تعد الدعوة إلى التواصل مع الأدب المشرقي بعد أن انصرف جل اهتمام الباحثين إلى الأدب الغربي، أبرز الأهداف التي دعت الباحث الأستاذ الشاعر "فواز حجو" إلى إلقاء محاضرة بعنوان:
«قراءة في الشعر التركي الحديث»، وذلك في قاعة المحاضرات في المركز الثقافي العربي مساء 26/5/2008، فنسي الباحثون أدب الأمم الآسيوية التي لا يفصل بيننا وبين أقاليمها إلا حدود العزلة التي رسَّختها ظروف سياسية طال أمدها، في حين نجد الغرب قد اهتم بأدب هذه الأمم، وربما كان اهتمامنا مؤخراًً هو صدى لاهتمام الغرب، والأغرب من ذلك أن ما قمنا بترجمته عن أدب هذه الشعوب لم يكن عن طريق لغاتها الأم، وإنما عن طريق الإنكليزية أو الفرنسية أو الألمانية وغيرها من اللغات الغربية، باستثناء الأدب السوفييتي الذي تواصلنا معه وترجمناه انطلاقاً من موقف أيديولوجي.
وكان لمجلة (لوتس) فضل كبير في تعريفنا بالأدب الآسيوي والأفريقي لأنها ناطقة بأدب هاتين القارتين، وكانت تصدر عن اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا، وعن طريق هذه المجلة قرأنا عدداً غير قليل من قصائد الشعراء الأتراك.
والمشهور عن الأديب "عزيز نيسن" أنه كاتب قصة ورواية ومسرح، وقليل من يعرف أنه كتب الشعر، ونشره، وترجمت له شذرات شعرية، وقد استوحى الباحث "فواز حجو" من شعر "عزيز نيسن" مضمون بعض أبياته وفكرتها، وقام بترجمتها ترجمة أطلق عليها «ترجمة غير أمينة لقصيدة "الانتظار" لعزيز نيسن» ونشرت تحت عنوان: «الانتظار» وهي تقول:
كانتْ رُوحي ثَمَرةً مُعَلَّقةً..
على غصنِ الانتظارْ
وحينَ لم تَأْتي
على الموعدِ يا حبيبتي
هَبَّتْ عليها رياحُ الضَّجَر
وأَرغمتها على السقوط
وأشار الباحث "حجو" بعدها إلى الأدب التركي الحديث لـ"غنطوس الرامي" الذي كان سباقاً إلى التعريف بالشعر التركي الحديث هذا الأدب الذي ناله الإهمال والتجاهل، فمنذ عام (1942م) أقدم هذا الشاعر على التعريف بالشعر التركي الحديث في مجلة (الأديب) البيروتية في عامها الأول، وبدأ بنشر سلسلة مقالات مترجمة تحت عنوان: «الأدب التركي الحديث»، أشار فيها إلى الشاعر "ناظم حكمت" والشاعر "أحمد قدسي" و"نسيب فاضل" و"ياشار نبي" الذي احتفى به "غنطوس الرامي"، وقال في تعريفه: "من الشعراء الترك الشباب المجددين، ولد في أوسكوب، وهجرها مع عائلته، ليقيم في استنبول، حيث تخرّج في كبريات معاهدها. وسنة (1937) نشر مع ستة من أصدقائه، مؤلفاً سُمّيَ (المشاعيل السبعة) أحدث ضجة عالية في عالم الأدب. وله مجموعات شعرية عدة أروعها: (الأبطال) و(العشاريات) وله أيضاً مؤلفات قصصية منها: «آدم وحوّاء» و«امرأة تتكلّم» كما له مسرحياته وترجمات، وقد ترجم له خمس مقطوعات شعرية، هي: أمام المصوّر– الأزمان أحلام– انتظار– النحات– عيناك) واختار الباحث حجو مقطوعة (النحات) التي يقول فيها:
تفرغ الخالق زمناً طويلاً
وانكبّ على الطين يسقيه من ماء جبينه
ليبلغ بشكلكِ أوج الكمال.
فأخذ من ضوء النهار لونكِ
ومن أعماق البحار هدوء عينيك
ولكن خالقك نسي أن يجعل في قلبك قليلاً من الحنان
وأنا الذي كيّفت بيدي هذه، أصلب المعادن
وخلقتُ من الحجر شكلاً
وعرّيتُ الرخام كما تعرى البرتقالة
أسأل نفسي: أباستطاعتي أن أنحت هذا القلب أيضاً
لقد تعبت وسفحت ماء جبيني
وسدى ذهبت جهودي
ردّي على، ردّي إليّ رخامي
فكتلة اللحم هذه أقسى من الحجر.!
وأشار الباحث "حجو" إلى أنَّ المراجع العربية عن الشعر التركي تضنُّ علينا كثيراً بالمعلومات، وهذا ما يجعل مهمة الباحث في هذا الشعر صعبةً، وخاصّة إذا كان لا يستطيع أن يطّلع على المصادر التركية لهذا الشعر، ومن المراجع القليلة عن الشعر التركي في العهد العثماني كتاب قيّم للباحث "حسين مجيب المصري" الذي كان من أوائل الباحثين في هذا الشعر، والكتاب بعنوان: «من أدب الفرس والترك»، وقيمة هذا الكتاب تأتي من عدّة نواحٍ لعلَّ أهمها تلك المقارنة بين الأدب الفارسي والتركي، وهذا الباحث من أوائل المشتغلين بالأدب المقارن بين هذين الأدبين، ولهذا الباحث كتاب آخر بعنوان: «فارسيات وتركيات» يجمع بين الأدب والتاريخ ولم يتقيد بقديم ولا حديث، وجمع بين المنثور والمنظوم، ويحرص على كلّ مستطرف وشائق في الأدبين الفارسي والتركي، وقد ترجم فيه مختارات من الشعر والقصص التي لها صلة بالحياة في ذلك العصر.
eAleppo التقت الباحث "فواز حجو" وسألته عن سبب اهتمامه بهذا الأدب, فقال: " في حواراتٍ أجراها معي الأستاذ "محمد الراشد" في صحيفة (الجماهير) عام (1999)م تحت عنوان: «إشكالية التأثر و التأثير في الأجناس الأدبية» و"إشكالية الإبداع أمام ترسانة الواقع" دعوتُ إلى التواصل مع الأدب المشرقي بعد أن انصرف اهتمامنا كلياً إلى الأدب الغربي, فبدأت التواصل مع هذا لأدب والبحث فيه بل وترجمته, فوجدته أدباً مشرقياً إنسانياً يجدر بنا الاهتمام به, وبدأت الكتابة والاهتمام بهذا الأدب في الصحف والمجلات, كما بدأت الكتابة عن أعلامه والتعريف بهم, مثل: "عزيز نيسن" و"محمد عاكف أرْصُويْ" و "ناظم حكمت" والشاعرة التركية "غولتن آكن" وغيرهم, وهذه دعوة للتواصل مع الآداب الشرقية ".
