"القلعة تحتفل"... تظاهرة عاشتها قلعة دمشق التاريخيّة بقاعاتها وساحاتها والمنطقة المحيطة بها . فبين الثامن عشر والحادي والعشرين من حزيران تسللت الموسيقى والعروض الكرنفالية، وعروض مسرح الشارع من قلب المدينة القديمة إلى القلعة في جولات مسائية متكررة على مدى أربعة أيام، استوقفت الناس في أكثر من محطة (محيط مقهى النوفرة، مدخل سوق البزوريّة، ساحة المسكيّة، سوق الحميدية.. وصولاً إلى القلعة) وبتواطئ مقصود تبع الناس كرنفالات الموسيقى، وألعاب الخفّة ، والتمثيل الإيمائي، ولم يقاوموا سحر الحكايات.. تلك كانت لعبة مسرح الشارع التي غيّرت أولويات الكثير من المارّة في الأسواق، وكسرت الإيقاع الروتيني لحياتهم، عبر الإغراء و الجذب و الاستقطاب في تظاهرة نظمها المركز الثقافي الفرنسي بدمشق حول (فنون الشارع) شاركت فيها فرق فرنسيّة و سوريّة .
يوم الجمعة العشرون من حزيران كان يوم الذروة بالنسبة للتظاهرة/ المهرجان، حيث قدّمت كل الفرق المشاركة عروضها لتبدو منطقة قلعة دمشق ساحة لكرنفالٍ كبير استمر لأكثر من ثلاث ساعات. eSyria واكبت هذا اليوم الكرنفالي والتقينا بعددٍ من الفرق، والتقطنا لكم ملامح من العروض المقدّمة :
فرقة (كوزميك بانديتوس سيركوس) و( إيزيك لوفلوك) من فرنسا قدّما ألعاب على وقع الموسيقى اللاتينية لفرقة (كابويرا كومبانيا برناس برو آر) التي كان لها عروضها الخاصة ايضاً: (السامبا)، ورقصة فنون القتال الأفريقيّة البرازيلية (الكابويرا). الجزائري (موسى مقراوي) أحد الراقصين الأساسين في الفرقة روى لنا حكاية (الكابويرا): (يحكى أن العبيد الآتين من أفريقيا إلى البرازيل وعموم أميركا اللاتينيّة، حرموا من القتال بأمرٍ سادتهم، إلا أنهم احتالوا على ذلك بأداء رقصاتٍ لا تخلو من الحركات القتاليّة، على وقع موسيقى آلاتٍ إفريقية المنشئ (إيقاعيّةٍ ووترية)، أخذت أنغامها طابعاً لاتينياً شيئاً فشيئاً.. هكذا نشأت "الكابويرا" كشكل من أشكال التعبير الجسدي، الذي يقع في مجالٍ بين الرقص والقتال وفق طقوسٍ معيّنة، وتشكل الموسيقى القسم الأكبر من" الكابويرا" فهي تهدئ من سرعة اللعبة وتحدد الطراز التي تلعب به، وغالباً ما تتأثر بالغناء والتصفيق وبكليهما يشترك اللاعبون والجمهور، بدأت هذه الرقصة من البرازيل لتنتشر في ألمانيا وبولندا واليونان، وهي الآن في سوريّة بالتعاون مع السفارة البرازيلية بدمشق، وأصبح لها جمهور آخذ بالازدياد، بعد أن أتقنها العديد من الشباب السوري، الذين يشكلون عماد فرقة "كابويرا كومبانيا برناس برو آر" التي قدّمت عروضها اليوم)
عروض (الكابويرا) لم تكن الوحيدة ففي إحدى قاعات القلعة كانت فرقة (أوبوس) الفرنسيّة تعرض آخر مخترعاتها في جوٍ غلبت عليه الفكاهة، (أوبوس: مكتب مصنّعي العوالم الفريدة) تقدّم بشكلٍ أساسي عروضها التي ترتكز على فكرة مسرح الغرض- أي الشيئ الذي تم اختراعه لغرَضٍ ما- ويمثل هذا النوع من المسرح أحد فنون الشارع السائدة في فرنسا التي تعتمد على مقاربة الفن بشكله البدائي في لغةٍ فنيّة مبتكرة تمزج بين المسرح والأشياء، وبين الشائعات الحقيقية والحقائق الكاذبة، حيث تتقاطع الحياة مع المسرح والفنون الجميلة، بالتضافر مع جهود تقنيي الفرقة في إعادة تصنيع الأشياء المهملة، وتحويلها إلى اختراعات استثنائيّة في طرافتها تصاغ حولها الحكايا. (إيتيين غروبو وجاك بوردو) قدّما على مدى ساعتين اختراعاتهما الطريفة للجمهور ومنها آلة مبتكرة لقتل الفئران تجمع مابين (الصلايّة) التقليدية والمسدس، وبدؤوا بشرح مزايا اختراعهم للحاضرين، مع وجود متطوعين لتجريب الاختراع فمنهم من أدى دور قطعة الجبنة، وآخر أدى دور الفأر لإثبات فعاليّة الاختراع الذي ساد استخدامه – حسب زعمهم- في الريف الفرنسي خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، هكذا كانت تسير الأمور في عرض(القائمة الصغيرة) لفرقة (أوبوس) التي سبق وأدارت ورشة عمل في معهد (تياترو) بدمشق حول هذا النوع من المسرح حضرته فرقتي(خطا وورك شوب، وكون) المسرحيتين ضمن إطار التحضير لهذا المهرجان.
(موقف شخصي) هو العرض الذي قدّمته فرقة (خطا ورك شوب) في "القلعة تحتفل"، ويوم الجمعة كان يومه الثاني حيث قدّم أربع مرّات على مدى يومين، (موقف شخصي) من إخراج ( بسام داوود) وتمثيل (رامي عبيد، خلدون البطل، خالد مولوي، عيسى معقد) وهو مستوحى من فكرة مسرح الغرض.
(بسّام داوود) تحدّث لنا عن العرض: (هذا أول ظهور مسرحي لفرقتنا" خطى وورك شوب" عرضنا هو حالة من الارتجالات المبنيّة على التفاعل مع الجمهور وكيفية مخاطبته، حاولنا أن نلعب على أسلوب الحوار الذاتي الذي يمكن أن يورط الجمهور بالمشاركة في العرض المسرحي عبر استفزازه- بشكلٍ إيجابي طبعاً- تدور المسرحية حول رامي المخترع الشاب الذي يريد مع فريقه أن يقدم للجمهور اختراعه الجديد ، وهو فريد من نوعه (موقف باص شخصي) يتيح لمستعمليه إمكانية التحكم بما يحيط بهم من ظروف ومواقف، ومن خلال اللعب على الاستخدام اللغوي لكلمة ( موقف) نوجه انتقادات لبعض السلوكيات الخاطئة السائدة في مجتمعنا اليوم ومنها الكذب) الموقف الذي عرضته (خطا وورك شوب) كما شاهدناه مريح للمستخدم، يمكن استخدامه في الصيف والشتاء لأنه مزوّد بمروحة ومدفأة في آن معاً ، وفيه نظام طريف لاستثمار المياه المستعملة في ري النباتات، وهو مزوّد بتلفزيون استفادت الفرقة من وجوده لتوجيه انتقادها للأنماط الدراميّة التي تحتل المراتب الأولى في مشاهدة التلفزيون اليوم رغم عدم جودتها ، ومن خلال شاشة تلفزيون موقفها الشخصي عرضت الفرقة فيلماً عن التسول وأطفال الشوارع في دمشق ، عشرون دقيقة هي مدة العرض تم استثمارها بشكلٍ مكثف لتقديم فكرة اتخّذت شكل (البازل) بحسب المخرج وعلى ثلاثة مسارح بشكلٍ فعلي : السيارة التي تنقل المشاهد للعرض ، الساحة التي يقدّم فيه المخترع نفسه، المسرح الثالث الذي يعرض فيه الاختراع (الموقف الشخصي) حيث يعرض الفيلم القصير في نهاية العرض.
أمّا فرقة (كون) فقدّمت حكاية عنترة بن شدّاد وحبيبته عبلة، هذه الحكاية التي اعتاد (الحكواتيّة) على تقديمها في مقاهي دمشق القديمة وسط حماسٍ كبير من الجمهور عادت إلى أسواق دمشق، ولكن بشكلٍ مسرحي مبتكر للفنّان (أسامة حلال) مخرج العرض، موسيقى الآلات النفخية النحاسية استقطبت الجمهور عند مقهى النوفرة ، الذي تبع عربة حصانٍ أقلّت العازفين إلى ساحة المسكية ، حيث كان التوقف الأول للفرقة، لتأخذ عربة الحصان شكل المسرح الذي اعتلاه (أسامة تيناوي) وحكى الفصل الأول من حكاية عنترة بأسلوب أُثار حماسة الجمهور على وقع مبارزةٍ بما يشبه السيوف، وكأن الزمن لم يمر على مدينة دمشق ، ففي عصر العولمة والقنوات الفضائية مازالت حكاية عنترة تثير نخوة الرجال، حتى إن كانوا يرتدون (الجينز) و(التشيرت) ، ويسرحون شعرهم بطريقة (السبايكي) ، إنه عشق الدمشقيين لتراثهم العربي والذي نجح (أسامة حلال) في مخاطبته جيداً عبر اختياره لفكرة عرضه وطريقة تقديمها، الوقفة الثانية في سوق الحميديّة روى فيها (معتصم نصر الله) الفصل الثاني من حكاية عنترة على وقع الموسيقى، وعروض النار التي قدّمها( حاتم لأحدب) كمعادلٍ مشهدي لمجريات الحكاية ، الفصل الأخير من الحكاية رواه (الفرزدق ديّوب) على باب قلعة دمشق، واستطاع أن يثير حميّة الحضور ليدفعوا عربة الحصان إلى داخل القلعة وسط الموسيقى حيث أعلن عن نهاية العرض، مابين مقهى النوفرة وقلعة دمشق مروراً بسوق الحميدية تبع فرقة (كون) مئات الأشخاص من مختلف الأعمار لمتابعة حكاية عنترة بفصولها الثلاث كما روتها الفرقة.. إنه مسرح الشارع..
يأتي إسم فرقة (كون) من كلمةٍ باللهجة العامية السورية «كون» = «كن» سعيداً، كن قوياً، كن عفوياً، كن صادقاً، كن أنت كما أنت، قل ما لديك كما أنت، لا تغير في نفسك شيئاً، بل كن أنت كما أنت. انطلقت الفرقة من التجريب في فضاءات مختلفة لكسر المكان التقليدي للمسرح، ومن هنا كانت تجربة «كون» من أولى التجارب التي خرجت من العمارة المسرحية التقليدية في سورية لتتجه إلى فضاءات أوسع وأكثر رحابة ، إلى المسرح الموقعي بكل تجلياته من الشارع إلى أسطح الأبنية فالملاعب والأماكن المقدسة وغيرها من الفضاءات المختلفة التي حاولت وتحاول كون أن تؤسس عبرها مسرحاً مختلفاً.
بدأت الفكرة مع (أسامة حلال) ومجموعة من شباب المعهد العالي للفنون المسرحية الذين قاموا بمجموعة من المحاولات للخروج بعروض تشبههم وتشبه طريقة تفكيرهم. فكانت مجموعة من التجارب، التي بدأت تتبلور وتتطور، ليخرج هؤلاء الشباب بتجربتهم وهم ما يزالون طلاباً، حتى تطورت الفرقة واستمرت بعد الخروج من المعهد العالي للفنون المسرحية لتجمع حولها المزيد من الخبرات- مصدر المعلومات عن فرقة ( كون) موقعها على شبكة الانترنتwww.Koontheater.com -
تلك كانت جولتنا مع فنون الشارع ضمن تظاهرة " القلعة تحتفل" في أحد أيام الذروة من المهرجان الذي استمر على مدى أربعة أيام من الكرنفالات و العروض الجوالّة.
