تقطع الجبال والوديان أوصال الريف الساحلي السوري إلى أجزاء معزولة فالمناطق التي تظهر قريبة على مرمى النظر تحتاج لمسير ساعات حتى الوصول إليها، عبر طرق إلتفافية معقدة، في حين تجاوز الريفيون أبناء تلك المناطق هذه القوانين من خلال مهارتهم في السير بمهارة وخفة في ممرات صغيرة ضيقة يطلقون عليها اسم "شريك".

بعد جولة في قرية "دباش" التابعة لناحية "الفاخورة" قررت eLatakia اختبار تلك الرحلات التي كانت سلوكاً روتينياً في ماض ليس ببعيد.

نحن نسلق القمح بهذه الطريقة لنخزنه على شكل "برغل" فبعد أن يجف نقوم بجرشه وتخزينه ليصبح جاهزاً للاستخدام في أيه لحظة وهو فقط للإكتفاء الذاتي فعمله شاق كما ترون وعملنا هذا يغنينا عن الحاجة لشراء منتجات لا نعرف مدى جودتها

فإلى الشرق من قرية "دباش" يوجد طريق معبد يصلها بعدد قليل من البيوت في مكان عرف باسم حارة "بيت القرادحة"، وفي تلك الحارة الغنية بينابيعها العذبة يتلاشى الطريق المعبد بين البيوت وهناك أومت إلينا امرأة تجمع القمح المفروش على سطح بيتها وتدعى السيدة "شفيقة زاهير"- "أم علي" وسألتنا عن وجهتنا عارضة علينا المساعدة ولدى سؤالنا عن طريق آخر نسلكه قالت: «لايوجد أي طريق آخر، بل يوجد درب غير معبد، ينهي بقرية تدعى "المصيص"، ولكنه طويل وشاق، مليء بالنباتات الشائكة، ومن الصعب عليكم قطعه، ستجوعون وتعطشون، لقد سبق أن جاء إلى هنا طلاب جامعيون مع أستاذهم، وعلى الأغلب هم "جيولوجيون" فكان أن تضايقوا كثيراً لوعورتة وطوله، لقد سمعنا تذمرهم وصراخهم طوال فترة وجودهم في الوادي».

"زاهير" تجمع سليق القمح

تلازم تحذير "أم علي" لنا من متابعة المسير بدعوتها لنا لتناول بعضهاً من سليق القمح المفروش على سطح بيتها وعنه قالت: «نحن نسلق القمح بهذه الطريقة لنخزنه على شكل "برغل" فبعد أن يجف نقوم بجرشه وتخزينه ليصبح جاهزاً للاستخدام في أيه لحظة وهو فقط للإكتفاء الذاتي فعمله شاق كما ترون وعملنا هذا يغنينا عن الحاجة لشراء منتجات لا نعرف مدى جودتها».

تبعد قرية "المصيص" حارة "بيت القرادحة" ما يقارب ثلاث كيلو مترات كخط نظر، ولكن الوصول إليها عبر طريق معبد يحتاج إلى ما يقارب إثنا عشرة كيلومتراً، وكان هذا الرقم كافياً لنا لنتابع المسير عبر الدرب الضيق، الذي بدا سالكاً بين البساتين والبيادر، لكنه شيئاً فشيئاً أخذ يضيق، وتزداد وعورته، عندها كانت الأحراش قد أحاطت بنا من كل صوب. وفي الطرف الآخر من وادي "المزيرعة" كنا نراقب طريقاً معبداً صامتاً، لم نلمح فيه على مدى ساعتين سوى مروراً واحد لجرار كان ينقل بعض مواد البناء.

نهر المزيرعة

أما أسفل الوادي، فقد دفعنا بريق الماء لأن نغامر في النزول، بعد أن كنا قد اعتقدنا أن نهر "المزيرعة" قد جف. هناك شاهدنا تدفق محدود بين التجاويف الصخرية، التي حفرها النهر خلال زمن تشكله الطويل، وكانت فرصة لالتقاط عدد من الصور الجميلة لذلك المشهد.

صعوداً من الوادي نحو الضفة الأخرى، وما أن تطأ الأقدام زفت الطريق المعبد الواصل إلى قرية "المصيص"، حتى تلوح أما العابرين بعض من بيوتها، ويزداد المشهد روعة، مع انتصاب صخور كلسية في مستويات متعددة في الجبال المحيطة، فتظهر التكهفات في بطن الجبل كما ولو عاد بنا الزمن إلى عصور بعيدة، هناك يعيش الناس بهدوء وسكينة لايخترقها كثيراً صوت محرك "سيارة"، أو "جرار"، بل قد يكون صوت الريح بين الأشجار هو النغمة الأبرز، إن أطفأ أحدهم مذياعه لبرهة.

وادي المزيرعة