عندما تنقلب أوراق "الرزنامة" فارضة عهدا جديدا على المجتمعات كافة بمتطلبات جديدة وحاجات وآليات عيش جديدة واضعة جملة من العادات والمهن في زاوية النسيان, لكن وعلى الرغم من التطور الصناعي الذي وصل إليه المجتمع الشرقي وخصوصا في صناعة النسيج إلا أنه لم يستطع أن يمحو بزيته وشحمه أصالة التعبير عن الصناعة في "حلب" فعاش النول مستمرا على قيد الحياة فارضا نتاجه بشكل منافس وذلك في تحد كبير يعيشه أبناء هذه المهنة للرأي العام عنها إذ اعتبرها الكثيرون من أبناء "حلب" مهنة تالفة وهذا ما أكده السيد "عبد القادر خصيم" عندما التقاه موقع eSyria في محله في "خان الشونة" في "حلب" يوم 20/8/2009 والذي يعمل على آلة النول وارثا إياها عن آبائه وأجداده إذ صار لعائلته أكثر من نصف قرن في مزاولة الحرفة فيحدثنا عن إنتاجه للنسيج اليدوي فيقول: «على الرغم من تطور الصناعة النسيجية ودخول الآلات الكهربائية الحديثة إلى هذه المهنة وتقليدها للقطع التي ينتجها النول إلا أن إقبال الناس على شراء القطع المصنوعة عبر النول مازال شديدا جدا مع وجود بعض الناس الذين قد رضوا بإنتاج الآلات الصناعية ذلك لأنها أرخص ماديا فمعروف أن ذات القطعة التي ينتجها النول تباع بنصف قيمتها في المعامل لكن يبقى للقطعة المصنوعة بالنول بريق وجودة فريد من نوعها فتكون مرصوصة بشكل جيد وتدوم طويلا وطويلا حيث أني حتى الآن أحتفظ بقطع منذ أيام أجدادي وهي تبدو جديدة».
وعند الحديث عن نظرة الناس إلى هذه الحرفة رصدنا أن "الخصيم" يعيش مفارقة بين ما يراه من ردود أفعال يقرأها على وجه الأجانب وبين ما يراه على وجوه أبناء مدينته فيقول: «بصراحة القول إن الذي يصبرنا على حرفتنا هذه هو نظرة الأجانب لنا فعبر مشاركاتنا في المعارض الدولية نلاحظ أنهم يجلون ما نقوم به بشكل كبير ويقدرون أننا نبذل جهدا ذهنيا وجسديا مضاعفا في سبيل إنتاج قطعة القماش هذه, ومن جهة أخرى فهم يضعونا في قائمة المخترعين, أما نحن أبناء "حلب" فننظر إلى هذه المهنة على أنها مهنة قديمة تالفة لم يعد لها وجود بين الصناعات ويعتبرونها كالهوايات والأعمال التراثية فحسب لا فائدة منها سوى المناظر فليس هناك اهتمام بها على أنها صناعة موجودة ومرغوبة ونتاجها مطلوب ».
أقوم على تعليم أولادي وأولاد إخوتي لهذه المهنة التي حتى الآن احترفها حوالي العشرين شابا من شباب عائلتنا وراحت تدر عليهم أرباحا فإذا تحدثنا من النواحي المادية فهي تؤمن دخلا جيدا جدا فالعامل يعمل عندي حوالي الثمان ساعات يؤمن قرابة الألف ليرة يوميا وهذا لأن الإقبال على شراء القطع المصنوعة بالنول شديد جدا ومرغوب فأنا حاليا أعمل قطعا مباعة لستة أشهر قادمة فهذا يدل على أن نسيج النول مرغوب بشكل كبير ومن جهة أخرى فإن "حلب" تحتوي على ثلاثمئة نول تعمل بشكل مستمر وهذا عدد لا بأس به
ويتابع في الحديث عن مدى إمكانية استمرارية هذه الحرفة فيحدثنا "الخصيم" بتفاؤل كبير عن محاولاته في تعليم أولاده لهذه المحرفة وتحويلها لكسب عيش يومي في سبيل استمرارها فيقول: «أقوم على تعليم أولادي وأولاد إخوتي لهذه المهنة التي حتى الآن احترفها حوالي العشرين شابا من شباب عائلتنا وراحت تدر عليهم أرباحا فإذا تحدثنا من النواحي المادية فهي تؤمن دخلا جيدا جدا فالعامل يعمل عندي حوالي الثمان ساعات يؤمن قرابة الألف ليرة يوميا وهذا لأن الإقبال على شراء القطع المصنوعة بالنول شديد جدا ومرغوب فأنا حاليا أعمل قطعا مباعة لستة أشهر قادمة فهذا يدل على أن نسيج النول مرغوب بشكل كبير ومن جهة أخرى فإن "حلب" تحتوي على ثلاثمئة نول تعمل بشكل مستمر وهذا عدد لا بأس به».
وهنا كان لنا وقفة عند أحد أبناء عائلة "الخصيم" الشباب فكان لنا لقاء مع الشاب "حسين" الذي احترف المهنة منذ نعومة أظفاره فيقول عنها بحب يربطهما: «لقد ولدت بين النول والنسيج اليدوي حتى أصبح جزءا من حياتي لا يفارقني لحظة وقد زرع والدي وعمي فيّ حب هذه الحرفة التي أصبحت عندي بمثابة إبداع شخصي وأمر يميزني عن سواي فأشعر أنني فنان لا يختلف عن سواه من الفنانين خصوصا عندما يقف الكبار عاجزون عن نسج خيط واحد ويدهشون لما أرسمه من لوحات على قطع النسيج, كل ذلك إضافة إلى المردود المادي التي تؤمنه لي هذه الحرفة النادرة, فمن هذا المنطلق سأقوم على الاستمرار بهذه الحرفة ونقلها إلى الأجيال القادمة في سبيل الحفاظ على الرائحة العربية الأصيلة».
وفي لمحة تعريفية عن تاريخ هذه الحرفة يضيف السيد "عبد القادر الخصيم" معرجا إلى وجودها في "حلب" منذ القدم فيقول: «النسيج أقدم حرفة موجودة تاريخيا لكن لا أحد يعرف تاريخها الحقيقي وآلة النول هي أول آلة صنعت النسيج فعمرها من عمر هذه الحرفة التي يقال أنها بدأت من بلاد المشرق لأن حسب ما يتداوله الناس والعاملون في هذه الحرفة يدويا يقولون أن هذه الحرفة تعود في الأصل إلى سيدنا "إدريس" عليه السلام ومن جهة "حلب" فإن وجودها على خط تجارة الحرير وقدمها التاريخي جعل منها مرتعا للتجار الصناع, وحرفة النسيج موجودة في "حلب" منذ القدم لكن أيضا لا يمكن التماس اللحظات الأولى لهذه الحرفة ولآلة النول مع أن البحوث التاريخية وجدت في "حلب" قطعا مصنوعة من النسيج اليدوي تعود إلى ما قبل الميلاد بكثير وربما يكو ن هناك ما هو أقدم من ذلك, إذ نحن كعائلة صار لنا في هذه المهنة أكثر من أربعة قرون ونصف حيث ورثت هذه المهنة عن والدي الذي أخذها مورثة عن أجداده».
وعند تحولنا في الحديث عن آلية عمل هذه الآلة يحدثنا السيد "محمد خصيم" العامل مع أخيه في ذات المهنة منذ الصغر فيقول معرجا إلى تكاليف إنتاج القطعة الواحدة: «إن آلية عمل النول تأتي من خلال تجميع الخيوط فوق بعضها بشكل متصالب ورصها إلى جانب بعضها بشكل جيد, وإن جودة القطعة المنتجة تعتمد على كيفية رص هذه الخيوط مع بعضها وإن النول قادر على حياكة أي نوع من الخيوط بدئا من الحرير نهاية إلى الصوف فمن الممكن حياكة السجاد فيه وحياكة الملابس ويستطيع العامل على النول أن يرسم لوحات فنية عبر تمازج الألوان وتداخلها وأكثر اللوحات استخداما هي الرسومات المتعلقة بالحضارة العربية والطبيعة العربية فهناك رسومات للصحراء والإبل والأنهر والريف العربي النرجيلة ودلة القهوة, وإن عمل النول يأخذ من العامل جهدا كبيرا فليس هناك مواد أولية سوى الخيط أما تكلفة القطعة المنتجة تكون جهد العامل إذ يتطلب صناعة متر واحد من الصوف عملا متواصلا أكثر من ثمان ساعات بالنسبة لذوي الخبرة أما الأنواع الأخرى من الخيط فتأخذ وقتا أطول لأنها تكون أرفع فبذلك يزداد الجهد والوقت لإنتاج متر واحد منها وبذلك يتم تحديد سعر المتر الواحد وتدخل في حسابات القطعة الرسومات المنقوشة عليها إذ عندما تكثر الرسومات والألوان فهذا يعني أن القطعة قد كلفت جهدا أكبر ووقتا أطول».
