المعهد الإحصائي في "اللاذقية" هو الثاني من نوعه في "سورية" بعد نظيره في "دمشق"، ولإلقاء الضوء على دوره وأهمية تواجده، elatakia التقى الدكتور "مجد العلي" الحائز على دكتوراه في (تحليل نظم وإدارة ومعالجة المعلومات) بصفته مديراً للمعهد الإحصائي في "اللاذقية"، وبلقاء مطول أعطانا فكرة عن المعهد من جوانبه المختلفة.
الدكتور "مجد" ابتدأ الكلام معرفاً بالمعهد وعلومه قائلاً: «لا شك أن علم الإحصاء قد دخل اليوم كل مرفق من مرافق حياتنا اليومية، وقد أصبحت المعلومة الإحصائية البسيطة تغني عن كثير من السرد والإسهاب وتوفير الوقت والمال، الإحصاء علم له طرقه وقوانينه المتعددة وأسسه ونظرياته العلمية المرنة المتطورة، كما أن له علاقاته المتشعبة والمتبادلة بالعلوم الأخرى، فعلى سبيل المثال الباحث في مجال الاقتصاد مثلاً يستطيع أن يختبر نظرياته عن سلوك المستهلك أو علاقة المستخدم بالمنتج عن طريق استخدام الطرق الإحصائية، وكذلك الباحث في مجال الطب يستخدم نفس هذا الأسلوب لقياس كفاءة دواء الجديد لإيجاد علاقة بين التدخين ومرض معين، كما يستخدمها أيضاً الباحث في المجال الزراعي لمعرفة آثار الأسمدة المختلفة على محصول معين مثلاً.. إلخ، وهكذا كان للمعهد الإحصائي أهميته في العمل على تفعيل هذا العلم والاستفادة منه عملياً».
بالنسبة لي الانتساب للمعهد أضاف لحياتي بعداً اجتماعياً جديداً، فتجربة العيش في "اللاذقية" بعيداً عن موطني في "درعا"، أضافت على انتسابي للمعهد نكهة جميلة تنسيني الخوف من الغد لحد ما، مع أنني أتوقع أن لايوجد مسابقة ستضمنا في القريب العاجل، بل قد نضطر للانتظار سنوات أسوة بمن سبقنا من الخريجين
•ماذا عن واقع المعهد فنياً وتعليمياً ؟ وكيف تقيمونه؟
«المعهد يتبع إدارياً للمكتب المركزي للإحصاء في العاصمة، تأسس عام /1989/ بهدف تزويد المكتب المركزي للإحصاء بالكوادر المؤهلة للقيام بعمليات الإحصاء بمراحلها الأساسية التي تتضمن: التحضير للمسح بتنظيم إضبارة المسح، جمع البيانات، إدخال البيانات، ثم تحليلها، وهذه المراحل إن تم العمل على تأديتها بشكل جاد، فهي بالتأكيد ستعطي نتيجة صادقة وشفافة، بالنسبة للواقع المعماري أو الفني للمعهد الإحصائي، هو واقع ليس بأفضل حالاته، وهناك عدة أسباب لذلك، فالبنية التحتية للمبنى لا تناسب كونه مؤسسة تعليمية، فالمساحة التي يشغلها نظرياً تقارب / 2000/ م2، لكن الواقع يقول غير ذلك، حيث وجد مساحات واسعة شاغرة في المبنى ناشئة عن سوء التصميم المعماري، لا يستفيد منها المعهد بشكل فعلي أبداً، وتبعاً لحل مشكلة المساحات الفارغة تلك، بدأنا بالتفكير بإعادة هيكلة المعهد إدارياً و بناء نظام داخلي يلبي الحاجات التطورية، إن ضعف التمويل في الواقع تظهر نتائجه في جوانب أخرى أيضاً، فمثلاً لا يوجد وسيلة نقل مفروزة للمعهد، لتؤمن نقل الطلاب في جولاتهم أثناء القيام بالمسوح العملية، خصوصاً أثناء التحضير لمشاريع التخرج، هذا من الناحية الفنية أو التقنية للمعهد، بالنسبة للناحية التدريسية، المناهج التي تطبق في المعهد وإن تم تدريسها بالشقين النظري والعملي، قادرة على خلق كوادر بشرية مؤهلة لإجراء عملية مسح جادة فعالة، الخطط التدريسية نحن من نضعها للعام الدراسي، نقترحها ونرفعها للمجلس الأعلى في المكتب المركزي للإحصاء في "دمشق"، وآخر تطوير للخطة الدراسية كان منذ فترة قصيرة».
عن الأقسام التعليمية للمعهد يضيف الدكتور "مجد": «يتواجد في المعهد الإحصائي ثلاث زمر من الاختصاصات، وهي : قسم الإحصاءات السكنية، قسم التطبيقات، والحاسبات التوزيع على هذه الأقسام يتم وفق معدل الطالب في السنة الأولى، وهنا أود الإشارة أيضاً لهذه الثغرة، حيث أن هذا القانون لا يتيح للطالب الدخول للاختصاص الذي يرغبه ويجد نفسه متفوقاً فيه، وهذه تعتبر أيضاً بمثابة ثغرة لابد من العمل على تجاوزها».
عن تطورات المعهد الأخيرة يقول الدكتور "مجد": «استلمت منصبي منذ حوالي خمسة أشهر تقريباً، ومنذ البدء لاحظت عدم تفعيل القسم العملي والتركيز على النظري، فعملنا على سد هذه الثغرة الهامة، فكان أول إجراء لذلك يتعلق بمشاريع التخرج، حيث يجب أن تكون عبارة عن (مسح إحصائي متكامل) ليستوعب الطالب مزاولة العمل الإحصائي، وأيضاً ركزنا على أهمية الحاسب في رفد وتطوير العملية التعليمية، فالإحصاء قبل القرن العشرين كان مرتبطاً في الغالب بالمجالات الاقتصادية والاجتماعية المتمثلة بتعداد السكان ومعرفة خصائصهم، والأساليب الإحصائية المستخدمة كانت بسيطة بحيث لم توفر للإحصاء الأسس والمقومات الكافية لأن يصبح علماً، اليوم بفضل الحاسب وبرامجه أصبح علماً قائماً، في المعهد نعلم الطلاب كيفية استخدام برنامج الـ (spss) الإحصائي، ونسعى لزيادة عدد الحواسيب و الكادر العلمي المتميز، ونحن مازلنا نعاني من نقص في الكادر التعليمي بشكل عام، خصوصاً لأننا حريصون على اختيار النوعية الجيدة من الأساتذة، واستقطاب أساتذة كفء يتطلب تقديم مغريات مادية أو معنوية ليست متوفرة صراحة، الأمر الذي يجعل الكثير منهم يحجم عن التعليم في المعهد».
ختام لقائنا مع الدكتور "مجد" كان حول مستقبل المتخرجين من المعهد الإحصائي، وعنه يقول: «يتخرج من المعهد وسطياً حوالي /60/ خريجا غير أن هؤلاء لم يتم استيعابهم أو استثمارهم بالشكل المطلوب وفق الأهداف والرؤى التي أحدث المعهد الإحصائي من أجلها، صحيح أنه توجد في كل مؤسسة من المؤسسات الحكومية دائرة للإحصاء، لكن رغم ذلك المتخرجون ينتظرون مسابقة التعيين سنوات، وآخر مسابقة كانت عام /2002/».
الأستاذ المهندس "نبيل موسى" مدرس في المعهد الإحصائي، يقول لنا حول مهامه في المعهد: «المعهد الإحصائي من المعاهد التي تحاول تقديم شيء مفيد للطلاب والمجتمع على حد سواء، هذه أول مرة أعلم فيها هنا، أنا مختص في التحليل الإحصائي واستثمار برنامج الـ (spss) المعلوماتي، كما أنني أتابع الطلاب في مشاريعهم التخرجية، لا أحد يستطيع أن ينكر أهمية علوم الإحصاء، لكن الطلاب المنتسبون لهذا المعهد وبمعظمهم لم يدخلونه عن رغبة، بل بسبب علامات الثانوية العامة، الأمر الذي يزيد مهامنا صعوبة أثناء التعليم، نظراً لمستوياتهم العلمية الضعيفة».
من مدير المعهد الإحصائي في "اللاذقية" وأساتذته إلى أصحاب الشأن الأكبر. الطلاب وهمومهم، أمالهم وأحلامهم.
الطالب "وسيم الحاجي" من سكان "اللاذقية" سنة ثانية في القسم التطبيقي، يقول عن المعهد الإحصائي: «انتسبت للمعهد الإحصائي بسبب علاماتي، فأنا لم أدخله عن رغبة أبداً، وفي الواقع هذا حال معظم الزملاء هنا، منهاج المعهد لا أجده صعباً، والحمد لله تأقلمت مع جو المعهد بسرعة بمواده وطلابه وأساتذته، لكن في الواقع أخاف التفكير في الغد، فأنا متأكد أنني لن أجد عملاً أو وظيفة حكومية، لذا الأمل الوحيد هو القطاع الخاص».
"إيهاب العلي" من "إدلب" سنة ثانية قسم الحاسبات، شارك زميله "وسيم" الخوف من المستقبل ومصيره بعد التخرج فيقول:
«بالنسبة لي الانتساب للمعهد أضاف لحياتي بعداً اجتماعياً جديداً، فتجربة العيش في "اللاذقية" بعيداً عن موطني في "درعا"، أضافت على انتسابي للمعهد نكهة جميلة تنسيني الخوف من الغد لحد ما، مع أنني أتوقع أن لايوجد مسابقة ستضمنا في القريب العاجل، بل قد نضطر للانتظار سنوات أسوة بمن سبقنا من الخريجين».
الطالب "إيهاب دعبول" يقول عن معهده و أحلام الغد بعد التخرج مازحاً: «في الواقع لم أدخل المعهد عن رغبة أبداً، بالنسبة لمنهاج المعهد ليس صعباً لكن بنفس الوقت لا أجده يناسب معظم الطلاب هنا الذين انتسبوا إلى المعهد بسبب علاماتهم القليلة في البكالوريا، فمستوى المناهج يعتبر صعباً بالنسبة للكثيرين، بعد تخرجي لا أتفاجأ إذا طال انتظاري للوظيفة، لذا ومنذ الآن أتحضر نفسياً للبحث عن عمل، ومن يعلم قد أضطر لدخول المطبخ مع أمي لأساعدها في أعباء المنزل عوضاً عن البطالة الصعبة..! ».
الطالبة "لمى شيخ خميس" مؤيدة خوف زملائها من انتظار المسابقات التي سيطول انتظارها، تحلم بأن تكمل دراستها في التعليم المفتوح قسم (إدارة الأعمال) بعد التخرج من المعهد، وتقول عن المعهد وأساتذته: المعهد الإحصائي لا يتواجد فيه طلاب كثر، والتعامل هنا بين الطلاب والأساتذة مريح، فهي علاقة جيدة و رفاقية، وبرأي الطالب في النهاية هو من يحدد كيف يعامله أستاذه من خلال تصرفاته المسؤولة».
ختام لقائنا بالطلاب كان مع "عبد الرزاق حريري" من"درعا"، والذي وجد في المعهد ميزة إيجابية تكمن في اكتساب الأصدقاء فحسب، فبرأيه لا استفادة علمية تذكر فيه، خصوصاً أنه يعلم أنه لن يتعين في مكان يناسب شهادته، هذا إن تعين فعلاً -حسب رأيه-.
هذه كانت جولتنا في معهد له وزنه العلمي في المجتمعات المتطورة، لكن هل سيجد متخرجوه فرصتهم لتطبيق علومه ؟
