يعد "حّي القيمرية" أحد أعرق أحّياء "دمشق القديمة"، وقصوره القديمة كانت بيوتاً لأسماء كبيرة، شاركت بكتابة "تاريخ دمشق الحديث"، وامتاز هذا الحّي العريق بتنوع ملامحه الاقتصادية والاجتماعية.

موقع "eSyria" التقى مع مختار "حّي القيمرية"؛ السيد "عبد الرزاق الطويل" "أبو علي"، الذي حدثنا عن ملامح الحياة الاجتماعية المميزة "لأهل القيمرية"؛ حيث بدأ بذكر أشهر عائلات "حّي القيمرية"، وأعرق البيوت الموجودة فيه بقوله: «يقطن الآن في "حّي القيمرية" حالياً /27000/ نسمة، وتشكل العائلات الدمشقية القديمة حوالي ثلث السكان الحاليين، فعددهم يصل إلى /8000/ نسمة، هذه العائلات العريقة ساهمت بتشكيل الصورة الاجتماعية والسياسية "لدمشق"، خاصة بعد نهاية العهد العثماني في بلاد الشام وكان لها مشاركات واضحة أيام الانتداب الفرنسي على سورية، ومن أشهرها:

معظم أبناء "القيمرية" كانوا يعملون "بالنوالة – النسيج"، وتأتي حرفة "تطعيم الخشب بالصدف" بالمرتبة الثانية، وهذه الحرفة ما تزال موجودة حتى اليوم في الحّي، كما كان يوجد عدد لابأس به من "ورشات صياغة الذهب" ولكنها تحولت اليوم إلى محلات تجارية عامة، وكان يوجد في القيمرية "مصبنة" لصنع الصابون

"بيت الحسني" الذي خرج منه الرئيس السوري في عهد الانتداب الفرنسي "تاج الدين الحسني".

مختار حّي القيمرية

و"بيت الشهبندر" ومنه خرج "عبد الرحمن الشهبندر" زعيم الكتلة الوطنية.

و"بيت ألشي" الذي خرج منه رئيس الوزراء في عهد الانتداب "جميل أفندي ألشي".

المجاهد عبد السلام الطويل أحد خيالة القيمرية

كما توجد عائلات كبيرة أخرى مثل "بيت الصواف"، و"بيت الربّاط"، و"بيت مرتضى" الذين عرفوا ببيع الشرقيات والسجاد؛ سواء رتي أو بيع، وخاصة السجاد التبريزي أو العجمي، و"بيت الخرسا"، و"بيت الطيلوني"، و"بيت الطويل"، و"بيت آغا الخير"، و"بيت المحايري"، و"بيت جبري".

وتوجد بعض العائلات المسيحية العريقة مثل "بيت أبو كسم"، و"بيت المعّقد"».

أحد أزقة القيمرية

عائلات، ومهن

يتميز "حّي القيمرية" بتنوع الملامح الاقتصادية فيه، فتجد أن كل عائلة اختصت بمهنة معينة عُرفت بها، يقول "أبو علي" «معظم أبناء "القيمرية" كانوا يعملون "بالنوالة – النسيج"، وتأتي حرفة "تطعيم الخشب بالصدف" بالمرتبة الثانية، وهذه الحرفة ما تزال موجودة حتى اليوم في الحّي، كما كان يوجد عدد لابأس به من "ورشات صياغة الذهب" ولكنها تحولت اليوم إلى محلات تجارية عامة، وكان يوجد في القيمرية "مصبنة" لصنع الصابون».

المختار "أبو علي" وصف اللباس التقليدي "لأهل القيمرية": «كان لباس "رجال القيمرية" عبارة عن البدلة العربية، المكونة من السروال والطربوش ويستبدل أحياناً بالعقال، إضافة إلى "القنباز" أو ما يسمى "ألاجه"، وأذكر بعض الرجال في الحّي كانوا يضعون على رؤوسهم لفة "ل.أ" "لام ألف"، وتعرف أيضاً بلفة "الأغباني"، وهي مصنوعة من الشاش الأصفر ومطرزة على امتداد طولها، وكان الأشراف من "آل البيت" كبيت "الحمزاوي"، يلبسون طربوشاً ملفوفاً بلفة خضراء».

اعتنى أهل القيمرية بالمساكن التاريخية التي يقطنونها، ولم تقتصر هذه العناية على تلك القصور الجميلة، بل وصلت إلى العناية بالأزقة التي تحيطها، فجميع شوارع وأزقة "القيمرية" مرصوفة "بالخرسة أو غرزة"، "أبو علي" شرح كيفية رصف الشوارع في "دمشق القديمة" بقوله: «كان أهل الحّي يحضرون أحجاراً ملساء من مصبات الأنهار على "الطنابر" وهي: "عربات تجرها الخيول والحمير"، ويجهزون مادة تسمى "أصر مر" أو "صفوة" كما تسمى اليوم، عبر مزجها بعدة مواد، ثم يضيفون الماء إليها فتصبح متماسكة بشكل يشابه مادة "الاسمنت" في وقتنا الحاضر، ومن ثم يضعون "أصر مر" على الأرض ويضعون بينها الأحجار النهرية الملساء بشكل يسمى "خرسة"، فكانت تعطي مظهر جميل للحارة أو الزقاق».

«الخيول و"الخيالة" أهم المظاهر التي ميزت "حّي القيمرية" قديماً، فكما أن كل عائلة في وقتنا الحاضر تمتلك سيارة تقريباً، فكان لدى كل عائلة مقتدرة عددا من الخيول، يتباهون بها، وكان "حّي القيمرية" بشوارعه وأزقته الضيقة يعج بالاسطبلات أو "ياخور" كما كانت تسمى، فمثلاً مطعم "موليا" كان في الأصل اسطبلاً لعائلة "آغا خير"».

بهذه الكلمات بدأ المختار حديثه عن بعض مظاهر الحياة الاجتماعية في "القيمرية" وتابع "أبو علي": «بالرغم من كون هذه الظاهرة قد تسبب بعض المشكلات، ولكنها أحد المظاهر الجميلة التي فقدت من الحّي، وأذكر أيضاً أن أصحاب هذه الخيول من الخيالة والشباب كانوا يقومون يوم الجمعة وأيام الأعياد؛ بجولات إلى منطقة "الربوة"، وبالتحديد إلى مكان يسمى "مرجة الحشيش"، حيث يجتمع الخيالة حسب الأحياء، فتجد "خيالة القيمرية" مجتمعين مع بعضهم، وعلى مقربة منهم يجلس "جماعة الشاغور" وهكذا..، حيث يجلسون ويجهزون الطعام ويقضون أياماً صيفية جميلة لا تنسى، أما شتاءً فكان شباب "القيمرية" وخيالتها يذهبون إلى منطقة واقعة على طريق "السيدة زينب" تسمى "قناية رامس"، وهي منطقة جميلة مزروعة بشجر الزيتون، حيث يُجري "الخيالة" سباقات فيما بينهم ويتناولون الطعام برفقة بعضهم البعض، ويعودون مساءً إلى منازلهم.

ويعود سبب امتلاك معظم أهالي "القيمرية" للخيول في ذلك الوقت، أنهم كانوا من ميسوري الحال، فكل الخانات والمتاجر الواقعة ضمن محيط الحّي أو داخله كانت من أملاكهم، وهذا لا يعني عدم وجود عدد من العائلات الفقيرة في الحّي، فبعض الأهالي كان أبناؤها يعملون حراساً أو "نواطير"، إضافة إلى ذلك كانت توجد طبقة متوسطة من أصحاب المهن العامة كالنجارين والحدادين وغيرها..، ولكن الصفة الغالبة على أهل "القيمرية" هي الغنى، فرئيس الجمهورية في ذلك الوقت كان من حّي "القيمرية"، وكذا "رئيس الوزراء في عهد الانتداب" السيد "جميل أفندي ألشي" الذي خرج من "جادة القاضي"، وما زال مسكنه موجوداً إلى الآن».

"حفلات الطهور" من التقاليد التي اختفت من حياة "أهل القيمرية"، فعندما يبلغ الصبي الصغير السابعة من عمره، يقوم أهله بختانه أو ما يسمى "طهور"، وفور انتهاء "عملية الختان"، تبدأ الأفراح والأهازيج داخل البيت، ويتابع "أبو علي": «تقوم العائلة بتقديم الضيافة "للمطهر" وللجيران حسب الإمكانية، و"البوظة" هي الضيافة المقدمة في الغالب، وتقدم "المناسف" في بعض الأحيان.

بالنسبة "لعملية الختان" كنت أشاهد أن معظم الفتيان الصغار كانوا يستعدون للقيام بالعملية المؤلمة، خصوصاً في غياب "مادة البنج"، ولكن فور رؤيتهم "للمطهر" يخافون؛ ويحاولون الفرار، ولكن أهل الفتى مثل عمومه يحاولون تثبيته، لحين تمام العملية، ليقوم الأهل بعدها بإهداء الفتى "كلابية" ويضعون علامة مميزة على رأسه، كما يعطون الفتى ثوباً مخصصاً للفترة التي تلي "الطهور"».

فن اللعب "بالسيف والترس" أيضاً من أبرز المظاهر التي يحرص الدمشقيون على إشراكها في أفراحهم المختلفة، "الطويل" أوضح أبرز الأمور التي ميزت هذا الفن بقوله: «الفرق الموجودة الآن تشابه تماماً تلك التي زينت أفراحنا في الماضي، فاللباس والسيوف واحدة وحتى العبارات التي يصدح بها زعيم الفرقة وترددها الفرقة من بعده لم تتغير في معظم الأحّياء، ولكن الفِرقَ القديمة كانت تملك روحاً أكثر واقعية، حيث كانوا يرتدون لباسهم اليومي ولم يكن نظيفاً بالضرورة، وكانوا لا يأخذون المال، فالفرقة قديماً لم تكن مهنتها هي العروض وإنما يتطوع بعض الجيران من الذين يتقنون فن مداعبة السيف بالترس، وتجد اليوم أن الكثير من الشباب لا يفهمون بعض العبارات التي يرددها "الوصيفة"».