في عادة كانت دارجة منذ زمن بعيد، تخرج النساء الريفيات إلى الطبيعة لالتقاط وجمع عدد من النباتات التي تنموا منفردة في بساتين السهول، أو في الحراج، والغابات تحت ظل الأشجار، فيما يعرف باسم "السليق".

و"السليق" هي عادة غذائية درج الناس على ممارستها في مواسم محددة، فمع أول أمطار الخريف، تتفتق الأرض بعدد لا يحصى من النباتات العشبية، من فصائل مختلفة، بعضها لا يؤكل، وله مضار، ولكن كثير منها يدخل في أطباق شهية، تميز المطبخ الريفي، بل إن ما يظنه البعض سماً، هو طبق شهي لدى آخرين، حيث تخرج النساء في الصباح الباكر، لجمع ما تجود به الأرض من نباتات أو فطور، خبرنها جيداً، وعرفن لذة طعمها.

نحن نسميه "سم الأفعى" أي انه يستخدم لقتل الأفاعي لشدة سميته، وهو غير صالح للأكل على الإطلاق

تنتشر هذه الظاهرة في أغلب مناطق سورية، وهي رائجة جداً في الساحل السوري الغني بنباتاته وأعشابه، لكن لكل مدينة أو منطقة فيه نظرتها، وطريقتها الخاصة في التعامل مع تلك النباتات، سواء من ناحية النوع، أو التسمية، أو طريقة الإعداد.

الرجال أيضاً يساعدون في السليق

فاللاذقية، وطرطوس، الجارتان اللتان تتشاطران ذات البحر، وتتقاسمان ذات الجبال، وذات البراري ليستا نسختان متطابقتان بكل شيء، وأهلهما يختلفون في كثير من الأشياء، ومنها طريقة الاعداد واختيار مكونات الطبق عدا عن الاختلاف الحاد في التسميات، وأحياناً نوع النباتات المختارة.

eSyria تنقلت في المحافظتين، في محاولة لكشف أوجه التشابه، أو الاختلاف بين كلا الريفين، ففي اللاذقية التقينا بالسيدة "ليلى فضه" بتاريخ 25/11/2008من قرية "بكسا" التي حدثتنا عن أنواع كثيرة جداً من النباتات التي تشترك مع بعضها بذات الطريقة في الإعداد للأكل وعن ذلك تقول:

نبات التغنيمة أو بخورة مريم وتسمى أيضاً غريبولة

«ان أغلب ما نقطفه من الأرض نصنع منه طبقان أو ثلاثة، على مائدة الطعام، كما أن أغلب الأنواع التي نقطفها تؤكل نيئة، عدا القليل منها.

"الخبيزة"، و"الحبيطونه"، و"المسيكة"، و"الحميضة"، و"لبيس القطة"، و"الغريبولة" هي تطهى تماماً كما يطهى السلق، وبعضها أيضا يوضع في الفطائر، والبعض أيضا يضيف القليل من البرغل، ولكنها جميعاً تشترك في طريقة الطهو، وتختلف بالطعم.

نبات العجرم

ومن ناحية أخرى تسلق "الهندباء" وتقطع مع الثوم، و الحامض، في طبق خاص، كذلك "البقلة" فهي تسلق، وتمزج مع الثوم، واللبن، في طبق يميز فصل الصيف. أما باقي النباتات فتؤكل نيئة كمكون ثانوي على المائدة، كـ"الجرجير"، و"غناج الليل"، و"البقلة" و"الرشاد" ولكن أميزهم ما يصنع له طبق خاص جداً وهو "القريصة" أو "قرص عنة" حيث تدخل هذه النبتة كمكون رئيسي مع الحامض، والثوم، وأحياناً الطحينة».

رفضت السيدة "فضة" الحديث عن "اللوف" قائلة: «نحن نسميه "سم الأفعى" أي انه يستخدم لقتل الأفاعي لشدة سميته، وهو غير صالح للأكل على الإطلاق»

إن أسماء النباتات التي تستخدم على المائدة في ريف اللاذقية كثيرة، ولا تحصى، وعندما اتجهنا جنوباً، بدأت ملامح الاختلاف تظهر، فمن الناحية الخارجية لايختلف المشهد في ريف طرطوس كثيراً بل أن النباتات التي يقطفها الريفيون في طرطوس قد تكون اقل تنوعاً، ولكن التمايز يظهر في تقنيات الطهو التي تعد طرق أكثر وتعقيداً».

ومن قرية "الصفصافة" التقينا بالسيدة "فاطمة شدود"، التي شرحت لنا طريقة طهو أنواع كثيرة من الطعام قائلة: «"الشبشولة" وهو الاسم الطرطوسي للهندباء، تسلق، وتقطع مع الحامض والثوم، أما "قرص عنه" أي "القريصة" كما يسميها اللاذقيون، فهي تقطع أو تهرس، وتمزج مع الحامض والثوم والطماطم، أيضاً "الخبيزة" و"الحميضة" تطهى كما يطهى "السلق"، أما "القسيطة" فتحمس أو تطهى مع الحمص، و"الدغنيمة" أي "بخورة مريم" تطهى كما يطهى ورق الكرمة، ملفوفاً للبرغل أو الرز، وأوراق "الجنار" تطهى ملفوفاًَ أيضاً وهناك أنواع أخرى من النباتات كالـ"الدخسنة"، "الكليبة" لكل منها طريقة مختلفة في الإعداد».

وقد تحدثت السيدة "فاطمة" عن "اللوف" باعتباره طبقاً شهياً، شارحة طريقة طهوه بالآتي: «يقطع "اللوف" وينقع بالماء المالح حتى يذبل، وتخرج منه المادة المؤذية للفم، ثم ينقل إلى وعاء آخر، حيث يغمر بالزيت، ويضاف إليه "السماق" الذي ينقع بالماء لمدة طويلة، ويترك حتى يغلي، قبل أن يضاف اليه البرغل، أو الكشك. يحتاج "اللوف" الى ثمان ساعات وهو يغلي على نار هادئة، لكي تخرج منه المادة السامة، وهو مفيد جداً لجسم الإنسان، وينظفه من الأوساخ"»

ابتعدنا عن الجدل الأزلي بين الطرطوسيين واللاذقيين عن موقفهم من "اللوف" فالقينا السيدة "سوسن بدر" التي حدثتنا عن أفضل أوقات السنة لقطاف وجمع هذه النباتات قائلة: «إن أفضل فترة لقطف هذه النباتات هو فصل الربيع، ولكن بشكل عام فهي تبدأ بالظهور بعد أقل من شهر من سقوط الأمطار الأولى في فصل الخريف، وبالتالي أن الفترة الممتدة من منتصف شهر تشرين الثاني، وحتى الربيع، هي فترة مناسبة لجمع تلك النباتات باختلافها».