خارج السور التاريخي لمدينة "دمشق"، وعلى أطرف نهر "يزيد" يقع حي "الصالحية" بين منطقتي "المهاجرين" و"ركن الدين"، ويقال أن هذا الحي الذي كان يعرف باسم "دمشق الجديدة" تشكـّلَ خلال الفترات الزنكية والأيوبية والمملوكية بفعل الهجرات المتتابعة لسكان المدينة القديمة نتيجة للاكتظاظ السكاني ضمن حدود المدينة التاريخية، وانتشار الازدهار الاقتصادي والأمن في "دمشق"، بعد ما عانته خلال الحروب الصليبية.
أما اليوم فتتجاور ملامح الحداثة في "حي الصالحية" إلى جانب الإرث التاريخي من المدارس الدينية والمساجد والمدافن، وتجعل منه أحد أهم المعالم التاريخية لمدينة "دمشق" خارج السور، لاسيما مسجد وضريح الإمام "محيي الدين بن عربي" الذي يعتبر أحد المقاصد الرئيسية للسياح من العالمين العربي والإسلامي، فما زالت تكية السلطان "سليم" تشّرع أبوابها أمام الدراويش، لينعموا ببركة الشيخ "محيي الدين"، ويتناولوا نصيبهم من الشوربة التي لم ينقطع تقديمها مجاناً لطلاب العلم والفقراء منذ عهد السلطان العثماني "سليم الأول". وما زال سوق "الجمعة" بما يعرضه من المنتجات المختلفة عنواناً للتسوق لأبناء المدينة على مدار الأسبوع، رغم كثرة الأسواق الحديثة وتزاحمها في المناطق المجاورة.
تنتسب خانة "التغالبة" إلى "بني تغلب"، ومنهم أتت عائلة "التغلبي" إحدى عائلات الحي التاريخية، أما "عرودك" فأتى اسمها من الشيخ "أبو بكر العرودكي" الذي عاش ودفن فيها، وتنتسب إليه أيضاً عائلة "العرودكي" إحدى أعرق عائلات "الصالحية"
ولمعرفة المزيد عن الملامح التاريخية للحي زار موقع "eSyria" السيد "أحمد عبد القادر غنطوس" مختار "الصالحية"، ووجدنا عنده بعضاً مما يروي فضولنا حول أصل تسمية هذا الحي، وعن ذلك قال: «يروى أن قبيلة كان تدعى "بني قدامة" هاجرت من فلسطين إلى "دمشق" مع شيخها "أحمد بن قدامة" خوفاً من بطش الصليبين، وسكنوا بادئ الأمر في منطقة "باب شرقي"، ولكن المرض انتشر بينهم هناك، فذهبوا إلى سفح "جبل قاسيون" حيث الهواء النقي، ونزلوا فيما يسمى اليوم بمنطقة "الحنابلة"، وكانت تسمى قديماً "دير الحنابلة"، وذلك أن معظم من كان فيه -حنبلي المذهب- نسبة إلى الإمام "أحمد بن حنبل"، وكان هذا الدير صغيراً ثم توسع شيئاً فشيئاً، وأضيفت إليه غرف، حتى إنهم قاموا ببناء المساجد حوله مثل "مسجد العمرية"، وأسسوا بعض المدارس، لذلك سميت هذه المنطقة باسم "الصالحية" نسبة لهم وكثرة العلماء والصالحين فيها، ويذكر أيضاً أن "الصالحية" كانت مكاناً لقصور خلفاء "الأمويين" و"العباسيين" بسبب هوائها النقي وكثرة مياهها وبساتينها، حتى إن البساتين والأنهار كانت تفصل بين أحيائها، ففي هذا الحي يمرّ نهر "يزيد" أحد فروع نهر "بردى"، ويتفرّع من منطقة "الهامة" مروراً بمنطقتي "الربوة" و"الشركسيـّة" وصولاً إلى "القابون" و"حرستا"».
ويعتبر "حي الصالحية" اليوم من أكبر أحياء "دمشق"، وتمتد حدوده الإدارية بين منطقة "زين العابدين" شمالاً، و"الجسر الأبيض" جنوباً. بينما يحدّه من الغرب "العفيف" ومن الشرق منطقة "أبو جرش"، ويؤكـّد "أحمد غنطوس" على القيمة الأثرية لهذا الحي، فهو يرى أن المعالم الأثرية لحي "الصالحية" تضاهي في قيمتها آثار "دمشق القديمة" التي تنتشر داخل سورها التاريخي، ويقول: «ما بين "العفيف"، و"جامع الحنابلة" تقع أحياء "المدارس، الشركسية، سوق الجمعة، والعمرية"، وتمثـّل قلب المنطقة الأثرية من "الصالحية"، حيث تكثر فيها القبب والمدارس التي بنيت زمن الأيوبيين، المماليك، والعثمانيين، ويندر أن تجد في أي مكان آخر هذا العدد من المدارس والمساجد التاريخية التي ما زالت محافظةً على ملامحها، كالمدرسة "الجهاركسية"، "الأيوبية"، و"الأتابكيـّة"، والزوايا الملحقة بها، بالإضافة إلى جامع وضريح الشيخ "محيي الدين بن عربي" أحد أهم معالم السياحة الدينية في "دمشق"».
وعن قصة "سوق الجمعة" قال "غنطوس": «هو سوق قديم جداً، فقبل أن يأتي "بنو قدامة" إلى هذه المنطقة، ويطلق عليها تسمية "الصالحية" كانت عبارة عن أحياء متفرقة، وكل حي يضم عدداً من العائلات التي تعمل فيما تملكه من الأراضي الخصبة المحيطة بها، معتمدةً على وفرة المياه العذبة في تلك المنطقة حيث كانت تمتد بساتينها إلى ما يعرف اليوم بأحياء "المالكي" و"أبو رمـّانة"، ثم أصبح في كل حي مسجد وسوق لتخديم هذه العائلات، وأعتقد أن الأمر ينطبق على "سوق الجمعة" الذي يعتبر من أقدم الأسواق في "دمشق"، ويقال أن سبب تسميته يعود إلى كونه يفتح يوم "الجمعة" خلافاً لبقيـّة الأسواق، وما زال السوق قائماً، ويعمل ليلاً نهاراً على مدار الأسبوع، ويضم عدداّ من أبرز المعالم التاريخية الإسلامية للمدينة التي ينبغي إبرازها، والحفاظ عليها».
ورغم أن آثار هذا الحي ما زالت تحتفظ بألقها، إلا أن عدداً منها يحتاج إلى الترميم، وبعضها زال بسبب طمع تجـّار العقارات كحمّام "العروس"، وهنا يؤكـّد المختار على أهمية إنشاء جمعية تعنى بآثار "الصالحية" وتضمن سلامتها من التعدّيات، أسوة بجمعياتٍ مماثلة، كجمعية "أصدقاء دمشق".
حديثنا مع "أحمد غنطوس" عن أصل تسمية الحي ونشأته، وحدوده الإدارية، لم يتوقف عند هذا الحد، حيث تناولنا أيضاًَ سجلات الأحوال المدنية لأهالي "الصالحية"، وتضم ستة خاناتٍ أساسية هي: "التغالبة، الشياحين، محكمة، مقدّم، الجسر الأبيض، الشيخ قيمر، وعرودك"، ويقول المختار أن خانتي "صالحية تغالبة"، و"صالحية شيّاحين" تضم عائلات قليلة، مقارنة ببقية الخانات التي شهدت تسجيل أسماء العديد من العائلات التي نقلت قيودها المدنية حديثاً من بقية أحياء "دمشق" إلى حي "الصالحية" بحكم إقامتهم فيه، وكذلك الأمر بالنسبة لعددٍ من السكان الوافدين من المحافظات الأخرى، وفصّل في أصل تسمية بعض الخانات قائلاً: «تنتسب خانة "التغالبة" إلى "بني تغلب"، ومنهم أتت عائلة "التغلبي" إحدى عائلات الحي التاريخية، أما "عرودك" فأتى اسمها من الشيخ "أبو بكر العرودكي" الذي عاش ودفن فيها، وتنتسب إليه أيضاً عائلة "العرودكي" إحدى أعرق عائلات "الصالحية"».
وختم المختار حديثه معنا بما يعرفه عن أصل بعض التسميات الطريفة لعائلات هذا الحي، وغيرها من أحياء "دمشق": «يروى أن أول إحصاء سكاني حصل في المدينة سنة 1870م خلال فترة الحكم العثماني، بقصد تحديد الشباب الذين تشملهم الخدمة الإلزامية في الجيش التركي، وكان القائمون على الإحصاء يطلبون الاسم الأول للشاب، فإذا وجدوا في المنزل عاجزاً عن المشي أطلقوا على العائلة اسم "المكرسح"، وإن وجدوا فيه أعمى أطلقوا على العائلة "بيت الأعمى" وهكذا..، وبعض العائلات أخذت أسماءها من المهنة التي يعمل بها رب العائلة كالفوال، والزهوراتي».
