«كنت بأمس الحاجة لمبلغ ثمانية آلاف ليرة سورية، عرضت مكتبتي التي جمعتها كتاباً وراء آخر على بائع للكتب المستعملة، يبسط جانب السور الشمالي للمتحف الوطني في "الرقة"، لم يكترث لمشكلتي، عرض عليّ مبلغاً وقدره خمسة آلاف ليرة سورية، كان قمة في الانتهازية معي، قررت حينها أن أبيع كتبي بنفسي، بسطتها أمام الباب الرئيسي لحديقة "الرشيد"، فبيعت بأضعاف المبلغ الذي كنت بحاجته، ومن يومها تغيرت حياتي».

هكذا يبدأ "عبد اللطيف العايد" المعلم المتقاعد، والشهير بأبي سامي حكايته التي رواها لموقع eRaqqa بتاريخ (2/8/2008)، حكاية يتجاوز عمرها /25/ عاماً، ويتابع حديثه قائلاً: «عملت معلماً في أغلب مدارس المحافظة، كنت أحب القراءة كثيراً، إذ لم يقع في يدي كتاب إلا وقرأته، وأنا اليوم بعد مضي هذه الأعوام كلها، أشعر بالرضى التام عن عملي، فلم أحرم طوال هذه الفترة أي عاشق للكتاب من متعة قراءته أو اقتنائه، شهدت على قيام مكتبات منزلية، كما كنت شاهداً على انهيار أخرى، أخذت دور الوسيط بين البائع والمشتري، ومارسته إن شاء الله بنزاهة، وكنت دائماً آخذ ربحي بموافقة الطرفين، البائع والمشتري، وكثيرة هي المواقف التي مررت بها خلال عملي هذا، الذي كان يخولني دخول بيوت الناس، منها المضحك، ومنها المبكي، ولن أنسى ما حييت قصة شرائي لمكتبة أحدهم، الذي باعها كي يجري لنفسه عملية جراحية، بعد أن تخلى عنه الأهل والأصحاب».

بالصدفة تعاملت مع العم "عبد اللطيف"، كنت مهووساً بقراءة الروايات الغرامية، وترددت كثيراً على مكتبته، وحدث ذات مرة أن سألني رأيي بكتاب كان يتصفحه، فقلت له وأنا مضطرب بأنني لم أقرأه، فقدمه لي وقال: اقرأه فإن أعجبك فهو هدية من عمك أبي سامي، لقد قام بتوجيهي نحو القراءة الصحيحة بطريقة غير مباشرة، أتمنى له طول العمر

ومن لا يعرف "أبا سامي" بائع الكتب المستعملة الأكثر شهرة في محافظة "الرقة"، فكل من يهتم بالكتاب وبالأخص أمهات الكتب النفيسة التي لم تطبع مرة أخرى، لا بد أن يكون قد تعرف به، رجل بسيط متواضع ترتاح له النفس منذ اللقاء الأول، يقبل إلى محله الصغير الذي أستأجره إلى الشرق من المجمع الحكومي، مرتدياً ذاك الزيُّ الذي كان يمتاز به موظفو ستينيات القرن الماضي، طقم سفاري رمادي اللون أصبح يشكل جزءاً من هيئته التي عهدها محبوه من الوسط الثقافي، الذين تجد بينهم الموظف، والطبيب، والمحامي، والمعلم، والشاب الذي يرتاد مكتبته بحثاً إما عن مرجع مهم إن كان طالباً جامعياً، أو محباً للقراءة بأنواعها، هارباً من موجة الغلاء في المكتبات المنتشرة في المحافظة.

أبو سامي في مكتبته

الدكتور "علي السوسو" أحد رواد مكتبة "أبو سامي" تحدث قائلاً: «عشقي للكتاب هو الذي عرفني بالسيد "عبد اللطيف"، إذ نصحني أحد الأصدقاء بالذهاب إليه عندما احتجت لمرجع ضمن اهتمامي بمجال الفلسفة، فالتقيته يجلس على كرسي صغير قبالة حديقة "الرشيد"، وقد بسط كتبه أمامه، وجدت ضالتي عنده في حينها، وتعددت زياراتي لمكان تواجده، وكنت أفتقده في الشتاء حيث كان يستثمر إحدى غرف منزله لعرض ما لديه حسبما علمت لاحقاً، لم يعدني مرة بكتاب إلا وجاء به إلي، حتى لو اضطره الأمر للبحث عنه في المكتبات المنزلية التي يعرف رغبة أصحابها ببيعها، إنه صديق مميز للكتاب، ولمحبي الكتاب، لا أذكر زيارة قمت بها لمكتبته إلا ووجدته يقرأ كتاباً، أو يتصفح جريدة، إن كل مثقفي هذه المحافظة هم من زوار مكتبته المتواضعة من حيث مظهرها، والغنية في مضمونها».

والتقينا الباحث في التاريخ "علي السويحة" الذي قال: «كلما أمعنت النظر بمكتبتي أجد لصديقي "عبد الطيف العايد" أيادٍ بيضاء بغنى مكتبتي بالكتب القيمة، معرفتي به لا تنحصر ضمن إطار الكتاب، ولكنها تتجاوز ذلك إلى العلاقة الاجتماعية، هو رجل يعمل بكل طاقته ليؤمن لعياله عيشةً كريمة، طيب مع كل الناس ويشهد له بذلك جيرانه، تعلم من الكتاب فن الصمت، فقلما تراه يتكلم، أغلب وقته يقضيه بالقراءة، وقع بين يديه أمهات الكتب وتعامل معها بكل مسؤولية، فهو لا يبيع كتاباً قيماً إلا لمن وجد لديه القدرة الفكرية لمعرفة قيمة الكتاب الذي بين يديه، فليس القصد دائماً هو الربح المادي، ساعد الكثير من طلاب البحوث بتأمين المراجع الضرورية لبحوثهم، ومن لم يتوفر لديه ثمن هذا المرجع أو ذاك، فإنه يعيره بكل أريحية، إنه نقطة مضيئة في مجاله، وشيخ الكار كما يقولون، فعندما تبحث عن كتاب مستعمل، أول ما يدور بذهنك أن تسأل "أبا سامي"، فإن لم تجده فمعنى ذلك أن فرصتك بإيجاده صارت ضئيلة جداً، أحييه باسم المثقفين جميعاً».

الباحث علي سويحة

كما التقينا الشاب "عبد الله العايد" الذي قال: «بالصدفة تعاملت مع العم "عبد اللطيف"، كنت مهووساً بقراءة الروايات الغرامية، وترددت كثيراً على مكتبته، وحدث ذات مرة أن سألني رأيي بكتاب كان يتصفحه، فقلت له وأنا مضطرب بأنني لم أقرأه، فقدمه لي وقال: اقرأه فإن أعجبك فهو هدية من عمك أبي سامي، لقد قام بتوجيهي نحو القراءة الصحيحة بطريقة غير مباشرة، أتمنى له طول العمر».

قرابة ربع قرن و"عبد اللطيف العايد" يمتهن بيع الكتب القديمة، رواده الآن من أغلب محافظات القطر وخاصة الشرقية منها، ترك بصمة عند عشاق الكتاب في كل المحافظة، ويذكر أنه من مواليد مدينة "دير الزور" عام (1957)، ويقطن مدينة "الرقة" منذ العام (1960)، وهو خريج دار المعلمين في "حمص"، أب لثلاثة أولاد وفتاتين، أكبرهم "سامي" الطالب في الصف الثالث الإعدادي.

الشاب عبد الله العايد