تجارة المواد الغذائية في سورية عموما، وفي "ديرالزور" بشكل خاص، مهنة ظلت حتى وقت قريب جداً (ذكورية) الطابع، إذ قلما وجدنا النساء يزاولنها، اللهم إلا ما نراه في بعض الحواري الشعبية، حيث نصادف هنا أو هناك امرأة مسنّة تتعيّش من خلال بيع ما يتيسر لها من السلع الغذائية، كالسكر والزيت والصابون إضافة إلى البزر والفستق وغيرها مما يتعلق بالأطفال، وغالباً ما يتم ذلك من داخل البيت نفسه، أي باقتطاع جزء خارجي منه، وبصورة غير نظامية.

بمعنى آخر، كان للنساء الديريات (غير الموظفات)، القاطنات في المدينة، أعمالهن الحرّة الخاصة بهن، والتي أبرزها الخياطة والتطريز والنسيج والحلاقة النسائية والسكرتاريا وغيرها من المهن الناعمة، أما اللواتي كن يقطن الريف فأعمالهن أكثر مشقة وتعقيداً، وهي أعمال تتعلق بالزراعة بشقيها النباتي والحيواني، كالبذار والحصاد والقطاف والتعشيب والحلب والتّجبين وتصنيع السمن والزبدة وغيرها.

على الأغلب الرجال أصعب اصطياداً من أمثال هؤلاء، فالرجال أشطر في هذه الأمور وأكثر خبرة بالناس، إضافة إلى أن النساء طيبات وسريعات الثقة بالآخرين، لذا يقعن أكثر في مثل هذه المواقف ويؤخذن بسرعة في هذا الأمر وفي غيره

"أم عادل"، وهي سيدة أعمال أصبحت معروفة في "ديرالزور"، حاولت كسر القاعدة ومزاحمة الرجال في (الكار) الذين صنعوا بأنفسهم تقاليده وقوانينه وأنظمته، فهل نجحت في ذلك؟

أم عادل في المحل

eDiar alzor التقى بتاريخ (1/2/ 2009) بالسيدة "دلال فيلو" (أم عادل) وحاورتها في مهنتها وصعوباتها وانعكاسها على بيتها وعائلتها ونظرة منافسيها لها، وأشياء أخرى:

«لم أفكر في هذه المهنة أبداً، بل لم يخطر في بالي يوماً بأنني سأكون تاجرة مواد غذائية، ولكن وجدت نفسي مجبورة على العمل بها، فقد توفي زوجي، وكان تاجراً معروفاً في هذا النوع من التجارة، وهو صاحب هذا المحل الذي تراني الآن أعمل فيه، بقيت سنة بعد موت زوجي حائرة أمام مطالب العائلة التي تركها لي، صبي وثلاث بنات، وشيئاً فشيئاً بدأت تتراكم الديون علينا فلم أجد بدّاً من النزول إلى المحل، مستبعدة تماماً فكرة الأهل والأصدقاء بتسليمه لشخص آخر لإدارته، فالتجارب والمشاكل التي سمعت عنها لا تشجع على مثل هذا المقترح.

مع الزبائن

حدث هذا قبل ثلاثة عشر عاماً تقريباً، وتحديداً في عام 1996، وكانت البداية صعبة جداً، فأنا غير معتادة سوى على أعمال المنزل، وكانت هذه تجربة محفوفة بالمخاطر، فليست لدي أية فكرة عن الأسعار أو عن السوق، إضافة إلى أنني لا أملك أية فكرة عن المهنة نفسها، وقد احتاج الأمر مني فترة طويلة ليس لتعلم المهنة فقط، بل لرصد الديون والعودة إلى دفتر زوجي الخاص وضبط ما لنا وما علينا، أي معرفة ما تم استدراجه من التجار الآخرين في الفترة الماضية وما تم توزيعه في "ديرالزور" إلى تجار المفرق، لأن زوجي كان تاجر جملة.

كان عمري عندما بدأت العمل في المحل 42 عاماً، ولم يكن هناك من يقدر على إعانتي، فأكبر أولادي (بنت) في الخامسة عشرة، أما الصبي، وهو الأصغر، فكان عمره ست سنوات.

في بداية نزولي إلى السوق، استهجن الكثيرون وجودي في المحل، فأنا أول امرأة في "ديرالزور"تعمل في تجارة المواد الغذائية، وربما ما زلت الوحيدة، وقد حاولوا إقناعي عبر أكثر من وسيلة، وخصوصاُ أهلي، بأن هذه المهنة ليست لي، وكانت النصيحة (الذهبية) "ابحثي عن شخص ثقة يدير لك المحل"، وهذه النصيحة كان وراءها بعض التجار الذين يعملون في الجوار، والذين أبدوا استعدادهم لتحمل أعباء هذه المهمة، لكني بقيت مصرة على موقفي ومتمسكة بقراري في النزول إلى المحل وعدم تسليمه لأي شخص كان، وهذا ما حصل وأنت ترى الآن النتائج، وللأمانة، فإن تجار حلب الذين كان يتعامل معهم زوجي وقفوا معي وساندوني حتى هذه اللحظة.

ربما حققت كامرأة ما لم يستطع تحقيقه الرجال في هذا المجال، فزبائني مرتاحون جداً للتعامل معي، خصوصاً النساء، وربما هذا شجع الكثير منهن على التبضّع والنزول إلى السوق لشراء المواد الغذائية بعد أن كان هذا مهمة منزلية خاصة بالرجل».

وعن سؤالنا هل انعكس هذا على بيتها تقول أم عادل:

«من الطبيعي أن ينعكس هذا على المنزل، لكني قمت بحل الموضوع من خلال الاكتفاء بفترة عمل واحدة نهارية، تنتهي عند الساعة الثالثة ظهراً، باستثناء الأيام الأولى من كل شهر وذلك لجمع الديون، هذا النوع من العمل قضى على فراغي وأصبح كنوع من التسلية والتحلية».

وتستعيد "أم عادل" إحدى الحوادث التي لا تنساها وكيف تعرضت ذات يوم لعملية نصب على طريقة مسلسل (مرايا)، حيث تروي لنا الحادثة التالية:

«تلقيت ذات يوم اتصالاً من إحدى السيدات القاطنات في الأرياف البعيدة تسألني فيما إذا كان لدي كميات كبيرة من مصابيح الجيب (بيل)، وحددت لي نوعاً معيناً لا يصنّع سوى في العراق، وحسب ما فهمت كانت تريد مصابيح بمبلغ لا يقل عن 75 ألف ليرة، فقلت لها هذه الكمية غير متوفرة كاملة لدي، ولا يمكن استكمالها بسبب إغلاق الطرق مع العراق، فتركت رقم هاتفها وقالت إذا تأمنت لك هذه الكمية فاتصلي بي.

في اليوم الثاني جاءني أحدهم وعرض علي كمية ضخمة من المصابيح بالذات، وبسعر مغر، فاشتريتها منه ودفعت له سلفة مالية، على أن أسدد باقي المبلغ بعد أيام ريثما أصرف البضاعة، ثم قمت بالاتصال بالمرأة لاستلام المصابيح، فطلبت مهلة أيام قليلة لظرف خاص بها استدعى منها السفر إلى خارج المحافظة.

بعد أيام حضرت المرأة وعاينت البضاعة، ثم طلبت مهلة أخرى ريثما يرسل لها زوجها، الذي يعمل في الخليج، كامل ثمنها، وغادرت المحل بعد أن اشترت بعض الأشياء ومنها علبة دبس من ماركة جديدة في السوق، وكانت هذه هي القطعة الأولى التي تباع من هذا الصنف، ولهذه المرأة تحديدأً.

في اليوم الثاني جاءت امرأة ريفية إلى المحل وطلبت علبة دبس مشابهة للتي أخذتها جارتها فلانة، فسألتها بشكل عرضي عنها وعن زوجها، فإذ بي أفاجأ بمعلومات غير مطمئنة، منها مثلاً أنها غير متزوجة، وأنها سيئة السمعة والسلوك، عندها أدركت الملعوب الذي وقعت به، فكتمت السرّ بانتظار شريكها، الرجل صاحب المصابيح، الذي جاء بعد أيام مطالباً بما تبقى له من مال، فأمسكت به وهددته باستدعاء الشرطة إن لم يرجع السلفة، فأذعن صاغراً وحمل بضاعته هارباً، ثم قمت بالاتصال بالمرأة متشفية بها وبانكشاف أمرها وملعوبها.

وتعقب "أم عادل": «هذه المصابيح كانت كاسدة وقد حاول صاحبها، بالاتفاق مع هذه المرأة، تصريفها بهذه الطريقة، التي لا يليق بها سوى كلمة نصب، ولكن الله شاء أن ينقذني ويفضح أمرهما».

وعن الفرق بين الرجل والمراة في مدى ونسبة الوقوع كضحايا لمثل هؤلاء النصابين، تقول أم عادل:

«على الأغلب الرجال أصعب اصطياداً من أمثال هؤلاء، فالرجال أشطر في هذه الأمور وأكثر خبرة بالناس، إضافة إلى أن النساء طيبات وسريعات الثقة بالآخرين، لذا يقعن أكثر في مثل هذه المواقف ويؤخذن بسرعة في هذا الأمر وفي غيره».

أخيراً تشتكي "أم عادل" من الكساد الذي يضرب الأسواق، ومن غلاء الأسعار الذي انعكس على القوة الشرائية عند الناس، أما أهم سلبياتها في العمل، فهو الافتقار إلى التنظيم وتسجيل الخارج والداخل (الحساب اليومي) من البضاعة كما كان يفعل زوجها فيما مضى.