جاءت التظاهرة الثقافية والفنية في مشتى الحلو لتنبض بالفرح والحياة، وسط أجواء مجتمعية مفعمة بالمشاركة الواسعة، في تجربة استثنائية جمعت بين الإبداع والجمهور في فضاء مفتوح، وذلك في إطار ملتقى الفن التشكيلي ضمن فعاليات الدورة الرابعة عشرة لمهرجان "دلبة مشتى الحلو" لعام 2026، تحت شعار "أنت الدني يا وطني"، حاملةً رسالةً عميقة عن الهوية الوطنية والانتماء الروحي للأرض.

رسالة انتماء وإرادة تتحدّى

في البداية، أوضحت رانيا عنتر، المنسقة الإعلامية لمؤسسة الملتقى الثقافي الخيري، دلالات الشعار المركزي للمهرجان، الذي يعكس جذور الانتماء إلى الهوية والوطن في هذه المنطقة. وأكدت أن استمرار النشاطات الثقافية والفنية رغم التحديات يُعدّ انتصاراً للإرادة، مشيدةً بالتفاعل الكبير بين الفكرة والبرامج والمجتمع الأهلي بكافة أعماره، والذي اعتبرته السرّ الحقيقي وراء نجاح هذه الدورة.

الفنان سليمان القوصي

بلاغة الصورة في حضن الطبيعة

وفي قلب المهرجان، تميز ملتقى الفن التشكيلي باستضافته أعمالاً لكوكبة من الفنانين الموهوبين، من بينهم: يوسف عبدلكي، زافين يوسف، صفاء الست، ليلى حمزة، سراب الصفدي، طارق بطيحي، وسليمان القوصي وقد حاورت "مدونة وطن" الفنان سليمان القوصي، الذي تحدث عن مشاركته المستلهمة من أغنية فيروز الوطنية، واصفاً تجربته بأنها غنية ومتميزة، جسّدت انتماءه العميق للوطن عبر لغة اللون والشكل.

ساحة للمنافسة والتعلم

وأوضح القوصي أن الفنون المختلفة – الأدبية، والموسيقية، والتشكيلية – قادرة على التعبير عن العلاقة الوجدانية بين الفنان ووطنه وجمهوره، مضيفاً أن ميزة الفن التشكيلي تكمن في بلاغة الصورة التي تعبر عن إيقاع، وكلام، وخط، ولون، وملمس، وفق تجربة كل فنان ورؤيته الفريدة. كما أشاد بأثر الطابع الشعبي والجماهيري على الملتقى، الذي أقيم في الهواء الطلق بساحة سوق الدلبة، مما كسر الحواجز التقليدية بين الفنان والجمهور، وأضفى حيويةً استثنائية على تجربة التفاعل المباشر.

ورش الأطفال.. بذور الفن تنمو في تربة الغد

من أجواء ملتقى الفن التشكيلي

ولم يغفل الملتقى أهمية إشراك الأطفال، الذين شاركوا بحيوية في عدة ورش فنية متنوعة، شملت إنجاز لوحة "موزاييك" (بورتريه) للفنانة فيروز، وورشتي نحت بالطين، وأشغال يدوية بالورق، إضافة إلى ورشة طباعة بالأختام. وأكّد القوصي أن هذه الأنشطة لم تقتصر على تعليم التقنيات الفنية فحسب، بل عزّزت روح المشاركة، وغرسَت في نفوس الصغار حب الفن، آمِلاً أن يكون لذلك أثرٌ عميقٌ ومستدامٌ في تشكيل شخصياتهم الثقافية والفنية.

وقد تجلّت ثمار هذه الجهود في حماس المشاركين الصغار، كما عبّر عنها تلميذ الفن طارق إبراهيم (11 عاماً)، الذي علّق لوحته بجانب أعمال الفنانين المحترفين، مما منحه ثقةً بنفسه وحافزاً أكبر للاستمرار.

زوّار المهرجان.. فرحة تروي حكاية المكان

ومن جهتها، أعربت ريمون عطالله، القادمة من دمشق، عن إعجابها الشديد بالمهرجان، معبّرةً عن حبها لتراث الرحابنة وفيروز، ومؤكدة إيمانها بأهداف الفعالية الرامية إلى بناء مجتمع يسوده السلام والتعايش.

أما راما خليل، ابنة مشتى الحلو، فقد أثنت على المهرجان السنوي الذي بات موعداً ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً متجذراً في وجدان الأهالي، معبّرة عن أملها في استمرار هذه الفعاليات التي تسهم في تعزيز مكانة المنطقة، وتثري الحياة الثقافية فيها.

بهذا، يبقى مهرجان "دلبة مشتى الحلو" محطةً سنويةً ينتظرها عشاق الفن والثقافة، يحمل بين طياته روح الانتماء وأمل الحياة، وينسج لوحةً فنيةً نابضةً تُجسّد علاقة الإنسان بوطنه، عبر ألوان الإبداع وتنوع التجارب الإنسانية، مؤكداً أن الفن يبقى الجسر الأوثق بين الماضي والحاضر، وبين الإنسان وتاريخه الممتد في هذه الأرض الطيبة.