"دمشق" مدينة حضارية أثرية تمتاز بالخانات الكثيرة الموجودة فيها، هذه الخانات كانت بوابة لقوافل الحجاج والتجار، قد تستمر الإقامة فيها لعدة أشهر، ومن هنا كان يقتضي بناء منازل مريحة للمسافرين ومنشآت تتيح مكاناً للتبادل التجاري هذه المنازل كانت تسمى "خانات".
ولمعرفة المزيد كان لنا بتاريخ 4/4/2009 فريق "دمشق القديمة" في "eSyria" رافق السيد الحاج "مصطفى مارديني" بجولة في "دمشق القديمة"، الذي أطلَعنا بدروه على تاريخ هذه الخانات ودورها في تنشيط التجارة في ذلك الوقت قائلاً: «كان نشاط هذه الخانات يتمركز في بيوت أو خانات خاصة تقام خصيصاً لهذه الأغراض التجارية لاستقبال القوافل والمسافرين من حجاج ومهتمين بالعملية التجارية آنذاك، حيث كان يطلق على هذه الخانات فنادق وأحياناً القيسارات وتارة المنشآت، وبعض هذه الخانات كانت قد أقيمت في المدينة وبعضها عند أطرافها، أما ازدياد عملية تشييد هذه الخانات كان في العصر العثماني، وذلك بسبب تزايد النشاط التجاري وكثرة القوافل التي كانت تأتي إلى "دمشق" من كل أنحاء العالم».
كانت تقوم هذه الخانات مقام الفنادق وتشمل نواحي كثيرة منها المهنية والتجارية وتتكون أغلبها من طابقين، فالطابق الأرضي كان مخصصاً لنزول الخيول والبضائع والحجاج، أما الطابق العلوي مزود بغرف صغيرة يمكث فيها التجار والمسافرون الغرباء
يكمل الحاج "مارديني" حديثه: «كانت تقوم هذه الخانات مقام الفنادق وتشمل نواحي كثيرة منها المهنية والتجارية وتتكون أغلبها من طابقين، فالطابق الأرضي كان مخصصاً لنزول الخيول والبضائع والحجاج، أما الطابق العلوي مزود بغرف صغيرة يمكث فيها التجار والمسافرون الغرباء».
وعن تطور هذه الخانات وطريقة بنائها الهندسي فيضيف الحاج "مارديني": «تطورت الخانات والمنشآت في طريقة بنائها وهندستها حتى أصبحت في العصر العثماني أشبه بسوق مغلقة يتبادل فيه التجار بضائعهم ومشاريعهم، أطلق عليها آنذاك اسم "وكالة" انطلاقاً من أنها كانت مركزاً لجميع النشاطات التجارية لكل التجار من "دمشق" وخارجها، والخان مبني بحجارة منحوتة مزخرفة في واجهته وبوابته وجدرانه الداخلية، وهو يمتاز بوجود جناحين أو فرعين يتفرعان من باحته بوساطة دهليز أو ممر ضيق يماثل تصميم الخان ولكن بشكل مصغر».
كان حديث "مارديني" دافئاً دفء معاشرته لهذه الخانات والتجار الذين أتوا لدمشق ورحلوا منها وبحوذتهم ذكريات جميلة عن هذه المدينة وأهاليها، وخلال جلوسنا في إحدى المقاهي القديمة تحدث لنا عن الخانات الموجودة في "دمشق": «هناك خانات كثيرة وعديدة في دمشق، بعضها معروفة وأخرى غير معروفة، منها "خان الصدرانية" الذي يقع بالقرب من "قصر العظم" المشهور، وهو محاط بأروقة من ثلاث جهات وله طابق علوي مزود بممر مسقوف بالقباب وعلى جانبه الداخلي غرف صغيرة، أما بابه فهو مفتوح على "سوق البزورية" الذي يمتاز بوجود الأعشاب الطبية فيه، وله دهليز مزخرف بعقد وثلاث قباب وصحن متعامد مع الدهليز مسقوف بقبتين، و"خان المرادية" الذي يقع عند باب البريد له واجهة على "سوق الحميدية" وهندسته تبدو حديثة ترجع إلى مطلع القرن العشرين».
يتابع حديثه وهو يمعن النظر في إحدى المنحوتات على واجهة المقهى: «أما "خان الجمرك" فيقع إلى جوار خان "المرادية" وبابه مفتوح على سوق القلبقجية وهندسته عبارة عن زاوية قائمة مسقوفة بست قباب وعلى جانبي الممر سلسلة من المخازن التجارية، هذا بالإضافة إلى "خان الزيت" ويقع في الجانب الشمالي من سوق "مدحت باشا" باحته مفتوحة حيث النجوم ترقص في سمائه في الليالي الدمشقية، وفي وسطها بركة ماء محوطة بأورقة قائمة على أقواس وعواميد وطابقه العلوي مؤلف من رواق مسقوف بقباب صغيرة مزود بصف واحد من الغرف».
تحدث لنا الحاج "مارديني" عن أغلب الخانات الموجودة في "دمشق"، وبعدها انتقل بحديثه عن أهم هذه الخانات من حيث البناء الهندسي والمعماري: «أهم هذه الخانات من حيث البناء والأهمية هو "خان أسعد باشا" الذي يقع في قلب المدينة وسط "سوق البزورية" الشهير، وتسمية الخان بـ"أسعد باشا" هو لبناء والي دمشق لهذا الخان الذي استغرق في بنائه سنة وشهرين وتقدر مساحته بـ2500 متر مربع شكله شبه مربع يتألف من طابقين يحيطان بالصحن ومدخل مسقوف واجهته تحتل جانباً من سوق البزورية وتحتوي على بوابة الخان ومسجد صغير وعلى عدد من المخازن والمحلات التجارية المهمة في دمشق».
ينهي السيد الحاج "مصطفى مارديني" حديثه لنا عن هذه الخانات وأهميتها: «جميع هذه الخانات تمتاز بتقنية عالية في البناء والفن، فهي بنيت بإتقان وعناية ونرى أن فنون العمارة العربية الإسلامية متمثلة في هندسته بتطور وجمالية مختصة، فحجارته المؤلفة من اللونين الأبيض والأسود والتي استعملت في الجدران والعقود والأقواس وفي سائر أنحاء الخانات بالتناوب تدل على مدى أهمية وعمق هذا الفن المعماري الإسلامي في المشرق العربي، إن هذه الخانات أصبحت اليوم من أجمل وأروع المعالم الأثرية والسياحية الموجودة في دمشق القديمة والتي شجعت بدورها زيارة الأجانب والسياح ليمتعوا أعينهم بالفن المعماري الموجود في دمشق بلد الياسمين والإبداع».
