«ما تزال العملية التعليمية تشغل اهتمام التربويين، كونها الركيزة الأساسية التي تعكس مدى تقدم هذا البلد أو ذاك، فواقع العملية التربوية المتدني في محافظة "الرقة" تعكسه حالة المدارس في المحافظة، حيث باتت مشاكل التعليم جزء من النظام الداخلي لمديرية التربية، ولم يعد خافياً على أحد أن الدروس الخصوصية أصبحت البديل الأساسي للمدرسة، والتي يعتمد عليها الطالب في دراسته، ولذلك أسبابه، منها تردي وسائل التعليم وأساليبه، ودفع الأساتذة للطلاب للتسجيل في المعاهد لاتباع الدورات الخاصة، وإيهامهم أن هذه الدورات هي سبيلهم لتحقيق النجاح وتحصيل أعلى العلامات».

هذا ما أكده لموقع eRaqqa بتاريخ (17/1/2009) المدرس "محمد الشواخ"، وهو يتحدث عن واقع التعليم في محافظة "الرقة". ويضيف قائلاً: «لعل طلاب شهادتي التعليم الأساسي والثانوي هم المعنيون بهذه المسألة، لأن النجاح في الصفوف الانتقالية لا يحتاج إلى عناء كبير، ولا قيمة لتحصيل أعلى الدرجات، ومن الجدير ذكره أن هذا الواقع الذي تعيشه مدارس المدينة أقل مرارة من واقع التعليم في الريف، فبالإضافة إلى ما ذكرنا، مازالت مدارس الريف تستخدم طرق تعليم بدائية، وتعاني من نقص حاد في أعداد المعلمين، وخاصة في المواد الأجنبية والعلمية».

لعل طلاب شهادتي التعليم الأساسي والثانوي هم المعنيون بهذه المسألة، لأن النجاح في الصفوف الانتقالية لا يحتاج إلى عناء كبير، ولا قيمة لتحصيل أعلى الدرجات، ومن الجدير ذكره أن هذا الواقع الذي تعيشه مدارس المدينة أقل مرارة من واقع التعليم في الريف، فبالإضافة إلى ما ذكرنا، مازالت مدارس الريف تستخدم طرق تعليم بدائية، وتعاني من نقص حاد في أعداد المعلمين، وخاصة في المواد الأجنبية والعلمية

وتحدث الموظف "خضر الجلد" عن ظاهرة الدورات الخاصة قائلاً: «الدروس الخصوصية أصبحت ضرورة ملحة لدى أبنائنا، فالطلاب يضطرون للانقطاع عن المدرسة نتيجة إهمال المدرسين للطالب، الأمر الذي يضطرهم للعمل في المهن المختلفة من أجل تأمين مصاريف الدروس الخصوصية، ونحن نحمّل المؤسسة التربوية والقائمين عليها مسؤولية تردي الواقع التعليمي، فالمعلمين باتوا يستخدمون أساليب غريبة في سلب عقول الطلاب وجلبهم إلى معاهدهم الخاصة أو إعطائهم الدروس الخصوصية في منازلهم، إن تنقل الطالب بين المدرسة والدورة يجعله يضيع جلَّ وقته في قرع أبواب المدرسين، حيث لا يلبث أن يعود إلى المنزل وقد حل به التعب والإجهاد».

التعليم في المعاهد الخاصة

المدرس "يامن حقي" تحدث للموقع قائلاً: «لقد تم إقرار مادتي اللغة الانكليزية والفرنسية كمواد رئيسية في شهادة التعليم الأساسي، ومازالت مدارس "الرقة" تعاني من نقص مدرسي هذه المواد، وخاصة في مدارس الريف، والمسابقة الأخيرة التي عُين بموجبها /75/ مدرساً مساعداً للمواد الأجنبية لن تغطي أكثر من /30%/ من الحاجة الفعلية لمدارس المحافظة، ومحافظة "الرقة" بحاجة لأكثر من /400/ معلم لغة أجنبية لسد النقص الموجود في مدارسها، فعلى سبيل المثال هناك /30/ مدرسة ريفية لا يوجد فيها أي مدرس للغة الأجنبية، مما سيؤثر سلباً على هؤلاء الطلاب، حيث يصل الطالب حتى الصف العاشر ومستواه متدنٍ في اللغة الأجنبية، وبعد أن تم إدخال مادتي اللغة الفرنسية والإنكليزية في شهادة التعليم الأساسي، أضحت هذه الشهادة صعبة المنال بالنسبة لأبناء الريف، وستزيد هذه الحالة من انتشار ظاهرة الدروس الخصوصية في المحافظة»..!

تعتبر محافظة "الرقة" من أكثر المحافظات اعتماداً على المعلمين الوكلاء، وتعاني من نقص كبيرٍ في الكوادر التعليمية المتخصصة، وقد اعتادت مديرية التربية "بالرقة" على سد هذا النقص بتعيين المعلمين الوكلاء من داخل وخارج المحافظة، ويعاني هؤلاء المعلمون من مشاكل كثيرة تتعلق بطريقة تعيينهم العشوائية، وتأخيـر صرف رواتبهم، وعن ذلك يقول المعلم الوكيل "عبد الله السيد": «إن مديرية التربية "بالرقة" تتعامل مع المعلمين الوكلاء على أنهم معلمين درجة ثالثة، فأنا خريج كلية حقوق، وأعمل في حقل التعليم منذ أربع سنوات، ولدي أكثر من /500/ يوم خدمة، وإلى الآن لم يتم تعييني، وفي العام الماضي عملت كمدرس وفق نظام الساعات طوال الفصل الثاني، وحتى الآن لم يتم صرف مستحقاتي عن ساعات التدريس، ومديرية التربية في محافظة "الرقة" تؤخر صرف رواتب الوكلاء، فجميع مديريات التربية في القطر تصرف رواتب الوكلاء بشكل منتظم كل شهرين، أما هنا فالأمر مختلف، فراتب المعلم الوكيل يصرف وفق النظام الفصلي، ولا يحصل الوكيل على أي ميزات إضافية، كتعويض الإدارة، أو تعويض العائلة، رغم أن قرارات وزارة التربية قد أعطت المعلم الوكيل جميع هذه الحقوق».

التعليم في المدارس الحكومية

ويقول المعلم "موسى المصطفى": «مشاكل المدارس في المدينة عديدة ومتشعبة، ولكن في الريف المشكلة أكبر، فمنذ انطلاقة العام الدراسي وشكاوى مدارس الريف مستمرة، تطالب بسد الشواغر، ورفد هذه المدارس بمعلمين اختصاصيين، فأنا أدرّس في مدرسة "يثرب" الريفية، التي تبعد نحو /50/ كم إلى الغرب من مدينة "الرقة"، وهي مؤلفة من كتلتين منفصلتين لحلقتي التعليم الأساسي، ولكل واحدة منهما مشاكلها، ففي الحلقة الأولى يبلغ عدد طلاب المدرسة من الصف الأول حتى الرابع نحو /45/ طالباً وطالبة، وهم يدرسون وفق نظام الصفوف المجمعة، الذي يقضي بتقسيم الطلاب إلى شعبتين، واحدة للصف الأول والثاني، والأخرى للصفين الثالث والرابع، ويتم تقسيم زمن الحصة الدرسية إلى قسمين، بحيث يصبح زمن الحصة الدرسية /22/ دقيقة بدلاً من /45/ دقيقة، وقد أقدمت مديرية التربية على ضم الشعب منذ بداية العام الدراسي، وهذا سبب لنا الكثير من التعب وزاد في معاناتنا، ونحن كمعلمين طالبنا مراراً وتكراراً بزيادة عدد المعلمين في هذه المدرسة، وإلغاء نظام الصفوف المجمعة، على الرغم من أن بناء المدرسة مجهز، ولا تقف مشاكل الحلقة الأولى عند هذا الحد فهؤلاء محرومون من تعلم اللغة الإنكليزية لعدم وجود مدرس اختصاصي لهذه المادة في المدرسة كلها.

أما الحلقة الثانية من المدرسة وفيها أيضاً نحو /50/ طالباً من الصف الخامس وحتى التاسع، فمشاكلها أكبر، فقد ظلَّت المدرسة أكثر من شهرين دون أي مدرس مما جعل الطلاب يطالبون بالنقل من المدرسة، وبالفعل انتقل أكثر من عشرة طلاب منها منذ بداية العام».

من مدارس الرقة

إن الحالة المتردية التي وصل إليها التعليم تستدعي منا الوقوف بجرأة عند هذه المشاكل التربوية، ومعالجتها بأناة وتروٍ، وإفساح المجال للخبرات التربوية لتأخذ دورها في هذا المجال، وتعيد صياغة النظام التربوي والتعليمي، من خلال قوانين وسياسات تربوية جديدة تتماشى مع الثورة العلمية والتكنولوجية التي يشهدها العالم، كما يجب أن تلحظ وزارة التربية في خططها الأوضاع المتردية في مدارس الريف، عبر رفدها بالمدرسين الاختصاصيين وزيادة تعويضات المعلمين العاملين في الريف سواء كانوا اختصاصيين أو وكلاء، كما إن دخول القطاع الخاص إلى حقل التعليم يدفعنا لإثارة أسئلة جديدة وعلامات استفهام لمناقشة شرعية المعاهد التي باتت تغص بها المدينة.