يتميز موقع "سحر" بمنطقة "اللجاة" بمعطيات أثرية هامة حول الدور الحضاري والديني الذي لعبته منطقة "اللجاة"، خلال فترة كانت مبهمة من قبل الكثير من الباحثين الأثريين الذين زاروا وتجولوا في "اللجاة".

فأغلب الآثار التي مر عليها الرحالة منذ القرن التاسع عشر يعيدون تاريخها إلى الفترات الرومانية والبيزنطية، مع إشارات غير مؤكدة إلى بعض الآثار التي يعيدون تاريخها مثلا إلى الفترة النبطية، ولقد أعطت مكتشفات موقع "سحر اللجاة" مفتاحاً لمعرفة المجموعة النحتية وتفسيرها في جنوب سورية وكان لها عدد من الدلائل التاريخية المميزة كوجود كتل حجرية ممثلة بدواليب العربات في مجموعة "سحر" النحتية، وأيضاً وجود تماثيل حيوانية مختلفة (أسود- أحصنة- نسور)، وتماثيل الخيالة الذين يرتدون القلابية الطويلة ويضعون إزاراً مربوطاً تحت الصدر وعباءة ترتد للخلف، وفي هذا المجال ذكر "سترابون" أن الإزار كان لباس النبطيين.

إن المنحوتات البازلتية في "حوران" هي ذات طابع محلي، وذات خصائص فنية تثبت تطور فن النحت في "حوران" مع تأثرها النسبي بالخصائص والقواعد الإغريقية والرومانية واحتلاله المكانة الأولى حيث يمثل الفن المعماري الحوراني، فعلى الرغم من تأثره بالفن الكلاسيكي- الهلينستي- الروماني من حيث الشكل العام، لكنه اتسم بصفات ومميزات جعلته يتميز عنها، وأدى ذلك إلى ظهور مفهوم الفن الحوراني البحت، على ضوء ذلك فإن منحوتات "سحر" يمكن تأريخها إلى فترة ما قبل الرومان وبمعنى أدق إلى العصر النبطي، لما لها من صفات محلية شرقية تطرح مسألة الهوية الثقافية لكل سورية الجنوبية، بدلالة العثور على لقى ترجع بتاريخها إلى القرن الأول قبل الميلاد، إضافة إلى الخصائص الفنية المحلية التي تتسم بها المنحوتات

للتعرف أكثر على موقع "سحر اللجاة" الأثري التقى موقع eDaraa في 15/2/2009 مدير آثار درعا المهندس "حسين مشهداوي" فقال لنا: «تقع منطقة "سحر" في الجهة الشمالية الشرقية من منطقة "اللجاة" جنوب شرق بلدة "المسمية" بحوالي 6 كم. حيث المنطقة الواقعة بين "سحر" و"المسمية" عبارة عن مساحات واسعة من الحمم البركانية، تكثر فيها الحمم والاندفاعات البركانية، حيث يبرز البازلت في كل مكان، انطلقت فكرة مشروع دراسة منحوتات "سحر" في عام 1989 عندما تم العثور على عدد من أجزاء تماثيل من الموقع من قبل مديرية أثار "درعا"، بعد أن تم نقلها إلى مستودعات الدائرة في "درعا"، وفي عام 1990وجهت الدعوة إلى البروفيسور "توماس فيبر" من جامعة "ماينتس" ألمانيا لدراسة هذه المنحوتات.

قطعة اثرية

بدأ العمل في المشروع فعلياً في العام 1998 عندما زار الموقع كلا من السادة "فيبر" من ألمانيا والسيد "ج. بوليللي" من فرنسا ( المعهد الفرنسي لآثار الشرق الأدنى IFAPO )، على ضوء ذلك وبعد تقديم طلب تشكيل بعثة أثرية للمديرية العامة للآثار والمتاحف، تمت الموافقة على تشكيل بعثة أثرية سورية – فرنسية – ألمانية مهمتها الكشف عن موقع سحر اللجاة ودراسته، بالإضافة لدراسة الآثار الجنائزية في جنوب سورية في محافظتي "درعا" و"السويداء"».

ويضيف مدير الآثار: «أتى ذكر موقع "سحر" على إثر زيارة عالم الآثار الأمريكي "بتلر" في بدايات القرن العشرين، وقد وصف الموقع بشكل جيد كموقع ديني وثني، حيث قام بوصف الموقع بأنه يتألف من بقايا مبنيين رئيسيين معبد و مدرج، تركزت أعمال البعثة فقط في الكشف عن المعبد, ولم يتم العمل في المدرج لصعوبة تنفيذ الأعمال بسبب الركام الكبير المتوضع فوق ساحة الأوركسترا، ولكن تظهر الحدود الخارجية وبعض المدرجات، ومن أثار "سحر" "المعبد" فهو ذو مخطط نبطي بالمقارنة والتشابه الكبير مع معبد "بعل شمين" في موقع "سيع" والمؤرخ في الربع الأول من القرن الأول الميلادي، كان المعبد مهدما ولكنه بحالة مفهومة من حيث الشكل المعماري والعناصر المكونة له حيث تم تمييز عدد من المنحوتات الزخرفية المعمارية المتناثرة في أرجاء مختلفة من المعبد، يتجه المعبد شمال شرق X جنوب غرب, يبلغ طوله حوالي 40 م، وبعرض حوالي 20 م وهو مقسم إلى ثلاثة أقسام ( المدخل والقاعة الرئيسية والغرفة المقدسة )، كانت الجدران ترتفع لحوالي 1 م. وتم توثيق عدد من التماثيل النحتية والعناصر الزخرفية المعمارية ويرجع تاريخ قسم منها إلى السنوات الأولى من القرن الثاني الميلادي، أما القسم الآخر فيرجع تاريخه إلى العصر النبطي ( القرن الأول الميلادي ) وبالنسبة للعناصر المعمارية الزخرفية فهي مشتركة بين العصر الروماني والعصر النبطي، ويوجد منصة في الجزء الشمالي الشرقي من القاعة الرئيسية لوضع التماثيل عليها( ارتفاعها 1 م تقريباً، أبعادها 3,25 x 3,25 م».

بعض التماثيل الاثرية

ويتابع رئيس دائرة الآثار: «بالنسبة للمدرج فيقع إلى الشرق من المعبد بحوالي 15 م ويتجه نحو الجنوب، يبلغ قطره 20 م، وقطر الأوركسترا 10,25م المنصة مدمرة تماماً، كانت الأوركسترا مملوءة بردم الحجارة والمدرج مؤلف من سبعة صفوف تفصل بينها ثلاثة أدراج شعاعية، و يوجد ثلاثة ممرات سفلية تصل إلى ساحة الأوركسترا ووظيفة المدرج مرتبطة بالمعبد وليس للتمثيل أو الألعاب، في عام 1998 وهو تاريخ بدء الأعمال في الموقع التي تركزت بالعمل على الكشف عن المعبد وجمع المنحوتات الحجرية منه، حيث كانت كميات كبيرة من ردم الحجارة تغطي كامل المعبد، وكانت عملية التنقيب عبارة عن إزالة كميات الأنقاض بعد فرز القطع المنحوتة بدقة، إلى أن يتم الوصول إلى أرضية المعبد المرصوفة بالحجر البازلتي، التي ظهرت بعض أجزائها، بالإضافة إلى إظهار حدود وجدران المعبد، فقد أظهرت بالفعل أعمال التنقيب الأجزاء المعمارية الثلاثة بعد توصيفها من جديد، وهذه الأقسام كانت تبدأ من المدخل الذي يبدأ من الجهة الشمالية الغربية، وهو عبارة عن غرفة مربعة الشكل أبعادها( 6 x 6 م )، ترتفع جدرانها حوالي مدماكين أي حوالي 1 م، أرضية الغرفة مبلطة بالحجر البازلتي المقصوب، من خلال غرفة المدخل يتم الدخول إلى القاعة الرئيسية للمعبد, وهي قاعة كبيرة تبلغ أبعادها ( 17 x 17 م) تقريباً، الجدران مهدمة على الأغلب، ولكن تظهر حدود القاعة بشكل واضح من خلال بعض الأجزاء، أو من خلال الفراغ الذي أحدث بفعل نحت الصخر الواضح ويشكل حدود القاعة، تشاهد أجزاء كبيرة من القاعة التي كانت مرصوفة بالحجر البازلتي المقصوب، ويتم من خلال القاعة الرئيسية للمعبد الدخول إلى الغرفة المقدسة، وهي عبارة عن غرفة أبعادها تقريباً ( 14 x 12 م ), الجدران مهدمة بشكل كبير، ولكن تظهر حدودها جيداً. الأرضية مرصوفة بالحجر البازلتي المقصوب، وجد في الزاوية الجنوبية الشرقية خزان مياه كان مملوءاً بعدد من القطع النحتية من أجزاء تماثيل، أهم ما ظهر من خلال الكشف عن الغرفة المقدسة هو وجود أرضيتين فوق بعضيهما، يشير ذلك إلى وجود فترتين زمنيتين شهد خلالهما المعبد عمليتي تجديد أو بقي في الاستخدام في تلك الفترات».

ويضيف مدير الآثار: «تبين من خلال اللقى التي تم العثور عليها على أرضية المعبد، أن المعبد قد بقي في الاستخدام منذ القرن الأول قبل الميلاد وحتى القرن الثالث بعد الميلاد، وكانت أهم اللقى هي مجموعة من النقود أهمها "نقدان فضيان" من مدينة "صور" اللبنانية، يعود تاريخهما إلى النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد، و"نقدان برونزيان" آخران يعود تاريخهما إلى القرن الثالث الميلادي ( أحدهم للإمبراطور "فيليب العربي"( 244-249 م)، هذا بالإضافة إلى المجموعة الفخارية التي وجدت أثناء التنقيب في المعبد والتي تدرس من قبل الجانب الفرنسي ( فرانسوا رونيل )، والتي تؤرخ إلى الفترات الواردة أعلاه ( مابين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الثالث الميلادي ). وخارج المعبد عند المدخل وجدت جرة كاملة تعود للفترة الإسلامية المملوكية، هذا يشير إلى أن المعبد قد توقف عن الاستخدام في القرن الثالث الميلادي بينما تم شغل الموقع خلال الفترة المملوكية بشكل مؤقت من قبل بعض القبائل العربية المتنقلة في منطقة "اللجاة"».

مدير الاثار بدرعا

ويقول مدير الآثار: «ربما تنتشر بعض البيوت البسيطة في الموقع ذات مخططات ريفية عادية، بعيدة عن التعقيد والزخرفة المعتادة في البيوت التي تعود إلى الفترة التي تتخلل القرون الأولى بعد الميلاد، وقد أقيمت هذه البيوت على كامل محيط المنطقة التي تتضمن المعبد والمدرج، وتتصف هذه البيوت بأنها واسعة ومؤلفة من طابق واحد على الأغلب، في موسم 2001 تم إجراء بعض الأسبار في أرضيات بعض هذه البيوت للتعرف على الفترات الاستيطانية التي مرت عليها، أو التي سكنت خلالها، ومن خلال التقارير الأولية تم التعرف على الفترات الاستيطانية الأولى وهي القرون الأولى بعد الميلاد، وأيضاً خلال الفترات الإسلامية المتأخرة (المملوكية) تم ذلك من خلال الدراسة الأولية للنماذج الفخارية المكتشفة خلال عمليات التنقيب، لقد تم العثور العديد من أجزاء التماثيل في المعبد وحوله، حيث وجدت متناثرة في الموقع حتى على بعد 500 متر من المعبد على محيطه، ذلك بعد إجراء مسح شامل للموقع بغية البحث عن أجزاء متممة للتماثيل التي وجدت في المعبد، بعد الانتهاء من عمليات التنقيب في المعبد».

ويتابع "المشهدواي": «كان العمل مجهداً في محاولة الجمع بين القطع الملتقطة، حيث بلغ عدد القطع حوالي أكثر من ثلاثة آلاف قطعة أثرية منحوتة تمثل أجزاء من التماثيل الحجرية البازلتية تعود للمنصة، أو أجزاء من ديكورات معمارية تعود للمعبد. تتفاوت القطع في حجومها ما بين عدة سنتيمترات والمتر وأكثر تقريباً.

بعد عمليات الترميم عرضت التماثيل في المعبد على المنصة، حيث تم إنشاء منصة بالأبعاد التي تم وصفها من قبل "بتلر"، وقد وضعت التماثيل على الشكل التالي: الجهة الشرقية سبعة من الخيالة على الأحصنة بأحجام وأشكال مختلفة ( قريبة جدا من الحجم الطبيعي)، خلف الخيالة يوجد فارس يمتطي حصانا أكبر من الفرسان في الأمام ومن الحجم الطبيعي أيضاً. على الزوايا نصب تمثالان لربة النصر "فيكتوريا" مرفوعان عاليا على أعمدة.

الجهة الغربية: وتضمنت أسدين يجران عربة ذات دولابين تحمل على متنها تمثالين بالحجم الطبيعي تقريبا يمثل أحدهما الربة أثينا (اللات بالعربية) والثاني غير معروف ربما "زيوس" (ذو الشرى). إلى اليسار توجد عربة أخرى غير معروفة الحيوانات التي تجرها، وأيضاً التماثيل التي تحملها. في الزوايا أيضاً توجد تماثيل للربة "فيكتوريا" مرفوعة على أعمدة كما في الجهة الشرقية يتقدمها تمثالان لآلهة غير معروفة ربما أحدها يمثل "أرتيميس" (ديانا)، ولقد أعطت مكتشفات موقع "سحر اللجاة" مفتاحاً لمعرفة المجموعة النحتية وتفسيرها في جنوب سورية وكان لها عدد من الدلائل التاريخية المميزة كوجود كتل حجرية ممثلة بدواليب العربات في مجموعة "سحر" النحتية، وأيضا وجود تماثيل حيوانية مختلفة (أسود- أحصنة- نسور)، وتماثيل الخيالة الذين يرتدون القلابية الطويلة ويضعون إزاراً مربوطا تحت الصدر وعباءة ترتد للخلف. وفي هذا المجال ذكر "سترابون" أن الإزار كان لباس النبطيين».

ويشير "المشهداوي": «إن المنحوتات البازلتية في "حوران" هي ذات طابع محلي، وذات خصائص فنية تثبت تطور فن النحت في "حوران" مع تأثرها النسبي بالخصائص والقواعد الإغريقية والرومانية واحتلاله المكانة الأولى حيث يمثل الفن المعماري الحوراني، فعلى الرغم من تأثره بالفن الكلاسيكي- الهلينستي- الروماني من حيث الشكل العام، لكنه اتسم بصفات ومميزات جعلته يتميز عنها، وأدى ذلك إلى ظهور مفهوم الفن الحوراني البحت، على ضوء ذلك فإن منحوتات "سحر" يمكن تأريخها إلى فترة ما قبل الرومان وبمعنى أدق إلى العصر النبطي، لما لها من صفات محلية شرقية تطرح مسألة الهوية الثقافية لكل سورية الجنوبية، بدلالة العثور على لقى ترجع بتاريخها إلى القرن الأول قبل الميلاد، إضافة إلى الخصائص الفنية المحلية التي تتسم بها المنحوتات».

ويختم مدير آثار "درعا" حديثه بالقول: «على الرغم من اتساع رقعة منطقة "حوران" من الشرق وحتى الغرب، ومن الصحراء وحتى الأراضي الخصبة ومن الجبال وحتى السهول، فقد كانت تشترك في إنتاج بازلتي واحد، استخدم من قبل المعماريون والبناؤون والنحاتون، ولم يستخدم الحجر الكلسي أو البرونز أو الرخام المستورد، ويمكن تفسير موقع "سحر" بأنه أحد المراكز الدينية المحلية الهامة في منطقة "اللجاة" وبالتالي في "حوران" ويعتقد أنه كان مركزاً للحج يؤمه الناس من مختلف أرجاء المنطقة العربية ويقدمون له القرابين وينحتون له تماثيل الآلهة ليعرضوها في المعبد الضخم، بدلالة العثور على نقود من مدينة "صور" اللبنانية. وكانوا يأتون إلى الموقع ويقيمون في البيوت المنتشرة حول المعبد ويقيمون الطقوس والشعائر الدينية في المعبد والمدرج، حيث أشارت اللقى إلى أن الموقع ظل قيد الاستخدام حتى القرن الثالث بعد الميلاد. سوف يتم عرض أهم ما توصلت إليه أعمال البحث والتنقيب في موقع "سحر اللجاة" خلال ثلاثة مواسم من قبل البعثة الأثرية السورية – الفرنسية – الألمانية».