بين أصابعه الصغيرة التي أتعبتها انحناءات أخشاب الحور والشوح ومن بدايات العمر اشتاق أحمد السمرة لأن يصنع شيئاً توالت ذكرياته بين أزقة حيه القديم في حيفا.

ففي عام 1960 نطق الهوى حكايته على شواطئ اللاذقية واستغل المرحوم أحمد السمرة براعته في العزف على العود وافتتح محل لصناعة الأعواد وصيانتها وبدأ من هناك بألحان رياح حيفا لتبكي ومن سورية الحبيبة قصة مجد فلسطين.

في أبعاد غرفة صغيرة لا ترى فيها إلا الأعواد مصفوفة على الرفوف وقد علاها الغبار الذي ما زادها إلا ألقاً ووقاراً، وعلى جدرانها القديمة صور لتاريخ لم يبقى منه إلا الصور والأرقام وشهادات تركت نفسها هنا لتراها عقارب الساعة القديمة ولتسمع صدى نجاحها تلك الأوتار التي ما فتأت ترقص على أنغام الماضي، واليوم وحين دخلنا لم نرى أحمد السمرة وغازلنا من وراء الواجهة الصغيرة شاب لم يتجاوز الثلاثين من عمره وبين يديه عوده الطفل يكسيه عماد السمرة الابن الأصغر لأحمد السمرة بأخشاب الشوح والحور وغيرها من الأخشاب المستخدمة.

أحمد السمرة غادر دنيا الأرقام والأحلام ورحل إلى غير رجعة ليتولى ابنه الصغير مقاليد المهمة الصعبة والتي زرع والده في ذاكرته كل ما يتعلق بها فبعد عام 1999 قاد عماد السمرة دفة المحل القديم وراح ينحت في أخشاب الماضي ألحان الحب ويرسمها على سطور الأعواد الصفراء.

elatakia وفي زيارة خاصة لهذا المحل القديم شاهدت وسمعت كل ما يجول في تواترات تلك الأوتار المرمية هناك على الرفوف ولم نشعر إلا بعقارب الساعة تمضي وتمضي دون استئذان وترحب بنا ذكريات وضعها عماد بين طيات طاولته القديمة والتي تركت لمسات والده حية ترزق من سماع حنين أوتار العود إليه.

وفي بداية اللقاء وبعد حسن الاستقبال الذي استقبلنا به شرح عماد لنا كيفية صنع العود حيث قال: إن صناعة الأعواد قديمة ومن تاريخ طويل لم نشعر بيوم إلا والعود موجود هنا وهناك بين أحضان العازفين والملحين لذلك وكل عمل يتطلب مني أن أجمع بعض الأجزاء الخشبية والتي تسمى دعائم العود المكونة عادة من أجزاء خشبية مصنوعة من أخشاب الشوح المنشورة لهذه الحاجة، وأعمل بيوم أو يومين على جمع الأجزاء الأولى للعود، ومن بعدها أغطي الهيكل الخارجي للعود برقائق خشبية مصنوعة من خشب الحور عادة، ويبدأ هنا التفنن بالزخرفات الجميلة والتي تبدو جلية على الأعواد الأصيلة والقديمة ومن ثم ومن خلال الخبرة التي اكتسبتها ألحق الأوتار الثمانية المزدوجة بالعود وأعمل على تنظيمها حسب تواتر معين ليصبح هذا العود معد تماماً للعزف، ويستغرق هذا العمل مايقارب الأسبوع وبشكل عام أصنع مابين 5 و6 أعواد كهربائية كانت أوعادية بالإضافة إلى أنني أصنع مع الأعواد عدد من الآلات الأخرى الوترية خصوصاً مثل الغيتار والبزق والكمان العادية منها والكهربائية.

وعن الكلفة الوسطية للعود الواحد أجاب عماد أن كلفة العود تعود لجودة الخشب المصنوع منها، والمواد اللاصقة التي تكسو الطبقة الخارجية للعود، والدقة العالية المطلوبة من الهاوي الذي طلب مني صنع العود وقد يصل سعر العود إلى(15) ألف ليرة وهناك أعواد تدريب يصل سعر الواحد منها إلى(5000) ليرة وألاحظ إقبال كبير في الفترة الماضية على شراء العود ولا أعد نفسي أن هذا العمل هو تجارة لأني وأبي من قبلي لنا مرتادين معينين وليس من المعقول أن يأتي إلينا شخص ليس عنده أي رافد موسيقي أو هواية فنية معينة ولذلك عملنا هنا يعتمد بشكل كبير على الإبداع والصبر بالإضافة إلى حبك العميق لأي عمل تقوم به لكي يظهر بالشكل الذي ترضي به ضميرك ووجدانك، وإحساس كبير انتابني عندما أنهيت عودي الأول والذي صنعته في سنة 1999 ومن ذلك اليوم شعرت أنني أستطيع أن أصبح مبدع ومتقنٌ تماماً لعملي وحرفتي.

وعمن يتمتع بحق تعلم هذا الفن من عماد قال: إن الجميع مدعو لكي يتعلم مني وكثير هم من تعلموا معي من أبي وليس بالضرورة أن يتعلم ولدي مني فالأمر يتعلق بالموهبة والوازع الفني الموجود، وتلاحظ اليوم أصبح تعلم الفن والموسيقى موفر وتوافرت معاهد كثيرة هنا بالمحافظة وظيفتها تعليم العزف على كل الآلات الموسيقية.

لا أنتظر من يشتري مني الأعواد ولا أحاول التعريف كثيراً بنفسي بل كل ماأتمناه أن تعود قدسية العود ومكانته وأن توضع حقاً في متناول من يفهم معانيها ويقترب من جنون أوتارها ومن elatakia أوجه ندائي إلى كل من يريد التعلم وأقول له أن محلي المتواضع وبكل ما هو موجود رهن موهبته وشرف عظيم أن يخرج من هذا المكان من ينطق الموسيقى فناً وكلمات.

أدواته القديمة والبسيطة مكنت عماد من أن يصنع في كل أسبوع عوداً واحد ومما زاد سمعته ألقاً وشهرة وصول أعواده إلى أوروبا والخليج العربي، وكان قد تعاون معه كثير من عمالقة العود في الوطن سورية أمثال الأستاذ محمد عجان والأستاذ حسين السبسبي وغيرهم من الأساتذة الذين عرفوا وما زالوا إلى اليوم يمارسون هذه المهنة.