«في الجهة الجنوبية من شارع "المنصور"، وعلى المسار الأيمن منه، يقع مبنى "السرايا" القديمة، الذي بناه العثمانيون لغايات أمنية، ثم أعيد بناؤه عام /1928/م على يد الفرنسيين، أما من الجهة اليسرى للشارع، يقع مقهى "السرايا" الذي استمد اسمه من هذا البناء، فهو يقابله تماماً».

هذا ما قاله السيد "أحمد الخابور"، صاحب مكتبة "بور سعيد" العريقة، والتي تقع بجانب مقهى "السرايا"، وبسؤاله عن تاريخ تأسيس هذا المقهى، والتفاصيل التي أحاطت بذلك، تحدث لموقع eRaqqa بتاريخ (1/7/2009) قائلاً: «في مطلع الأربعينيات من القرن العشرين، قام المرحوم "جاسم الحاج عبو" بتأسيس هذا المقهى فوق جزء من العقار الذي يملكه في الموقع الذي وصفته سابقاً، وقد كان المقهى بدايةً عبارة عن "سيباط" طويل، بناؤه من القش والحصائر، والذي لا يقي من حر الصيف ولا برد الشتاء وأمطاره، وكثيراً ما كان الزبائن يعانون من تساقط قطرات المطر على ملابسهم عبر الفتحات الموجودة في سقف "السيباط".

لقد كان يدير المقهى السيد "عبد الرحمن الجاسم العبو"، وهو ابن مالكها، وتعاقب بعد ذلك عدد من المستأجرين لها، وأذكر منهم السيد "علاء الحسن الرملة" الذي استثمرها منذ نهاية التسعينيات وحتى عام /2003/م، وآخر من استأجرها هو شخص من الأكراد يدعى "فريد"، وقد أغلق المقهى عام /2008/م، بسبب مديونيته لمصرف التسليف الشعبي، وهو ما يزال محجوزاً حتى هذا التاريخ

وكان أهالي "الرقة" يجتمعون فيه لشرب الشاي وغيره من المشروبات الأخرى، وكذلك ليتبادلوا الأحاديث فيما بينهم، ويمارسوا بعض الألعاب الشعبية كلعبة "الطاولة" وغيرها، فقد كان الذهاب إلى المقهى وسيلة لتمضية الوقت، حيث أن تفاصيل الحياة كانت قليلة وبسيطة، ولا يوجد في "الرقة" آنذاك وسائل للترفيه عن الناس، كما أن أوقات الفراغ كانت مفتوحة على مصراعيها، بسبب قلة العمل في هذا المجتمع الزراعي البسيط.

السيد أحمد الخابور

وكان جميع رواد المقهى من الرجال، ولم يكن يسمح لصغار السن بدخوله، وقد كنت طفلاً صغيراً عند تأسيس مقهى "السرايا"، وكنت أشاهد العديد من الشخصيات الهامة في المجتمع الرقي، والذين كانوا يرتادون المقهى، وأذكر منهم الشيخ "مجحم بن مهيد" و"شواخ الأحمد البورسان" الدكتور"عبد السلام العجيلي" والشيخ "فيضي الفواز"، والذي كان يملك دكاناً بجانب المقهى يمارس فيه مهنة "العرض حالجي" أو ما يدعى اليوم "كاتب عرائض"، وكان من أوائل الناس في مدينة "الرقة" الذي مارس هذه المهنة.

وفي مطلع الستينيات من القرن العشرين، قام مالك المقهى المرحوم "جاسم الحاج عبو"، بهدم "السيباط"، ليؤسس مكانه بناءً حديثاً وضخماً، مبني من الإسمنت والحجر وذلك على كامل مساحة العقار، ومن طرائف الأمور التي حدثت أثناء عملية هدم "السيباط"، أنه صادف وجود ثلاثة رجال جالسين في دكان لصيق بالجدار الذي يستند عليه "السيباط"، فحدث أن تداعى أحد جدران الدكان نتيجة عمليات الحفر، فسقط السقف على الجالسين، إلا أن أعمدة السقف الخشبية حالت دون إصابتهم بأي أذى، وبقي أهالي "الرقة" يرددون هذه الحادثة لوقت طويل، وجميع من عاصروها ما زالوا يذكرونها بكامل تفاصيلها، ولا تسعفني الذاكرة لذكر أسماء الأشخاص الذين وقعت معهم هذه الحادثة.

المحرر جاسم العيادة مع السيد أحمد الخابور و حوار أمام مقهى السرايا

وهذا البناء الجديد، مؤلف من قبو وطابقين، فأما القبو فقد تم استخدامه كمستودعات تجارية، والطابق الأول خصص كمقهى أطلق عليه اسم مقهى "الشرق"، أما الطابق الثاني، فقد تم استخدامه كصالة عرض سينمائي، أطلق عليها "سينما الشرق"، وقد كان مالكها السيد "جاسم الحاج عبو"، بينما المستأجر والمستثمر الفعلي، فهو السيد "صالح كنُّو" وشريكه "جرجي عكل"، وقد كانت صيفية عامي /1959/م و/1960/م، ثم أصبحت بعد ذلك شتوية من عام /1963/م، وتم إغلاقها نهائياً عام /1980/م، وعادت لمالكها "جاسم الحاج عبو" لتصبح مطعماً باسم "مطعم الشرق"، حتى يومنا هذا».

وعن الدور الاجتماعي والسياسي الذي كان يلعبه مقهى "السرايا"، لدى أهالي "الرقة" يقول "الخابور": «لقد كان لهذا المقهى دور على الصعيد الاجتماعي والسياسي في محافظة "الرقة"، حيث كانت جميع الشخصيات السياسية التي تدخل منافسات انتخابات البرلمان السوري، تعقد لقاءاتها مع ناخبيها وحلفائها، في هذا المقهى، وأهم هذه الشخصيات، الشيخ "فيصل الهويدي" والشيخ "أنور الراكان" والشيخ "شواخ أحمد البورسان" والوزير والنائب الأسبق "حامد الخوجة" وغيرهم، حيث كان المقهى يغصُّ بالناس من الصباح الباكر وحتى ساعة متأخرة من الليل، وكان موعد الانتخابات يعتبر من أهم مواسم العمل في المقهى».

باب المقهى مقفل بسبب الحجز

ويضيف "الخابور" أخيراً: «لقد كان يدير المقهى السيد "عبد الرحمن الجاسم العبو"، وهو ابن مالكها، وتعاقب بعد ذلك عدد من المستأجرين لها، وأذكر منهم السيد "علاء الحسن الرملة" الذي استثمرها منذ نهاية التسعينيات وحتى عام /2003/م، وآخر من استأجرها هو شخص من الأكراد يدعى "فريد"، وقد أغلق المقهى عام /2008/م، بسبب مديونيته لمصرف التسليف الشعبي، وهو ما يزال محجوزاً حتى هذا التاريخ».