يمتدّ موسم الحصاد في الجولان والقنيطرة كحكاية طويلة، تتداخل فيها الأدوات التراثية، الأغاني الشعبية، العمل الجماعي، والابتكار الحديث ورغم دخول الآلات الزراعية المتطوّرة إلى المنطقة، بقيت بعض الأدوات القديمة، وعلى رأسها الحاشوشة (المنجل)، حاضرة في الذاكرة الجمعية، وشاهدةً على زمنٍ كان فيه الحصاد عملاً يدوياً خالصاً، يرافقه إيقاع الأغاني وصبر الفلاحين.
الحاشوشة.. من أداة يومية إلى رمز تراثي
في قرية سويسة، يروي الحاج أحمد الخالد لمدونة وطن قصّة الحاشوشة التي لطالما ارتبطت بذاكرة الفلاحين، قائلاً: "هي أداة تقليدية، لكنها ممتعة، لأنها تذكّرنا بأجدادنا وتراثنا الماضي" ويوضح أنها أداة صغيرة تُستخدم لإزالة الأعشاب الضارة حول المزروعات، وتنظيف التربة، وتهيئة الأرض قبل الحصاد، خاصة في بداية موسم الشعير والقمح، وفي حصاد البقوليات الذي يُسمّى "الحلاشة"، حيث يجمع الفلاح المحصول بيديه.
ويضيف الخالد أن الحاشوشة هي الأداة الأساسية لقطع السنابل، وقد ارتبطت بأغاني الفلاحين التي كانت تُردد أثناء العمل لتخفيف التعب، قائلاً: "هذه الأغاني كانت جزءاً من إيقاع الحقل، وما زال الأهالي يتذكرونها حتى اليوم، فهي ترافق حركة اليد وتُنعش روح العاملين"، مستشهداً ببعض الأبيات الشعبية:
"قوم ارحل عنا يا زرع
جاك الحاشوشة يذرع ذرع
وآني خيال الحاشوشة
والحاشوشة خيال الزرع
منجلي يا منجلاه
رايح للصانع جلاه"
أدوات حاضرة.. رغم الحداثة
ومع قلّة الحصّادات الحديثة في القنيطرة، راح بعض الفلاحين يعودون إلى الأدوات اليدوية، وخاصة الحاشوشة، التي بقيت جزءاً من المشهد الزراعي، وإن كان حضورها اليوم أقرب إلى التراث منه إلى العمل اليومي.
رغم دخول الحصّادات الحديثة إلى القنيطرة، بقيت الحاشوشة حاضرة في الحقول الصغيرة التي لا تصل إليها الآلات، كما أنها ما تزال محفوظة في البيوت الريفية كقطعة تراثية تعبّر عن الهوية.
ويقول الفلاح محمد أبو قبيس من الريف بالقنيطرة: "في المناسبات الشعبية التي تُعرض فيها الأدوات القديمة، تظل الحاشوشة ماثلة في الأذهان، ووجودها في ذاكرة الفلاحين يجعلها رمزاً للكدّ والصبر".
لكن أبا قبيس يقارن بين زمن الحاشوشة ودخول الآلات الحديثة، وخاصة الحصّادات، مشيراً إلى أن هذا التحول غيّر شكل الحصاد في الجولان والقنيطرة، إذ وفّر سرعة في الإنجاز، وقلّل الجهد البدني، وأتاح حصاد مساحات واسعة في وقت قصير، مع تقليل خسارة السنابل المتساقطة.
من جهته، يرى المهندس الزراعي محمد صليبي من بلدة أوفانيا أن للحاشوشة دوراً رئيسياً لا يُنازعها عليه حتى اليوم، رغم دخول الآلات الحديثة، وخاصة في الأراضي الجبلية والوعرة التي لا تصل إليها الحصّادات. لكنه يلفت إلى أن العملية الحديثة في الحصاد فقدت جزءاً من روحها الجماعية بغياب الحاشوشة، التي كانت تجمع أهل القرية في البيدر.
اللاقوطة.. سيّدة الليل ورفيقة الحصّادين
أمّا اللاقوطة، فهي أداة مساعدة للحاشوشة، كما يوضح الباحث في الموروث الشعبي يحيى موسى المبارك، الذي يقول: "تبدأ عملية اللقاط قبل الفجر، وتذهب اللاقوطة مع الحصّادين في ساعة متأخرة من الليل إلى الحقل".
ويضيف المبارك أن اللاقوطة كانت جزءاً أساسياً من ضمان عدم ضياع أي سنبلة، وغالباً ما كانت تُكافأ ببعض السنابل التي تجمعها بمهارة وصبر. ويتابع: "اللاقوطة، وهي المرأة غالباً، تساعد في الحصاد حتى شروق الشمس، ثم تبدأ بجمع السنابل المتساقطة أو التي بقيت واقفة دون حصاد، بعد أن ينهي المُغَمِّر تغمير القش".
ويشير إلى أن اللاقوطة تأتي مع ورشة الحصاد، وتعود معهم بعد انتهاء العمل، وكثيراً ما يقدّم صاحب الحقل لها بعضاً من سنابل القمح المحصود كرماً. ومع بداية موسم الحصاد، يحضر الرعاة ويخيمون مع مواشيهم بجوار حقول القمح، فيعطي صاحب الحقل للمرأة بدل ما أحضرته حُلّة قمح كاملة، تحزمها وتأخذها إلى بيتها لتدقها هناك.
الغمّارة.. أداة تحمل اسم المرأة التي أتقنتها
أمّا الغمّارة، فحسب رواية أبناء الجولان، فهي أداة تراثية تُستخدم إلى جانب الحاشوشة لجمع السنابل بعد قطعها، وقد حملت اسم السيدة التي اشتهرت باستخدامها، فهي الساعد الأيمن للنساء العاملات في الحقول، وخصوصاً في المساحات الواسعة من القمح والشعير والشوفان.
وتُصنع الغمّارة غالباً من غصن سنديان منحوت بعناية على شكل الرقم 7، ويُقشر لحاؤه ويُجفف تحت الشمس ليصبح صلباً ومتيناً، مما يجعله أداة فعّالة ومستدامة.
