كثيرة هي الأمثال الشعبية، التي تركها لنا أجدادنا، والتي تعكس خلاصة تجاربهم وخبرتهم في الحياة، حيث لا يكاد يوجد موقف إنساني من الممكن أن يعترض حياة الناس، إلا وقالوا فيه مثلاً صاغوه ببراعة مذهلة، معتمدين في صياغتهم على التركيز والاقتضاب، حيث أن بضع كلمات قليلة، تختصِر على السامع الكثير والكثيرَ من التجارب.
«كما أن للشعر أغراضه ومراميه، كذلك فإن المثل الشعبي له ذات الأغراض، فالحكمة وإن كانت هي الغرض الرئيسي له، إلا أنها لم تكن الغرض الوحيد في يوم من الأيام، فهناك الفخر والهجاء والرثاء، وغيرها من الأغراض، حتى أن هناك أمثالاً قيلت بهدف الترفيه والتسلية ليس إلا، ويجب الأخذ بعين الاعتبار أن الأمثال الشعبية لها نوعان، فهناك نوع جاء نتيجة موقف عاشه أو عاصره قائل المثل. وأستطيع أن أستشهد عليه بالمثل العربي القائل: (عاد بخفي حنين) أو المثل الذي يقول: (على هامان يا فرعون)، و(اليدري يدري والما يدري يقول كف عدس)، وغيرهما الكثير من الأمثال التي لا مجال لحصرها، والتي تتفق فيما بينها، على أنها قيلت جميعها إثر موقف، أما النوع الآخر فهو المثل الذي أطلقه قائله دون أن يواجه موقفاً استدعى قوله، وغالباً ما يختص هذا النوع من الأمثال بغرض واحد من الأغراض الأدبية وهو الحكمة، وعادة ما يكون قائله سواء أكان رجلاً أم امرأة، إنسان يتصف بالحكمة والرأي الحصيف، ومن الشواهد على هذا النوع من الأمثال، المثل القائل: (من جدَّ وجد، ومن سار على الدرب وصل) أو (الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك)، وكذلك المثل الشعبي (النار ولا العار).
إن هذا المثل الشعبي يتقاطع كثيراً من حيث المضمون، مع المثل الشهير الذي يقول: (على هامان يا فرعون)، والذي تحكي قصته: أن "فرعون" كان يدَّعي الربوبية، ويتظاهر أمام الناس أنه هو الذي يخلق المخلوقات، فكان إذا أتى إليه كبار الرعية يوماً ما، لزيارته، يحتجب عنهم بحجة أنه مشغولٌ بخلق الأغنام، وفي يوم آخر يعتذر بحجة انهماكه بخلق البقر، وهكذا...! وكان "هامان" وزيره المقرَّب، وهو عالم بمداخله ومخارجه وأسراره، ويعرف كذبه وادعائه، وفي أحد الأيام جاء "هامان" إلى "فرعون"، فمنعه الحاجب بحجة أن "فرعون" لا يودُّ رؤية أحد، فعاد "هامان" وجاء في اليوم الثاني وقابل "فرعون" وعاتبه على منعه من الدخول أمس، فقال له "فرعون": لقد كنت مشغولاً بخلق الإبل، فالتفت إليه "هامان" وقال له: على "هامان" يا "فرعون"
والحقيقة إن لكل نوعٍ حضوره وتأثيره على الناس في المجتمع، إلاَّ أنني أعتقد أن الأمثال التي تتكئ على حكاية ساهمت في إظهارها إلى حيز الوجود، سواء أكانت واقعية أو غير ذلك، تكون أكثر تأثيراً في نفس المتلقي، حيث أن الناس يثقون بشدة بحِكَمِ المجرِّبين، أكثر من ثقتهم بأقوال المفكرين وحِكَمِهم، ناهيك عن المتعة التي يجدونها في سرد القصة التي استدعت ظهور المثل»، بهذه الكلمات يستهل الأستاذ "عبد الكريم الجوهر" الشاعر والباحث في الأدب الشعبي، حديثه عن الأمثال الشعبية التي تقف وراءها حكايات تدلِّل عليها، وهو يتحدث لموقع eRaqqa بتاريخ (3/11/2008)، وللوقوف على معنى المثل الشعبي، الذي يقول: (اثنينَّه دافنينه سوى)، يقول "الجوهر": «إذا أردنا صياغة المثل باللغة العربية الفصحى، فإنه سيصبح (نحن الاثنان قد دفناه سويَّةً)، ويقال هذا المثل لمن أراد أن يخدع شخصاً يعرف حقيقة الأمور، ولا يمكن أن تنطلي عليه الخدعة أو الأكذوبة، وهذا المثل هو من الأمثال الشعبية الفراتية، فبالرغم من استحالة معرفة المكان والزمان الذي حدثت فيه هذه القصة، أو معرفة أبطالها، فإن اللهجة التي تمت بها صياغة المثل، وهي اللهجة الفراتية، تعدُّ قرينة تسمح لنا باعتبار هذا المثل الشعبي من الأمثال الفراتية، وتبدأ أحداث القصة التي أدت لظهور المثل على التالي: حيث كان يعيش في إحدى القرى، شابان فقيران، ليس لديهما أي عمل يكسبان من ورائه رزقهما، ولم يرثا أي شيء يذكر عن أهلهما، وقد كانت تجمعهما صداقة حميمة، فاتفقا ذات يوم على الرحيل عن القرية، وذلك من أجل البحث عن عمل، فلا بدَّ أنهما سيجدان عملاً مناسباً في المدينة، سيما وأنهما شابان قويان، ويتمتعان بقدرٍ كبير من الذكاء، وبما أن المسافة الفاصلة بين قريتهم وبين المدينة كانت مسافة طويلة، كان لا بد من وجود دابةٍ تحملهما، فاستطاعا وبعد جهد وعناء من شراء حمارٍ هَرِمٍ وبثمن بخس، وأثناء سفرهما وبعد أن قطعا نصف المسافة حدث أمر لم يكن متوقعاً أبداً، فالحمار الهرم سقط ميتاً من شدة التعب والحر، فحزن الشابان حزناً شديداً على فقدانه، فالأمر سيكون بغاية الصعوبة بدونه، فعزما على دفنه وقاما بحفر قبرٍ واسع له ووضعاه في داخله، وبعد الانتهاء من عملية الدفن، نظر أحدهما إلى القبر الذي بدا وكأنه قبرٌ لإنسان وقال ساخراً: إن هذا القبر لم يتهيأ لشيخ قريتنا "فلان"، وما أن سمع صديقه هذا الكلام حتى لمعت في ذهنه خطة غاية بالدهاء والخبث، وراح يشرح تفاصيلها لصديقه، وكانت الخطة تتمثل بأن يقوما بإقناع كل من يمرُّ بجانب القبر من أهالي القرى المجاورة، بأن الجثمان الذي بداخل هذا القبر، هو جثمان الشيخ الصالح "فلان"، وأنهما التقيا به عند موضع القبر، حيث كان على هيئة طائر، وفجأة تحول إلى هيئة إنسان، وأخبرهما عن نفسه وعن كراماته كلِّها، كما أعلمهما أنه سيموت غداً صباحاً، وكانت وصيته لهما، هي أن يدفناه في المكان الذي يموت فيه، ويبنيان فوق قبره قبَّةً لتصبح مزاراً له، ليفيض بكراماته على الناس الذين يأتون لزيارته، حاملين معهم الهدايا والقرابين ليعطوها لخُدَّام القبر وحراسه، وقد كلفهما بخدمة هذا القبر وحراسته، علماً أن لقب "شيخ" كثيراً ما يطلق عند الفراتيين، على الأولياء وأصحاب الكرامات.
وبالفعل فقد بدأا بتنفيذ الخطة، معتمدين بذلك على سذاجة أهالي القرى المحيطة بهم، وجهلهم الشديد، وما هي إلا أشهر قليلة حتى ذاع صيت قبر الشيخ الصالح وخدَّامه، وصار الشابان المحتالان يستقبلان كل يومٍ عشرات الزوار، من كافة أنحاء البلاد، حتى جمعا خلال فترة وجيزة ثروة طائلة، لم يحلما يوماً من الأيام أن يجمعا ربعها، ولكن الطمع بدأ يدخل إلى قلب الشاب الذي وضع هذه الخطة، ورأى أنه من الإجحاف أن يقاسمه صديقه هذه الثروة، وهو الذي لم يكن سوى مساعداً له، ولم يبذل أي جهدٍ في وضع هذه الخطة، فقرر أن يسرق من مال صديقه، وبعد مدة من الزمن أحس صديقه أن أمواله بدأت تتناقص، وبدأ يراقب غرفته فاكتشف أمره، وعندما واجهه بالأمر أنكر الشاب السارق التهمة إنكاراً شديداً، وكي يقنع صديقه ببراءته، اقتربَ من القبر ووضع يده عليه وقال: أقسم لك بقبر الشيخ "فلان" أنني لم أسرق شيئاً من مالك، فما كان من صديقه إلا أن قال: أيّ قبرٍ تقصد؟ أتقسم بقبر حمارنا الهَرِم؟ أتريد أن تخدعني أنا أيضاً؟ و(اثنينَّه دافنينه سوى)».
ويضيف "الجوهر": «إن هذا المثل الشعبي يتقاطع كثيراً من حيث المضمون، مع المثل الشهير الذي يقول: (على هامان يا فرعون)، والذي تحكي قصته: أن "فرعون" كان يدَّعي الربوبية، ويتظاهر أمام الناس أنه هو الذي يخلق المخلوقات، فكان إذا أتى إليه كبار الرعية يوماً ما، لزيارته، يحتجب عنهم بحجة أنه مشغولٌ بخلق الأغنام، وفي يوم آخر يعتذر بحجة انهماكه بخلق البقر، وهكذا...!
وكان "هامان" وزيره المقرَّب، وهو عالم بمداخله ومخارجه وأسراره، ويعرف كذبه وادعائه، وفي أحد الأيام جاء "هامان" إلى "فرعون"، فمنعه الحاجب بحجة أن "فرعون" لا يودُّ رؤية أحد، فعاد "هامان" وجاء في اليوم الثاني وقابل "فرعون" وعاتبه على منعه من الدخول أمس، فقال له "فرعون": لقد كنت مشغولاً بخلق الإبل، فالتفت إليه "هامان" وقال له: على "هامان" يا "فرعون"».
