اشتهرت مدينة "حلب" منذ أقدم الأزمنة بدورها التجاري الكبير حيث كانت تُصنع فيها مختلف أنواع البضائع من أقمشة وسجاد وأدوات نحاسية وزجاجية وغيرها من قبل مجموعة من الحرفيين الحلبيين ليقوم بعدها التجار بتوزيعها وبيعها في مختلف بقاع الأرض، واليوم وبالرغم التطور الكبير الذي حدث للإنسان وفي جميع مناحي الحياة إلا أنّ هذه الحرف ما زالت تُمارس في مدينة "حلب" بطريقتها التقليدية القديمة وذلك بجهود أبنائها الغيارى على تراثهم وتاريخهم، ومن هذه الحرف حرفة التنجيد العربي.

بتاريخ 25/6/2009 التقى مراسل موقع eSyria في خان "الشونة" السياحي الذي يحوي مختلف محلات الحرف التقليدية في مدينة "حلب" بالحرفي "عبد القادر صباغ" الذي يمارس حرفة التنجيد العربي وسأله أولاً عن تاريخ هذه الحرفة فقال: «هذه الحرفة من الحرف التقليدية القديمة في "حلب" وكانت تُعتبر من الحرف الخاصّة التي كانت تُمارس للخلفاء والسلاطين وخاصّةً في العصر الحمداني في "حلب" حيث كان لكل خليفة أو سلطان منجّدين خاصّين يقومون بتنجيد اللحف والفرش والوسادات لهم، ومع مرور الزمن انتشرت هذه الحرفة بين العامة وفُتحت محلات خاصّة يقوم الحرفيون فيها بالتنجيد العربي للعامة لأنّ التنجيد قبل ذلك كانت من اختصاص النساء في البيوت ولم يكن يعمل بها الرجال سوى للسلاطين».

وعن تاريخ ممارسته للحرفة قال: «أنا أعمل في هذه الحرفة التي أعشقها منذ حوالي عشرين عاماً حيث تركت الدراسة في الصف التاسع وداومت في المحل مع والدي الذي تعلمت منه الحرفة».

من إنتاجه

وأضاف: «تعتمد حرفة التنجيد العربي في مراحلها التصنيعية على المواد الأولية الطبيعية مثل القطن والصوف وحرير القز ووبر الجمال، ففي البداية نقوم بشراء القطن حيث تشتهر محافظة "حلب" بزراعته والصوف من البادية السورية حيث تقوم الورشات بغسله وتنظيفه لنقوم باستعمالها في صنع الفرش واللحف والوسادات».

«في البداية نقوم بمد قماش أطلس سادة خاص وبألوان مختلفة حسب رغبة طالب البضاعة ونضع فيه القطن أو الصوف ونخيّطه، وبعد هذه المرحلة تأتي مرحلة نقش الرسمات على الأطلس وذلك بطريقة يدوية وباستعمال الإبرة حيث توجد بحسب ما هو متعارف عليه مجموعة من الرسمات القديمة مثل رسمة العثمانلية وشريط العروس وسبع برك والفرس وغيرها إذ تبلع عددها حوالي /50/ رسمة مختلفة».

من إنتاجه

«هذه الحرفة هي حرفة فنية أيضاً لذلك يجب على الحرفي أن يتمتع بحس فني رفيع، وإضافةً إلى عملنا في تصنيع الفرش واللحف والمخدات نقوم بتنفيذ المد والديكور العربي والفرش الأرضي والمراكي والسنادات في البيوت».

وعن الفرق بين منتجاته والمنتجات الحديثة قال: «الفرش واللحف والمخدّات الحديثة مصنوعة من مواد كيماوية مثل الدكرون والاسفنج الصناعي والسنتاتيك بينما المنتجات اليدوية والتقليدية فتُصنع من المواد الطبيعية الحيوانية أو النباتية التي تفيد صحة الإنسان، والجدير بالذكر أننا نقوم باستعمال حرير القز ووبر الجمال في بعض منتجاتنا التي يطلبها قسم من زبائننا وذلك بموجب وصفات طبية لهم لأنها تفيد في علاج بعض الأمراض مثل آلام الظهر».

وأضاف: «لقد قمنا بإدخال أقمشة البروكار والجاكار والصاية في صناعة منتجاتنا وذلك أعاد الكثير من النشاط إلى حرفتنا لأنها توحي إلى الروح الشرقية الأصلية وهي أنواع من الأقمشة كانت تستعمل في هذه الصناعة قديماً».

وعن الإقبال على منتجاته قال: «الإقبال جيد بشكل عام، أما السيّاح فهم يأتون إلى محلنا بهدف المعرفة فقط لأنهم لا يستطيعون شراء منتجاتنا ونقلها إلى بلدانهم باعتبارها ثقيلة وكبيرة ولا تناسب السفر الطويل».

وختم الحرفي "عبدالقادر صباغ" حديثه لموقعنا بالقول: «نحتاج إلى دعم اتحاد الحرفيين ومديرية السياحة وخاصّةً في مجال الدعاية والإعلان لهذه الحرف العريقة وكذلك في موضوع دعمنا للمشاركة في معارض ومهرجانات وخاصّةً الخارجية منها ليتعرّف العالم من خلالها على منتجاتنا التقليدية التي تمثل جزءً من تراث وتاريخ وطننا».