تقع قرية "مطب البو راشد"، التي تسكنها عشيرة "البو راشد"، على الضفة اليسرى لنهر "الفرات"، وعلى مسافة /62/ كم، من مركز محافظة "الرقة"، وتعتبر الحد الإداري الفاصل بين محافظة "الرقة" ومحافظة "دير الزور".

موقع eRaqqa وبتاريخ (12/7/2009)، التقى المحامي الأستاذ "محمد إسماعيل الجاسم"، والذي أعد دراسة خاصة للموقع عن قرية "مطب البو راشد"، وبسؤاله عن بداية استقرار عشيرة "البو راشد" في موقع القرية الحالي، والظروف التي رافقت ذلك، حدثنا بقوله: «كان هذا الموقع عبارة عن مكان يقضي فيه أصول الأهالي الحاليين في القرية فترة الصيف، والتي تبدأ من تاريخ انحسار مياه نهر "الفرات" عند فيضانه، وحتى أواسط فصل الخريف, وجني محصول الصيف، الذي كانوا يزرعونه آنذاك, إذ أن السكان كانوا يأتون إلى هذا المكان من مسكنهم الدائم في فصل الشتاء، والربيع على ضفاف نهر "الخابور"، في موقع كان منصوباً فيه "ناعورة" ترفع المياه من نهر "الخابور", وهذه "الناعورة" سميت آنذاك باسم "الراشدة" نسبة إلى "البو راشد".

كان الأهالي يوقدون النار في الموقد لإنارة البيت ليلاً، ومنحه الدفء، وخاصة في فصل الشتاء, ومن ثم بعد ذلك استخدموا الشحم المستخرج من الحيوانات في الإنارة، وذلك عن طريق تذويبه، ومن ثم غرس خيط "فتيل" داخله، وإشعاله بالنار فيضيء المنزل. وبعد ذلك دخلت في حياة الناس أداة إنارة جديدة، وسهلة التحضير، وعملية أكثر، ومقاومة للظروف الجوية، وهي "السراج"، أو "القنديل"، وهو مصنوع من الحديد، ويتألف من بلورة وخزان وقود، ويغمس فيه شريط عريض من قماش قطني، خيوطه ثخينة، حيث يمتص هذا الشريط الوقود من الخزان، ويتم إشعاله بواسطة أعواد الكبريت، أو القداحة. واستمر الناس باستعمال تلك الأدوات من بداية الستينيات وحتى بداية التسعينيات من القرن العشرين، أي حوالي عشرين عاماً، ودخل في حياة القرية طاقة جديدة تستخدم في عدة مجالات، ولا تقتصر على الإنارة فقط، وهي الكهرباء حيث دخلت الطاقة الكهربائية إلى القرية في تشرين الثاني من عام /1981/م، ويتم استجرارها من الشبكة العامة الحكومية

وكان الأهالي يقومون بقطع الأشجار، والنباتات التي تنبت بعد فيضان نهر "الفرات"، واستقرار الطمي الذي كانت تحمله مياه النهر, مما يمنح الأرض غنىً وخصباً, ويحفر الفلاحون الأرض بواسطة أدوات الحراثة البسيطة التي كانت تجرها الثيران والحمير, ويبذرون هذه الأرض بالذرة البيضاء والقثَّاء والسمسم والبطيخ والجبس والزغابي, وكانت الذرة البيضاء تستعمل كغذاء رئيسي, بعد جرشها بواسطة الرحى الحجرية، ومن ثم ينقع هذا الجريش بالماء، ويعجن، ويوضع على الصاج لأجل شيِّهِ, ويسمى بعد هذه المرحلة بـ"الجلف", ويوضع في إناء، ومن ثم يصب عليه لبن ويؤكل بعد خلطه باللبن.

البيت المصنوع من الطين أو اللِّبْن

وبعد نضوج الذرة البيضاء يقوم الفلاحون بقطفها وجمعها على شكل بيادر، وبعد جفافها تدرس بواسطة "الجرجر"، أو الحيوانات عن طريق الدوس، والدوران حول مركز البيدر, وبعد ذلك يقوم الفلاح بفصل حبات الذرة عن القصب، بواسطة أداة تسمى "المذراة"، والتي تستعمل لقذف الذرة مع القصب إلى الأعلى, وبواسطة قوة الرياح تفصل حبات الذرة عن القصب والمخلفات الأخرى.

ثم يجمع ويعبَّأ المحصول بواسطة عبوات على شكل أكياس مصنوعة من الغزل تسمى "العدل"، أو "الخرج"، وعبوات أخرى تسمى "الفردة"، مصنوعة من الصوف المغزول، أو الشعر, ويعود الأهالي بعد ذلك إلى منطقة "الخابور" لقضاء فصلي الشتاء والربيع, وكان لكل عائلة مكان معروف تقيم فيه، وتسمى هذه الأماكن "المشاتي", والزمن التقريبي لهذه المرحلة يعود إلى القرن الخامس عشر, وبعد ذلك استقر الأهالي في هذه المنطقة الحالية، ولم يرجعوا إلى منطقة "الخابور" بشكل دوري كما كان سابقاً, ويذكر الكاتب التركي "جنكيز أورهونيو" في كتابه "إسكان العشائر في الإمبراطورية العثمانية في الفترة الممتدة ما بين عامي /1691/ و/1695/" بأن "البوراشد" هم من سكان منطقة "الجزيرة" و"الفرات"، وأن الذي يقوم بجمع الضريبة للدولة العثمانية، هو "حمد الأزرق"، وهو مسؤول عن /150/ فرداً، وهذه الأرقام مستوحاة من أرشيف الإمبراطورية العثمانية.

منزل ريفي وإطلالة ساحرة على نهر الفرات

ويذكر بأن هذه الأرقام لا تعبر عن العدد الحقيقي لتلك العشائر, إذ أن هناك أشخاص يتهربون من دفع الضرائب، أو أن المسؤول عن جمع الضريبة يخفي عن أتباعه عدداً كبيراً، ويقوم بتوزيع الضريبة على عددٍ أكبر من العدد الذي يصرح عنه للجباة أو المسؤولين عن جمع الضريبة وجبايتها, وحسب المصدر السابق، فإن "البوراشد" ينتمون حسب قوله إلى عشائر "شاوي"، وكانوا يسكنون في المناطق المحيطة بـ"الرقة", وأن ترتيب "البوراشد" يأتي في المرتبة السادسة من بين /24/ عشيرة أو مجموعة، وهذا حسب ما ورد في المرجع السابق.

ويؤكد كبار السن لدى حديثهم عن أسلوب السكن، وطريقة العيش، التي كانت سائدة خلال القرن العشرين, بأن أسلوب الحياة كان بسيطاً, فقد كانوا يرتدون ملابس بسيطة وسميكة، مصنوعة من الصوف المغزول، ويسمى "البشت", وبعد تطور الحياة لبسوا الألبسة القماشية المصنوعة من الغزل الرفيع والناعم، والذي يسمى قماش "أبو رويشة"، ويصنع منه هذا الرداء، وهو يكون مفتوحاً من الأمام، ويشد بواسطة حزام، وكذلك النساء يرتدين رداء واحداً فقط وغطاء للرأس».

المحامي الأستاذ محمد إسماعيل الجاسم

وعن أنواع المساكن التي عرفها سكان "مطب البو راشد" في بداية استقرارهم على ضفاف "الفرات"، يقول "الجاسم": «لقد كان هناك نوعين من المساكن التي يأوي إليها الناس، وتبعاً للحالة المادية للأسرة وللفصل الزمني، حيث تتغير حالة وطبيعة المسكن تبعاً لهذين المتغيرين, لذلك فإن العائلات الميسورة تقطن في مسكن يسمى "السيباط"، وهو يبنى من أغصان الأشجار، التي تنبت على ضفاف نهر "الفرات", إذ يقوم الأفراد بقطع الأشجار وتهذيبها، وتشكيل أعمدة يتم تثبيتها في الأرض، وذلك بحفر حفرة بحدود نصف متر، ومن ثم يوضع العمود المأخوذ من جذر أو ساق أو غصن لشجرة، ويربط فيما بين تلك الأعمدة بواسطة أعمدة أخرى، أقل قطراً من السابقة، ومن ثم تغطى بواسطة نبات "السوس"، أو "الزل"، وهو يشبه "العريشة" إلا أنه أكبر مساحة منها, وهو يمنح المقيم برودة في الصيف، وظلاً من أشعة الشمس الحارقة في هذا الفصل، وهو أيضاً سهل البناء والهدم.

أما هذه العائلات الميسورة فهي تستخدم لسكناها في فصل الشتاء بيوتاً مصنوعة، إما من الشعر أو صوف الغنم، وهي بمساحات مختلفة تبعاً للحالة المادية للأسرة, وبيت الشعر يرفع بواسطة أعمدة خشبية، ويثبت بواسطة حبال، وأدوات أخرى ملحقة, وتثبت الحبال بواسطة أوتاد خشبية أو معدنية، ويلف داخل بيت الشعر "زرب" مصنوع من عيدان "البردي"، أو نبات "الطرفاء"، ويتراوح ارتفاعه بين /150/ إلى /175/سم.

وينسج بواسطة الخيوط المصنوعة من الشعر، أو الصوف، ويطرز في بعض الأحيان بواسطة خيوط ملونة تعطي "الزرب" جمالاً متناسقاً ومتانةً, ويثبت هذا الزرب بواسطة الأوتاد, وبيت الشعر يكون دافئاً في فصل الشتاء، ويمنع نزول المطر، حيث يسيل على جانبيه، ولا يسقط داخل بيت الشعر، وهو سهل البناء، والهدم، وخفيف عند الرحيل، ويصبح بيت "الشعر" دافئاً عند إضرام النار في الموقد داخله في فصل الشتاء، حيث يغلق من جميع الجهات، ويثبت "الرواق" بواسطة أدوات تسمى "الخلال"، وهو مصنوع من الحديد، وأحياناً من نبات "الطرفاء".

أما العائلة الفقيرة فإنها تقيم في فصل الشتاء في مكان يسمى "دبابة"، وهي تحفر في الأرض بشكل شبه دائري، وترفع فوق سطح الأرض بمقدار نصف المسافة المحفورة, وتغطى بأغصان الشجر، ونباتات أخرى، ويوضع فوقها الوحل, وهي تمنح العائلة المقيمة فيها دفئاً ويدخل إليها القاطن عن طريق فتحة جانبية تنحدر من الأعلى إلى الأسفل، ويصنع لهذه الفتحة درجات، لكي تسهل النزول، والصعود إلى "الدبابة"، وهي مكان لإيواء العائلات الفقيرة، التي لا تملك مقومات اقتناء بيت من "الشعر".

وبعد التطور في الحياة الاقتصادية للعائلة، انعكس ذلك على كافة مناحي الحياة، ومنها المسكن، حيث تبدل نمط المساكن، والمادة المصنوعة منها, إذ أن الناس لجأوا إلى استخدام مكونات البيئة المحيطة بهم, حيث استخدموا الأحجار الكلسية المتوفرة بكثرة في قشرة الأرض الخارجية, والتي يسهل اقتلاعها وتحضيرها لأجل بناء المسكن العائلي, وتثبت هذه الحجارة بواسطة الطين، وتسقف بواسطة الأعمدة الخشبية والقش، كما استخدم الناس "اللبن" لبناء بيوتهم، وذلك لسهولة التحضير، وتوفر المادة الأولية التي تخلط مع الطين لمنحه متانة وتماسك, وتثبت قطع "اللبن" بواسطة الوحل».

ويحدثنا "الجاسم" أخيراً عن الوسائل التي لجأ إليها سكان القرية لإنارة منازلهم قبل دخول الكهرباء، حيث يقول: «كان الأهالي يوقدون النار في الموقد لإنارة البيت ليلاً، ومنحه الدفء، وخاصة في فصل الشتاء, ومن ثم بعد ذلك استخدموا الشحم المستخرج من الحيوانات في الإنارة، وذلك عن طريق تذويبه، ومن ثم غرس خيط "فتيل" داخله، وإشعاله بالنار فيضيء المنزل.

وبعد ذلك دخلت في حياة الناس أداة إنارة جديدة، وسهلة التحضير، وعملية أكثر، ومقاومة للظروف الجوية، وهي "السراج"، أو "القنديل"، وهو مصنوع من الحديد، ويتألف من بلورة وخزان وقود، ويغمس فيه شريط عريض من قماش قطني، خيوطه ثخينة، حيث يمتص هذا الشريط الوقود من الخزان، ويتم إشعاله بواسطة أعواد الكبريت، أو القداحة.

واستمر الناس باستعمال تلك الأدوات من بداية الستينيات وحتى بداية التسعينيات من القرن العشرين، أي حوالي عشرين عاماً، ودخل في حياة القرية طاقة جديدة تستخدم في عدة مجالات، ولا تقتصر على الإنارة فقط، وهي الكهرباء حيث دخلت الطاقة الكهربائية إلى القرية في تشرين الثاني من عام /1981/م، ويتم استجرارها من الشبكة العامة الحكومية».