تعتبر بلدة "القريّا" من البلدات الكبرى في محافظة "السويداء"، التي تقع جنوب مدينة "السويداء" على بعد حوالي /16/ كم، وهي تقع أيضا شمال شرق مدينة "بصرى الشام"، وترتفع عن سطح البحر حوالي /1050/ مترا، ويبلغ عدد سكانها اليوم أكثر من /15000/ نسمة.
eSuweda وأثناء بحثه في أثار القرية التقى الأستاذ "حسن حاطوم" مدير الآثار السابق (6/9/2008) الذي حدثنا عن بلدة "القريا" بقوله: «إن الروايات المدونة تذكر في كتب التاريخ أن بلدة "القريا" قد بنيت في العصر الغساني، مع أن الكتابات اليونانية التي وجدت فيها تدل على أن بركة مياه كبيرة وهامة قد بنيت فيها خلال عام /294/ ميلادي من قبل سكان البلدة، أي ما قبل العصر الغساني، ولكن يرجح أن "الغساسنة" قد جعلوا منها مركزاً هاماً لذلك ذكرهم التاريخ فيها، وبالنسبة للتنظيم السكاني فيها فيظهر أن أراضي بلدة "القريا" الزراعية كانت ممسوحة منذ ذلك التاريخ، فهي تتضمن حقولاً كبيرة وصغيرة وهذا دليل على وجود أملاك عامة وخاصة، ويعني أن ما نسميه "الجذار" وهو أرض حول البلدة كانت أملاكاً خاصة، والباقي أملاكا عامة، ولكن معالم البلدة اليوم قد تغيّرت كثيراً، وخاصة معابدها وكنائسها وقصورها ومنازلها الكبيرة الفخمة، كما أن بركتها العظيمة قد ردمت في أواخر ستينيات القرن الماضي».
لقد انتشرت في بلدة القريا القديمة عبادات قديمة خصصت لها معابد الآلهة "اللات" و"تياندريوس" التي زالت أغلب معالمها اليوم
ويتابع الأستاذ "حاطوم" عن وصف مدينة "القرية" تاريخيا بالقول: «يذكر الباحث "ج.ل.بركهاردت" في كتابه "رحلات في سورية والأرض المقدسة" 1810-1812، وضمن فصل "جبل حوران" في القرن التاسع عشر، الذي ترجمه المرحوم "سلامة عبيد" أن "القريَّا" بلدة تحتوي على ما يقارب خمسمئة بيت، وتقوم حولها خرائب تدعى: "العيِّن، نمري، بكه، حوط، سحاب، أم الرمان، الرافقة" وهناك أيضا مناطق حولها تسمى "هشهش" أو "حزحز" وهي كومة خرائب في سهل فوق تل».
أما عن الآثار ما قبل "اليونان" و"الأنباط" فيقول الأستاذ "حاطوم": «جرت أعمال بحث وتحرٍ في مناطق جبل العرب عن الآثار العائدة إلى إنسان ما قبل التاريخ والعصور التاريخية، أي خلال الفترات الواقعة ما بين /8000/ قبل الميلاد وحتى عصر العرب "الأنباط"، حيث قامت بعثة سورية- فرنسية بذلك ما بين عامي 1983-1987، وقد تم العثورعلى العديد من "اللقى الصوانية والفخارية" العائدة إلى تلك العصور، وهذا دليل واضح على السكن القديم للإنسان واستقراره في ربوع تلك المناطق، أما بالنسبة للآثار النبطية فقد تم العثور على كتابة نبطية منقوشة فوق بلاطة حجرية بازلتية مكونة من أربعة أسطر، في خربة "دفن"، تعود إلى القرن الأول الميلادي، وهناك نص مترجم في ذلك يقول: هذا المعبد المبني من قبل "موشقارات" وابن الملك من أجل "ذو الشراة" إله رب "إيل"، ملك بلاد الأنباط الذي عمل على إحياء وإنقاذ شعبه خلال العام العشرين من حكم سيدنا رب "إيل" الملك، وقد تم عرض هذه الكتابة مع مجموعة من القطع الأثرية الأخرى في معهد العالم العربي في "باريس" بين عامي 1995-2001، وعن الآثار الرومانية والبيزنطية يتابع السيد "حسن" بالقول: «من الشواهد الهامة الباقية على العصر البيزنطي هي "أعمدة البركة" مع الكتابة التأسيسية لها والعائدة إلى عام /294/ ميلادي في عهد الإمبراطورين "غالير وديوكليسيان"، ويحتمل أنها ما تبقى من معبد كان مخصصاً لآلهة "حوريات الماء"، وقد أفادنا مؤخراً بعض الأشخاص في البلدة عن وجود مبنى صغير قرب البركة كان يدعى "الحاوز" والذي كان مزوداً بأقنية ومزاريب توزع المياه بواسطته إلى البركة ومنازل البلدة وقد زال هذا الأثر وردمت البركة. وهناك بقايا برج مرتفع كان جزءاً من منزل كبير، وقد استخدم كبرج مراقبة خلال العصر البيزنطي، كما توجد أطلال لبعض المنازل الفخمة التي بينت خلال العصرين الروماني والبيزنطي».
أما الدكتور "علي أبو عساف" الباحث في الآثار فقد قال عن آثار القرية: «في بداية سبعينيات القرن الماضي قام الأستاذ المرحوم "غالب عامر" رئيس دائرة الآثار وقتها بأعمال تنقيب وكشف عن إحدى المقابر ضمن عقار عائد لآل "شلهوب" في البلدة، فعثر على مجموعة كبيرة من "اللقى الهامة" التي كان من بينها "أساور برونزية" جميلة و"أدوات طبية" وقد شاركت هذه اللقى فيما بعد في معرض الآثار الدولي في باريس عام/2001/. الذي كان بعنوان "أنا زنوبيا ملكة تدمر"، ولا شك من خلال هذه اللقى التي تضمنت أدوات طبية أن بلدة "القريّا" قد لعبت دوراً هاماً خلال التاريخ القديم منذ عصور ما قبل التاريخ وعصور البرونز وحتى العصر العربي الإسلامي، ولا ننسى أن بلدة "القريا" كانت مرتبطة بمدينة "بصرى" عاصمة الولاية العربية منذ بدايات القرن الثاني الميلادي، والدليل على ذلك وجود الكنائس التي مازالت معالمها باقية حتى الآن، أما في العصر الإسلامي فيبدو أن القرية قد تبوأت مكانة هامة لقربها أيضا من مدينتي "بصرى" و"صلخد"، كما أن هناك دلائل على أن شبكة من الطرق التجارية الهامة القادمة من "الأردن" و"بصرى" قد مرت "بالقريا" متجهة إلى كل من "السويداء" و"شهبا" ثم إلى "دمشق"، وعن العبادات المنتشرة في تلك البلدة حينها».
ويتابع الدكتور "أبو عساف" بقوله: «لقد انتشرت في بلدة القريا القديمة عبادات قديمة خصصت لها معابد الآلهة "اللات" و"تياندريوس" التي زالت أغلب معالمها اليوم».
بقي أن نذكر أن معنى "القريا" في اللغة هو: "القري" وهي جمع "أقرية" وهو مسيل الماء من الربوة إلى الروضة، أي المجرى الصغير في الماء، ويقال أيضا: قرى الماء في الحوض أي جمعه، وقرى الضيف: أضافه و"القِرى": ما يُقدّم للضيف، وقد يكون معنى "القُريا" تصغيراً للقرية. وجمعها أقرية، والقريتان: هما "مكة والمدينة" ولا ننسى أن "القريا" هي بلد المغفور له "سلطان باشا الأطرش" قائد الثورة السورية الكبرى وبذلك تكون هذه البلدة بلدة الآثار والثورة.
