبية للفظ الحرف مجرداً من الحركة ومعرباً، تبدأ عملية قراءة القرآن من قِبل الملاَّ، إذ أنه يقرأ عدداً من الآيات في كل يوم على أسماع الصبية، ومن ثم يرددون ورائه بصوتٍ عالٍ، وبعد ذلك يقوم بالاستماع إلى قراءتهم بشكل إفرادي، ويستمر بذلك حتى إتقانهم لعملية قراءة تلك الآيات.

ومن ثم ينتقل إلى آيات أخرى، حتى آخر آية في القرآن الكريم، وتسمى المرحلة الأخيرة هي عملية ختم القرآن، وبذلك تُعلن نهاية مهمة الملاَّ، ويبدأ بمهمة أخرى هي عملية تعليم مهارة الكتابة، وتكتمل فرحة الصبية وذويهم، عند إتقان أولادهم قراءة القرآن، فيذبحون الذبائح ويقيمون الولائم بهذه المناسبة، حيث يدعى إليها الجوار والأقارب، الذين يبادرون بدورهم إلى وضع النقود في يديِّ الطفل الذي أتقن قراءة القرآن، حيث يقوم الأهل بـ"تكتيف" الطفل المحتفى به، أي ربط يديه أمام ذقنه، ويدور إلى المدعوين ليضعوا النقود في يديه».

ويضيف "الجاسم": «كان يلجأ الملاَّ إلى عقاب الصبية الذين لا يحفظون الحروف، أو الذين لا يستوعبون ما يقوله عند قيامه بواجبه, حيث كان يقوم بضربهم بعود طري من نبات الطرفاء التي تنبت كثيراً في أرض مجاورة لبناء القرية, ويتذكر الذين تعلموا على يديه شدة وقسوة العقاب الذي يذيقه لهم الملاَّ, فكان يكلف أحدهم بمراقبة حركة الصبية وضبطهم عند خروجه للاستراحة أو لأمر ما, وكان يتوعد بالويل والثبور وعظائم الأمور، كل من يشاغب أو يهمل واجباته التعليمية.

وكان يضربهم على أيديهم وأرجلهم "الفلقة", حيث كانوا يرتعدون خوفاً من عقاب وقسوة الملاَّ, أما الذين يحفظون الأحرف ويتقنون لفظها فأولئك بمنجاة من العقاب والتوبيخ».

وعن المرحلة التي أعقبت عهد "الملالي" يقول "الجاسم": «بعد أن أمضى الملاَّ "مطر" والملاَّ "أبو حمود" والملاَّ "حمود" قرابة سنتين أو ثلاثة في القرية يمارسون تعليم الصبية، أدرك الأهالي ضرورة استمرار وانخراط هؤلاء الصبية في عملية التعليم، وتلقيهم بقية أصناف العلوم التي تُعلَّم في المدارس الرسمية، التي كانت نادرة وقليلة في الريف، خاصةً الريف البعيد, لذلك قام الأهالي بعد تشاور وتدبير وتفكير بالتبرع بالنقود وجمع تلك التبرعات من الأهالي, وذلك لأجل بناء مدرسة في القرية.

وبالفعل تمخض عن تشاور أهل القرية فيما بينهم وبين السلطات الرسمية في مدينة "الرقة", فكرة إنشاء مدرسة رسمية، وبُنيت من الحجارة الكلسية المتوافرة بكثرة في المنطقة، وسُقفت بالخشب والأعمدة الخشبية, وقام أحد أهالي القرية ويدعى "عبد البكار" والذي انتقل إلى جوار ربه، بتركيب الأبواب الخشبية وصناعتها, وقام الأهالي بصقل الجدران الداخلية للغرفتين المكونة للمدرسة بمادة الجص, وانتهت عملية التحضير والبناء في عام/1960/م.

وبعد ذلك قام الأهالي بمراجعة دائرة المعارف في مدينة "الرقة"، كما كانت تسمى آنذاك, لأجل تعيين معلم للمدرسة المحدثة في قرية "مطب البو راشد", وبالفعل قامت الدائرة بتعيين أول معلم للمدرسة، وهو "محمد حنيف اسكيف", وسميت المدرسة آنذاك بمدرسة "مطب البو راشد للبنين"، وتم تجهيز المدرسة عن طريق دائرة المعارف باللوازم والأثاث والوسائل المساعدة في عملية التعليم, كالألواح الخشبية والمقاعد، إلى ما هناك من أدوات وأثاث وسجلات كانت متوفرة في ذلك الحين.

بدأ التلاميذ الدخول إلى هذه المدرسة في العام الدراسي /1961-1962/، وكان عددهم حوالي العشرة صبية، وتعتبر هذه المدرسة من المدارس المعدودة في ريف "الرقة" في ذلك الحين, واستمر التعليم في تلك المدرسة حتى العام الدراسي /1967-1968/، حيث تم بناء مدرسة جديدة إلى الشمال من هذه المدرسة بحوالي/100/م».