التطريز هو أحد الفنون الحرفية العريقة التي عرفتها مدينة "حمص" منذ مئات السنين، ويُعتبر هذا الفن المميز بأشكاله وألوانه وتقنياته القديمة والحديثة شاهداً على العصور المتعاقبة، ومرآة عاكسة للحياة اليومية للأجيال، على الرغم من التطور الكبير الذي شهده على أكثر من صعيد، سواء على مستوى الألوان المختارة أم النماذج العصرية والإبداعية الحديثة.
والتطريز أو"الوشي" هو كل رسم أدخل غرزاً وخيوطاً ملونة فوق القماش أو اللباس أياً كان نوع الخيط أو القماش أو لونهما، فالمهم أن التطريز هو نوع من الرسم يعتمد على حس الحرفي أو الحرفية وذوقهما إن كان على النول اليدوي أو على أحدث ما توصلت إليه التقنية الحديثة من آلات تطريز كهربائية ذات كفاءة عالية جداً أعطت المزيد من الحرية للمطرزين والمطرزات المهرة باستخدام أنواع مختلفة من التطاريز وباعتماد نماذج أكثر عصريةً وفتحت آفاقاً جديدة لهذه المهنة، تجلى فيها جمال الحرفة ونقاوة العمل على مستوى الكم والكيف، وأتاح ارتباط التطريز بفن الرسم مساحة واسعة من الخيال والإبداع الفني فأصبحت لوحة الرسم مخططاً لعملية التطريز، وقاعدة له تحدد ألوانه وتعرف طبيعة خيوطه وخطوطه.
بعض أشكال التطوير ومن ذلك حشو عناصر الصرما بالقطن والحياكة حولها ويتم التفنن في شكل القطعة أو رسومها حسب ذوق المطرزة أو حسها الفني
تتم عملية التطريز على السجاد والأثواب والأقمشة غالية الثمن والراقية كالكتان وثوب الحرير، وينفذ التطريز على القماش بواسطة خيوط الحرير المميزة بألوانها الزاهية، التي تصنع من مواد نباتية، وقد ظهرت في السنوات الأخيرة أنواع جديدة من التطريز، منها الحريري الذي يعد بواسطة خيوط الحرير وهو النوع الأكثر جمالاً وتميزاً من بين أنواع التطريز نظراُ لجمالية خيوط الحرير، والتطريز بالشعر وهو نوع قديم شهد انحساراً كبيراً في هذه الأيام، والتطريز بالورق وعلى الكتان وهو ما ينفذ على القماش والملابس والتطريز بخيوط الدانتيل وتنقش بها الملابس والتطريز بخيوط مذهبة وكل هذه الأنواع تعتبر ابتكارات فتحت آفاقاً جديدة أمام المبدعين والفنانين العاملين في هذه الحرفة.
من "الغرز" إلى "الرشم"
تستعمل في التطريز جميع التقنيات الحديثة والعصرية حيث تزيين الأقمشة بالرسومات البديعة والألوان الزاهية ليعبر كل واحد منها عن فن إبداعي وذوق رفيع للمبدعين ليجسد كل أحاسيسه عبر لوحات مطرزة مصنوعة بتقنيات عالية يبرز فيها نوعان من العمل الفني: وهي تقنية تطريز (الغرز) وتقنية طرز (الرشم).
ويعتبر التطريز في "حمص" موروثاً حضارياً تتناقله الأجيال جيلاً عن جيل منذ القدم وإلى الآن، فالأم تلقن ابنتها أو حفيدتها مهارات هذا الفن في المنزل، أو تتعلم بعض الفتيات فنون هذه الحرفة في معاهد الفنون النسوية أو في مشاغل خصصها فرع الاتحاد النسائي، وهو فن لا يُستغنى عنه في عالم النساء، فالمرأة تطرز حاجياتها الضرورية في المنزل أو تعرضها للبيع أو تهديها. وتختلف الألوان المختارة للتطريز من منطقة إلى أخرى، أما الرسوم والنقوش المختارة فيعبر عنها من خلال أشكال هندسية أو صور نباتية أو حيوانات.
من" النول" إلى"الآلة"
من أنواع التطريز المعروفة في "حمص" "الصرما" وهي طُرز نسيجية فاخرة امتاز بها السوريون منذ أكثر من مئة عام وتفردت "دمشق" بالصدارة على نظيراتها الأخريات. وللإطلاع على ماضي وواقع "الصرما" التقينا في "سوق الحرير" في "حمص" السيد "بسام شرف الدين" الذي ينتمي لعائلة اختصت بالمطرزات الشرقية منذ عشرات السنين.
الذي قال لنا: «أزاول مهنة تطريز "الصرما" بالوراثة عن آبائي وأجدادي، وكانت هذه المهنة في الماضي تتم على نول يدوي يصنع بإمكانيات محلية، وفي مرحلة لاحقة تحول إلى نول الكتروني مالبث أن تحول إلى نول ميكانيكي وصولاً إلى المرحلة الراهنة - أي مرحلة التطبيق الالكتروني ذو التقنية العالية». و"الصرما" كما يقول السيد "شرف الدين" «تعني خيط القصب والإبرة يدوياً، ومع مرور الوقت تحولت إلى مرحلة ماكينة الخياطة اليدوية بنموذجها الألماني الفريد ذو الإبرة الواحدة مع الحفاظ على جمالية التطريز».
وحول آلية المهنة يتابع: «يبدأ العمل مع خيط النسيج وهو الآن قطني يتم إحضاره من شركات القطاع العام النسيجية ثم يفصل النموذج المطلوب سواء كان مفارش أسرَّة أحادية أو ثنائية ومفارش الطاولات والأرائك وسواها وتبدأ عملية رسم الموديل بواسطة (كلكة) ثم تثقب بثقوب صغيرة وتُملأ فراغات هذه الثقوب ببودرة (الأهرة) وهي تطبيق محلي لتتم بذلك مرحلة الطباعة ننتقل إلى طريقة التطريز الآلية ثم مرحلة الخياطة وفور الانتهاء تنظف القطعة من الزوائد (تنمش) بمصطلح المهنة ثم تُكوى وتعرض.
لوحات تنطق بالإبداع!
لا تقتصر أشغال "الصرما" على المعامل والمناسج فحسب بل يمكن اعتبار هذه المهنة منزلية أيضاً تمارسها النساء والفتيات السوريات في البيوت كنوع من ملء الفراغ أو لتحقيق دخل مادي يساعدهن في حياتهن اليومية ويملي عليهن شعوراً بالإنتاجية وتحقيق الذات. ومن هؤلاء الشابة "انتصار الجاسم" التي تمتلك أنامل تحول القماش الخام إلى لوحات تنطق بالإبداع والإحساس الفني الصادق، ومن خلال مشغولات "الصرما" و"الكنفا" التي تطرزها على نول خشبي صنعته بنفسها.
حول طبيعة ومراحل "الصرما" التي تنفذها تقول: «أقوم أولا باختيار الرسمة المراد تنفيذها على الثوب أو القطعة من "الكاتلوج" وبعد تصغيرها أو تكبيرها حسب مكان تنفيذها أرسمها على الورق وأطبع الورقة على القماش، ثم آتي بقطعة من الكتان وأشدها على النول لتنفيذ الرسمة على قطعة جلد وأشدها وأقطبها فوق القماش المشدود على النول وأثبت "الصرما" من الجهتين وأشكها على الطريقة التي تظهر فيها جميلة وقد أُدخلت على هذه المهنة التقليدية الجميلة»، -كما تقول انتصار- «بعض أشكال التطوير ومن ذلك حشو عناصر الصرما بالقطن والحياكة حولها ويتم التفنن في شكل القطعة أو رسومها حسب ذوق المطرزة أو حسها الفني».
