الذين سكنوا دمشق وتغلغلوا في حاراتها وزواريبها الضيقة، يعرفون كيف تفتح لهم الجنة ذراعيها من حيث لا ينتظرون.
بوابة صغيرة من الخشب تفتح ويبدأ الإسراء على الأخضر، والأحمر، والليلكي... وتبدأ سمفونية الضوء في الظل والرخام... شجرة النارنج تحتضن ثمارها، والدالية حامل، والياسمينة ولدت ألف قمر أبيض وعلقتهم على قضبان النوافذ.. وأسراب السنونو لاتصطاف إلا عندنا... هل تعرفون معنى أن يسكن الانسان في قارورة عطر..؟ بيتنا كان تلك القارورة.
.. وأخيراً شرفتني مدينة دمشق، بوضع اسمي على شارع من أكثر شوارعها جمالاً، ونضارة، وخضرة.. هذا الشارع الذي أهدته "دمشق" إليّ هو هدية العمر، وهو أجمل بيت أمتلكه على تراب الجنة.. السكنى في الجنة والسكنى في "دمشق".. شيء واحد
هكذا وصف شاعر الياسمين "نزار قباني" بيته الدمشقي في مئذنة الشحم.. في ذلك البيت وفي أحضان الياسمين، ولد وحبا ونطق كلماته الأولى
وأنت تتغلغل في حارات "دمشق" القديمة، وحين تدرك فجأة بأنك أمام بيت "نزار"، لا تستطيع أن تتابع مسيرتك دون أن تقرع ذلك الباب، وكأنك تشعر بأن هناك من يدعوك للدخول أمام ذلك الباب الصغير. تقف، وتشتمّ رائحة "نزار" المنبعثة مع رائحة الياسمين والليمون والمنثور، وهناك داخل ذلك البيت الشامي، تشعر بأن روحه لا تزال تحوم حول نافورة الماء، وتجلس في ظل شجرة الليمون وتحت الدالية.
تدخل لتجد نفسك في داخل ذلك العالم المليء بالأسرار، تماما كما وصفه "نزار".
ربما تحول "نزار" إلى شجرة من شجرات الياسمين، أو تناثر في هواء دمشق، أو بقيت أنفاسه مبعثرة كشعره في أرجاء هذا البيت.
يقطن هذا البيت الآن، عائلة دمشقية لا تقل عراقة عن عائلة القباني، تستقبلك هذه العائلة بترحاب، فهم اعتادوا على ضيوف "نزار" الذين لم يغيروا عاداتهم في زيارته وزيارة بيته، فهذا البيت كان ولا زال بيرقاً لشعراء "دمشق".
آمال.. وندوات كثيرة أقيمت من أجل تحويل بيت الشاعر الكبير "نزار قباني"، إلى متحف يضم تراثه الفكري والمادي.. واستملاك بيوت كبار الفنانين وانتشالها من مخاطر الاندثار.. والضياع وحفظها كوثائق.
"نزار"... وبيته.. وإرثه ليس ملكا لأحد بل ملك لكل مواطن.
دمشق تهديني شارعا:
بلفتة كريمة من الرئيس الراحل "حافظ الأسد"، أوعز بتسمية شارع من أكثر الشوارع نضارة وخضرة في "دمشق"، باسم شارع "نزار قباني"، ليوقظ هذا الخبر شاعرنا الكبير من سكرات الموت الذي كان قد بدأ يتسلل إلى جسده، ويكتب إلى صحيفة الحياة اللندنية قائلا: «.. وأخيراً شرفتني مدينة دمشق، بوضع اسمي على شارع من أكثر شوارعها جمالاً، ونضارة، وخضرة.. هذا الشارع الذي أهدته "دمشق" إليّ هو هدية العمر، وهو أجمل بيت أمتلكه على تراب الجنة.. السكنى في الجنة والسكنى في "دمشق".. شيء واحد».
