عندما يطرح مصطلح "مثقف عضوي"، فأول ما يتبادر إلى ذهنك في مدينة "الرقة" اسمه, فهو بحق مثقف عضوي من الطراز الرفيع، حيث يقرن بين أقواله وأفعاله للوصول إلى حالة المثاقفة الناتجة عن حراك ثقافي واجتماعي, تفوح منه رائحة "الفرات"، لأنه أحبه بصدق، فصار مثله معطاء، تعبق أعماله بأريج الياسمين والزنبق. إنه الروائي الرقي "أحمد مصارع". موقع eRaqqa التقاه في منزله بتاريخ (9/8/2009)، وأجرى معه الحوار الآتي:

** متى بدأت الكتابة، وما حكايتك مع النشر؟

الرواية العظيمة.. مثلها مثل التمثال.. يجب أن تكون قادرة على الوجود بمفردها, وهذا يعني مالها وما عليها, دفاعها وصمودها موجود بين أوراقها..

  • كتبت منذ منتصف الستينيات, في مختلف مجالات الفكر والأدب, وحزت على عدة جوائز في القصة والرسم, أسست وكتبت في الكثير من الصحف والمجلات العربية, ولم تتسنى لي الظروف المواتية لنشر كتبي، خاصة في القصة والرواية، والآن أعمل على ذلك, فقد صدر لي في مجال الرواية "يا لغزلان الصحارى" و"الوجود في بر الأجلاف"، وفي القصة القصيرة صدر لي "كاريكاتير عن بلد كبير"، و"عند حواف الموت".
  • من أعمال مصارع

    ** أمام كل عمل جديد يُطرح سؤال, أين يكمن التجديد والإضافة في روايتك الأولى "يا لغزلان الصحارى"؟

  • ليس بمقدور الكاتب الروائي أن يقرر بنفسه شكل، أو مضمون الإضافة الجديدة بما يكتبه في الرواية, وليست الإضافة غاية في حد ذاتها بما يمكن أن يكون عملاً مصطنعاً, فالإضافة ليست شكلية أو جوهرية، الإضافة أمر يتقرر خارج إرادة الكاتب، ولكنها قد تكون منعكسة في فلسفته وأفكاره ورؤاه، التي يمكن أن يضمنها أثناء كتابته للرواية, مع العلم أنه من الضروري أن يكون الروائي معاصراً ومستوعباً لطبيعة العصر الذي فيه.
  • غلاف عند حواف الموت

    وعن "أندريه مارلو" قوله: «الرواية العظيمة.. مثلها مثل التمثال.. يجب أن تكون قادرة على الوجود بمفردها, وهذا يعني مالها وما عليها, دفاعها وصمودها موجود بين أوراقها..».

    ** من يقرأ "يا لغزلان الصحارى" يلحظ حضور الرمز بقوة. لماذا تفضل هذا النمط من التقنيات الروائية في السرد؟

    غلاف كاريكاتير عن بلد كبير

  • عملت على كتابة رواية "يا لغزلان الصحارى" بطريقة تذكر واسترجاع فيلم سينمائي عن حالة ضياع في "الصحراء الكبرى" في أفريقيا، وتكمن الإثارة فيها بأن الصحراء عظيمة وواسعة، غريبة وخطيرة، هادئة وعاصفة، وإزاء خطر الموت عطشاً وجوعاً، ومن الضياع، وحياة الوحدة الموحشة، يبدأ سيل مشهد الفيلم، وتتناسق الرواية كملمحة ذاتية مجاورة لأمكنة حقيقية في أفريقيا والعالم، وفيها مارست حريتي في انتقاء ما يلائم الحدث الرئيسي في الرواية والخيال، هو الستارة الفاصلة بين الحقيقة والواقع، الخيال أكبر من الممكن نفسه, بل الخيال وحده هو سيد المكان، وربما كان الخيال هو المكافئ الوحيد للمكان مع اختلاف الزمان.
  • وبالنسبة لي شخصياً إنني أرى أن كل أنواع الكتابة السردية أقرب ما تكون إلى أشكال الرمزية، فالرمز يحتل مكانة هامة في الأدب، وسيبقى للكتابة الرمزية حضورها المتألق، المدعوم بقوة المنهج الرمزي في العلوم، أو ما يسمى بالمنهج الصوري، حيث أصبحت العلاقات معقدة فكرياً، ولم يعد بالإمكان المعرفة المباشرة للحواس أن تكتشف حقيقة تلك العلاقات، إلا بواسطة المعادلات والعلاقات الرياضية.

    إن الحياة هي أقرب إلى الواقع منها إلى الحقيقة, الرمزية أصبحت تحتل كل شيء حتى أضحت اللغة الرئيسية للأدب في العالم، ويخطئ الكثير ممن يعتقدون أن السرد الرمزي، أو المنهج الرمزي حالة تاريخية عابرة انقضت في فترة تاريخية معينة، أي أنها مازالت مستمرة حتى اليوم بنفس الرونق والبريق, ولكنها أي الرمزية تأخذ أبعاداً وأشكالاً جديدة، وفقا للروائيين، أو كتاب الرواية، وفي الأدب والفنون عموما, وبما أن الحياة الإنسانية معقولة، وغير قابلة للعقلنة، كما أظهرت الفلسفة الوجودية, وبارتباط ذلك مع التحليل النفسي "الفرويدي"، نجد أن الحياة لا تُرى بالشكل المباشر، إنها في الأعماق، في الداخل، في اللاشعور حتى، ولكأن الأسلوب الرمزي هو الأسلوب الوحيد، أو الأفضل لتجليات الحياة.

    وإنني أعتقد بدوام وخصوبة المنهج السريالي نفسه على الرغم من معاداتي لكل أشكال العقلانية في الواقع، وفي أثناء كتابة "يا لغزلان الصحارى" وجدت أن أفضل مخرج لي من صحراء كتابة الرواية النهرية، هي رواية الحياة المستمرة مدى الحياة, ووجدت أن الرمز خير أسلوب للخلاص من الرواية النهرية.

    ** يلحظ في روايتك "يا لغزلان الصحارى" حضور الحيوانات بقوة, وخاصة الغزلان الذي جاءت الرواية باسمها, ما سبب تعلقك بالحيوانات بالعموم، والغزلان بالخصوص؟

  • أجد نفسي ككاتب رواية معني بالكتابة عن كل العوالم (العالم الإنساني والنباتي والحيواني)، وبمعنى أو بآخر كل ما في الحياة هو مادة خصبة أولية للرواية, كالجوار، لأننا لا نعيش لوحدنا فنحن جزء من إمبراطورية الحياة، ولسنا خارجها.
  • وحب الحيوانات كان يرافقني في حياتي، وجزء من تفكيري، وبخاصة الحيوانات الجميلة، كالغزلان والطيور، والعنوان الذي هو مدخل للرواية، يشير إشارة واضحة إلى أن البطولة الأساسية هي للحيوانات، وخاصة الغزلان التي تعيش في الصحراء, وهي حياة صعبة، حيث الغزلان تنشد السلام، وما صرخة "يا لغزلان الصحارى" سوى تحية من أعماق القلب لتلك الكائنات الأليفة الجميلة التي أنقذتني من الموت المحقق.

    ** من هم الروائيين الذين قرأت لهم وأثروا فيك، وتركوا بصماتهم على نتاجك الروائي؟

  • إذا كان هناك من أثر فسيكون بشكل غير مباشر, باللاشعور من القراءات الأولى في الطفولة، وقد لا يكون أي شيء من ذلك، فأنا نسيج وحدي، لأنني قرأت، وكتبت في آن واحد.
  • ** يقول "ماركيز": أنا أكتب حتى يحبوني الناس, و"إبراهيم الخليل" حتى يوصل صرخة تعبر عن الحقيقية, "أحمد مصارع" لماذا تكتب؟

  • مطالبة الروائي في أن يقرر من يكتب الآخر، الحياة أم الرواية, ففي الرواية حياة، وفي الحياة رواية، فإلى أيهما أنتسب؟ فأنا أنتسب إلى الاثنين معاً يا سيدي، بالرواية أعيش وأحيا وكثيراً ما أردد فلتحيا.
  • ** هل يوجد حركة نقدية روائية في "الرقة" برأيك؟

  • نعم.. وإن وجد، فوجودها غير ظاهر على السطح، فقد يكون مخفياً, فبعض النقاد يكتبون لذواتهم ولا ينشرون. والأسباب تُعزى إلى ضعف التكوين الأكاديمي النقدي المبني على الدراسات العلمية والنظرية والأدبية.
  • يذكر بأن الأديب "أحمد محمد المصارع", من مواليد مدينة "الرقة" عام /1953/, درس في مدارس "الرقة", ثم أكمل دراسته في "بغداد" العاصمة العراقية, وحصل على شهادة "بكالوريوس" في الاقتصاد, من كلية الإدارة والاقتصاد في الجامعة "المستنصرية" في العام /1976/, ثم عمل كأستاذ للرياضيات في معاهد تكوين المعلمين في الجزائر وليبيا.