كشف المتحف الوطني بـ"دمشق" عن روعة فن النحت الأموي من خلال عرضه لمجموعة من التماثيل التي كانت تزين واجهة قصر"الحير الغربي" في "رصافة بني هشام" الذي تم اكتشافه في ثلاثينيات القرن الماضي ..

تعرض التماثيل الستة أمام زوار القاعة "الشامية" بالمتحف ضمن تظاهرة "ألف تحفة وتحفة" التي يتم تنظميها منذ مطلع العام الحالي/2008م/ بالتعاون مع احتفالية "دمشق" عاصمة الثقافة العربية، ويستمر العرض حتى أواخر شهر أيلول الجاري (9/2008).

تدل اكتشافات قصر "الحير الغربي" على أن المعماريين في الفترة الأموية وهم من العرب - بدلالة وجود أسمائهم منحوتة على واجهة القصر- عمّروا القصور بنفس المفهوم السائد في المنطقة وبتأثيراتٍ حضارية سابقة سادت في مناطق" تدمر، والحيرة، والحضر.. وغيرها.. لكنهم في ذات الوقت أسسوا لولادة فن العمارة الإسلامي الذي عرف فيما بعد وهذا في غاية الأهمية..

وربما تكمن أهمية المعرض في أنه يدحض الفكرة السائدة حول غياب المنحوتات البشرية عن الفن الإسلامي، فجميع التحف المعروضة هي لوجوه وأجساد بشرية منها ما كان يزين واجهة قصر "الحير الغربي" الداخلية وهي أجزاء من منحوتات تمثل: رجلاً ملتحٍ في وضعية الوقوف، وشخصاً يحمل في يده اليمنى كرة، وفتى يحمل بيده اليسرى ما يشبه مروحة.. بينما عُرض تمثالان آخران هما أيضاً أجزاء من منحوتات وجدت في قصر "الحير الغربي" دون تحديد مكان وجودها بالضبط وتمثل: رجلاً في وضعية الوقوف، وفتى يضع يديه حول خصره، والتحفة الأكبر هي جزء من نحت بارز لامرأة ترتدي قميصاُ تظهر ياقته عند الرقبة، وتحمل بيدها اليسرى حمامة بينما تمسك إحدى ضفائرها بيدها الأخرى، وتزين أذنيها مجموعة من الأقراط كروية الشكل، وتم تنفيذ العينين بشكلٍ جاحظ للدلالة على قوة النظرة.

قدمت للتحف المعروضة د. "منى المؤذن" مديرة شؤون المتاحف بوزارة الثقافة السورية في (5/9/2008)، وذلك بحضور عددٍ من المهتمين الذين اعتاد العديد منهم حضور هذا النشاط الذي ينظمه المتحف الوطني بـ"دمشق" شهرياً، ومنهم من يأتي من الدول الأجنبية والأقطار العربية المجاورة لسورية..

وعن المفارقة التي تمثلها التحف المعروضة فيما يتعلق بالمفهوم السائد عن فن العمارة الإسلامية قالت "د.منى" لموقع eSyria: «تدل اكتشافات قصر "الحير الغربي" على أن المعماريين في الفترة الأموية وهم من العرب - بدلالة وجود أسمائهم منحوتة على واجهة القصر- عمّروا القصور بنفس المفهوم السائد في المنطقة وبتأثيراتٍ حضارية سابقة سادت في مناطق" تدمر، والحيرة، والحضر.. وغيرها.. لكنهم في ذات الوقت أسسوا لولادة فن العمارة الإسلامي الذي عرف فيما بعد وهذا في غاية الأهمية..»

د. منى المؤذن

وتم تضمين العرض التقديمي للتحف المعروضة في كتيب خاص تم توزيعه على الحضور، وشمل لمحةً عن تاريخ اكتشاف قصر "الحير الغربي":« بدأت أعمال التنقيب عن بقايا قصر الحير الغربي اعتباراً من عام /1936م/ على أيدي بعثة فرنسية برئاسة د." دانيال شلومبرجه" وبعد دراسته تبين أنه من أجمل قصور بني أمية في بادية الشام فظهرت فكرة إعادة إنشاء جناحٍ خاص له في متحف "دمشق"، وقام الأثريون والمهندسون والفنيون والعمال السوريون بإظهار هذه التحفة من جديد وعلى رأسهم د. "نسيب صليبي" الذي رافق هذه الأعمال التي استمرت مدة أربعة عشر عاماً، تحولت بها ألوف القطع الجصية المحطمة إلى جناح كامل يحوي أهم الآثار العربية الإسلامية، وتؤلف واجهة القصر المدخل الأساسي للمتحف الوطني ، وتم افتتاح هذا الجناح في 28/8/1950م...» و يقد الكتيب وصفاً تاريخياً مختصراً لبادية الشام التي احتضنت آثار القصر، ويفصّل الكتيب في وصف عمارة القصر الذي يعود تاريخه إلى/109هجرية/-/727م/ ويعتبر جزءاً من مجموعة معمارية مدنية متكاملة كان قصر"الحير الغربي" من ضمنها المنشأة الأضخم والأجمل، تشمل المجموعة خاناً وحماماً وسداً وبستاناً ومستودعات مياه وتقع في واحة تبعد /80كم/ إلى الجنوب الغربي من "تدمر". ويختم الكتيب برأي للدكتور "سليم عادل عبد الحق" حول القيم الفنية المعتمدة في بناء قصر "الحير الغربي"، تم نشر هذا الرأي في العدد الأول من مجلة "الحوليات الأثرية" الصادرة في العام /1951م/ الصفحة الخامسة، ويحدد بعض الخطوط العامة لهذه القيم ومنها: «التنظيم مع التوزيع خاصة فيما يتعلق بتوزيع أقسام القصر بشكلٍ متناسق حول الباحة السماوية، واعتماد التناظر في الزخرفة، والتداخل بين الزخارف النباتية والهندسية وخاصة في الأفاريز، والتنويع الكبير في التصاميم والتي تجلت من خلال الكم الهائل للزخارف الجصية المخرمة، والتي تعتبر المهد الأول للأشكال الزخرفية العربية الإسلامية "الآرابيسك"، واخيراً العرض الكامل للحياة الفنية الإبداعية من خلال مجموعة هائلة من التماثيل الإنسانية أو الحيوانية أو النحت البارز لأشكال نباتية أو اللوحات الملونة(الفريسك)...».