قدمت الفنانة الألمانية "ميريام غولد سميث" عرضاً مسرحياً بعنوان "فاروم فاروم: لماذا لماذا؟" من إخراج "بيتر بروك".. تم تقديم العرض على مدى أربعة أيام بين(17 و20/9/2008) على مسرح "فواز الساجر" في المعهد العالي للفنون المسرحية، وهذه المرة الثانية التي تستضيف فيها "دمشق" عرضاً مسرحياً من إخراج "بروك" بعد مسرحية "المفتش الكبير" التي عرضت بدار "الأسد" للثقافة والفنون في شهر حزيران/2008م/ وذلك ضمن فعاليات احتفالية "دمشق" عاصمة الثقافة العربية.

وتعتبر "فاروم فاروم" بحثاً في المسرح لـ "بيتر بروك" بالاعتماد على مجموعة نصوص لكبار مبدعي المسرح في النصف الأول للقرن العشرين وهم: "أنطون آرتو"، "إدوارد غوردن كريغ"، "شارل دولان"، "فزيفولود إميليفيتش مايرخولد"، "زيامي موتوكيو" بالإضافة إلى "وليام شكسبير".

من أكون؟ من كنت؟ لماذا أحيا؟... كيف نجعل ماهو مرئي غير مرئي؟..

وضع صيغة المسرحية كلاً من "بروك، وماري إلين إستين" وترجمتها إلى الألمانية ومثلتها: "ميريام غولدن شميت" في فضاءٍ مسرحي مقتصد هو عالم "بروك" المسرحي بعد مسيرة حافلةٍ بالإخراج زادت على الستين عاماً قدم خلالها أعظم الأعمال المسرحية لكبار كتاب المسرح في العالم بأركانه الأربعة ثم عاد إلى بساطة العمل المسرحي وكشف عن جوهره بأبسط الأدوات وأكثرها كثافة في التعبير، يقتصر فضاء "بروك" المسرحي في "فاروم فاروم" على كرسي متحرك قد يشير إلى الآخر أو يحتوي جسداً أو حياة أو يرمز إلى عالم مصغر، وإطار خشبي يأخذ دور البوابة أحيانأ أو يغدو عرشاً ملكياً أو يعبر عن دورة الحياة أو تعاقب الفصول.. أما الحوار فهو رواية متعددة الفصول والمشاهد عن عالم اسمه المسرح، ومجموعة تساؤلات عن كنه هذا الفن الرفيع الذي اجتذب مئات الكتاب والمخرجين والممثلين على مدى آلاف السنين وصولاً إلى عصرنا الحالي.. هذا الحوار ليس أحادياً أبداً بل يتبادل أطرافه كلاً من "ميريام" بالكلام والحركة، و"فرنشيسكو آنجيلو" بالنقر على آلة إيقاعية نحاسية تارة والصمت والإيماء تارة أخرى.

«أمامنا مكان بلا شكل أقرب ما يمكن إلى مربع ثابت، فيه كل شيء ثابت.. في الخلفية يبدو وكأن شيئاً ما كان.. الأرض بلا قاع والسقف بلا سطح، وبينما نمعن النظر في بؤرة الفراغ تتراءى ذرة تظهر كفقاعة صابون... كيقظة فكرة منسية في الحلم..» بتلك الكلمات بدأت "ميريام" المسرحية لتتوالى الأسئلة عن أسرار المسرح والحياة: «من أكون؟ من كنت؟ لماذا أحيا؟... كيف نجعل ماهو مرئي غير مرئي؟..» وقد تقود الأسئلة إلى شهادات عن هذا العالم لمن جربوا المسرح واختبروه طويلاً: «المسرح سلاح خطير يفضل ألا يلعب به الإنسان..» ولمن يبحث عن الأدب في المسرح هناك من يقول بأن هذا الفن هو خلق للترفيه: «إذا كنت تبحث عن الأدب اذهب إلى بيتك فوراً..» هكذا كانت تتدفق الكلمات على لسان "ميريام" مع أداءٍ مسرحي أخاذ تنوعت فيه ألوان الكوميديا والتراجيديا والتأمل على مدى ساعة من الزمن وصولاً إلى تساؤل "بروك" الأخير الذي يرى فيه حقيقة العمل المسرحي وجوهره: « لماذا؟».

وحول هذا العرض المسرحي استطلع موقع "eSyria" رأي الدكتور "أسامة غنم" الأستاذ في المعهد العالي للفنون المسرحية الذي قدم لنا هذه القراءة النقدية الموجزة قائلاً: «بعد عمر كبير من الممارسة المسرحية زاد على الستين عاماً، قدم "بيتر بروك" مونتاجاً لمجموعة من كتابات المبدعين المسرحيين فيها شيء كبير من الحساسية، ومنها ما يعبر عن جوهر المسرح، وأوكل لـ"ميريام غولد سميث" الممثلة الألمانية ذات الأًصول الأمريكية الأفريقية والتي تعتبر منذ سنواتٍ طويلة من أعمدة المسرح الخاص به، أوكل إليها مهمة منح جسدها لهذه الأفكار وصولاً إلى نصه الأخير الذي يرى فيه المعنى الحقيقي للمسرح وهو سؤال: "لماذا؟".. أي أن جوهر الإخراج المسرحي بالنسبة لـ"بروك" هو سؤال عن الحياة والفن. هذا العرض هو أقرب إلى البحث المسرحي، هو شهادة نهائية لـ"بروك" عن معنى هذا الفن المركب والهش الذي اسمه "مسرح"، والذي ما زال حياً منذ آلاف السنين رغم الحضارة الرقمية، فمنذ عشر سنواتٍ تقريباً يعتبر "بروك" أن كلمة إخراج لم تعد تعنيه، ولم يعد له مواقف مباشرة من الأشياء.. لم يعد لديه بحث إلا وأنجزه، وهذا العرض ربما يعتبر وصيته الأخيرة..» وحول تقنية الأداء في العرض قال د. "أسامة": «إنه غني بالأداء الحركي، فضلاً عن الحوار الذي يجري بين الممثلة والموسيقا، مع وجود إطار خشبي يتم اللعب عليه كثيراً.. العرض في النهاية مونتاج لأكثر من /25/ نصاً، من ضمنها ثلاث قطع لـ" شكسبير": من "حلم ليلة صيف، وتاجر البندقية، والملك لير"، ويوجد فيه مقاطع مضحكة وأخرى ذهنية جداً، وهو ليس سهلاً بالمرة ويمكننا اعتباره موجهاً لأهل الاختصاص، لذلك تم اختيار مكان العرض بعناية المعهد العالي للفنون المسرحية..»

ولكن من هو "بيتر بروك"؟: «هو واحد من فناني المسرح الأكثر تأثيراً في العالم منذ منتصف القرن العشرين. قراءاته لمسرحيات "شكسبير" غدت أسطورية وغيرت من رؤيتنا للشاعر نفسه بشكل عميق. كتابه "الفضاء الفارغ" المنشور عام /1968م/ وبيانه "من أجل مسرح متجدد" كان أساساً لتطور ما زال يؤثر على فناني المسرح في العالم منذ أربعين سنة بعد نشره، والكثير من إخراجاته غدت كلاسيكيات لا تنسى مثل "الأبك،المهابهاراتا، والرجل الذي"، أما عمله الأحدث

"فاروم فاروم" فيعتبر تطوراً يمضي أبعد فأبعد في خط هذه المسرحيات/البحث.

ولد "بيتر بروك" في "لندن" سنة/1925م/ أخرج مسرحيته الأولى سنة /1934م/ وبعدها أخرج ما يزيد على السبعين مسرحية في "باريس، لندن، ونيويورك".. أخرج للفرقة الملكية الشكسبيرية تسع مسرحيات بين عامي/1946-1978م/.

أسس في العام /1971م/ المركز الدولي لأبحاث المسرح في "باريس"، وسنة /1974م/ افتتح قاعدته الدائمة في مسرح "البوف دي نور".. أخرج عدداً من عروض الأوبرا وستة أفلام سينمائية، نشر سيرته الذاتية في كتاب "إنسو الزمن" عام /1988م/ وله عدد من الكتب المنشورة بين عامي/1968و2002م/.

أما الممثلة "ميريام غولد سميث" فمثلت في العديد من عروض "بروك" وآخر تعاونٍ بينهما كان في مسرحية "بيكيت": "الأيام السعيدة" عام/2003م/.

موقع"eSyria" رصد انطباعات "ميريام" عن زيارتها لمدينة "دمشق" وخصوصية العرض الذي قدمته فيها، فأجابتنا باختصار: «المسرح جميل جداً.. والعرض في مسرح بهذا الارتفاع كان تجربة جديدة بالنسبة لي إلا أنها كانت استثنائية، الجمهور رائع هنا ويتمتع بتركيزٍ عالٍ..» وختمت بالقول عن "دمشق": «لم يتسنى لي التجول في هذه المدينة بعد.. لكنني كنت أختلس النظر إليها من وراء شبابيك السيارة أو الفندق، وبدت بالنسبة لي جميلة وديناميكية، وأكثر ما أثار فضولي أصوات الموسيقا الآتية من بعيد والتي تجمع بين موسيقا الشرق والأنواع الموسيقة المعاصرة السائدة في العالم.. هذا ما أفصحته لي "دمشق" من ملامحها إلى الآن..»